تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

يوم ثار فيزوف ودمّر "بومبي" إحدى أغلى جواهر الإمبراطورية الرومانية

نص : علاء خزام
13 دقائق

في 24 آب/أغسطس عام 79 ميلادية، ثار بركان فيزوف وسط إيطاليا وانحدرت حممه الملتهبة باتجاه المدن القريبة وحولتها إلى أنقاض. اختفت مدن بومبي وهركولانيوم وستابي وأوبلونتيس منذ ذلك الزمن تحت الرماد البركاني وقضى معظم سكانها حرقاً بينما لا تزال بقايا أجساد بعضهم المتفحمة قابعة في بعض الزوايا شاهداً على كارثة وقعت منذ 1938 عاماً.

إعلان

بومبي: مدينة رومانيّة نموذجيّة

كانت بومبي مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 30 ألف نسمة تتمتع بموقع جغرافي مثالي في عمق واد خلاب يرتاح بين جبال جليلة تخفي الأفق من ناحية واحدة، بينما لم تكن تبعد عن البحر سوى بضعة خطوات. طبيعتها المميزة وقربها من المركز الإمبراطوري جعلاها مقصداً لأبناء العائلات الكبيرة والأشراف الهاربين من حر روما إلى مناخ معتدل ولطيف. كان سكانها في أغلبيتهم تجاراً أغنياء يتمتعون بالإضافة إلى ذلك بسمعة طبية للغاية. بكلمة واحدة وحتى ندرك الراحة التي طبعت المدينة وأهلها، يكفي أن نعرف أن كاتب روما الأعظم شيشرون ابتاع فيها منزلاً والإمبراطور كلوديوس بنى لنفسه فيها فيلا واسعة.

ربما كان كل هذا الرخاء كثيراً على مدينة صغيرة غير ذات أهمية سياسية. فقبل اختفائها بفعل بركان فيزوف، عرفت المدينة زلزالاً هائلاً عام 63 ق.م دمر أجمل بيوتها ومسارحها، لكن السكان تمكنوا من الفرار حاملين أثاثهم ومقتنياتهم الثمينة. أعيد إعمارها فيما بعد وفق أساليب معمارية أكثر حداثة (خاصة الكورنثي الروماني) جعلتها على قدر كبير من الجمال والفخامة، وكان ذلك بفضل الأعطيات والمنح والمساهمات التي قدمها البومبيون الأثرياء لإعادة إعمار مدينتهم وتزيينها.

ارتفعت معابد جوبيتر وفينوس وإيزيس بسرعة مذهلة وشيّدت مسارح جديدة وانتصبت بشموخ أعمدة "الفوروم" الكبير تحيط بأروقته... عادت الحياة نشطة إلى المنازل التي زّينت جدرانها بالرسوم الحيّة وخرج الناس يقصدون المتاجر والمسابح العامة وكان "الأمفيتياتر" ممتلئاً لمتابعة الألعاب الرومانية الشهيرة. باختصار، كانت بومبي نموذجاً أمثل لما يجب أن تكونه المدينة الرومانية المتوسطة. في الوقت نفسه، كان جبل فيزوف الذي يبدو مهيمناً على المدينة رغم بعده النسبي عنها يمتلئ غضباً ويحضر لطوفان عظيم سيمحو كل أثر للحضارة.

الطوفان

يعود الثوران السابق لفيزوف إلى عام 3500 ق.م ولكن ذكراه اضمحلت شيئاً فشيئاً من ذاكرة الأجيال اللاحقة، حتى أن الرومان حين احتلوا بومبي عام 160 ق.م كانوا يجهلون أن ذلك الجبل الخصيب المطل على خليج نابولي ما هو في واقع الأمر إلا بركان. عام 62م أطلقت السلطات الرومانية في عهد نيرون تحذيراً للسكان من احتمال ثوران البركان.

بعد 17 عاماً، في ليلة 24 آب/أغسطس 79م، جن جنون الجبل فجأة وبدأ بالثوران مخرجاً كل ما تجمع في باطنه خلال مئات من السنين، وصب جام غضبه على المدن القابعة في سفحه مطلقاً نحوها وابلاً من الحجارة الصخرية الحارقة ألحقه بسيل جارف من رماد بركاني مشتعل أحرق الأرض التي مر فوقها عدة مرات وداهم السكان في منازلهم وأعمالهم وحتى أسرتهم بينما كانوا نياماً. ومن لم يمت حرقاً مات اختناقاً بفعل الدخان الذي أطلقه اشتعال كل شيء في المدينة وكذلك بسبب دوامة الغبار التي أرسلها البركان ولفت المدن من جميع الجهات.

الصخور المشتعلة والمقذوفة كما لو كان بواسطة منجنيقات والدخان الأسود الثقيل في كل مكان والرماد الحارق... كان الموت سيد اللحظة وتحولت تلك المدن في غمضة عين إلى أثر في التاريخ. كان لدى سكان بومبي منفذان ممكنان للاحتماء من ثورة البركان: فإما أن يطلق المرء ساقيه للريح في الريف المجاور أو أن يخوض البحر لكنهما كانا دون فائدة تذكر بسبب سرعة التدمير، أما من اختبئ في المتاجر أو في قنوات التصريف تحت الأرض أو في المنزل فقد قضى فور وصول الرماد المحترق.

المشهد الأكثر مأساوية الذي شاءت الأقدار أن يبقى لنتمكن من رؤيته هو هياكل العشرات من سكان بومبي وهركولانيوم المتفحمة والتي ما زالت على وضعيتها لحظة فاجأها الموت: فمنها من يمد يديه إلى الأمام وساقاه متباعدتان كما لو كان يحاول الخروج من مكان ما وبينها مثلاً واحد لرجل وامرأة يضمان بعضهما البعض أو آخر لسيدة تحتضن طفلها وتلتف حوله بكامل جسدها في محاولة لحمايته. وكان أن خطر لعالم الآثار الإيطالي جوسيب فيوريلي فكرة عبقرية تقتضي بحقن قوالب الأجساد الباقية والفارغة بالجص ثم إخراج القوالب وعرضها من أجل استعادة الأشكال التي كانت عليها أجساد الضحايا. وهي اليوم معروضة في أماكن متفرقة من المدينة بالإضافة إلى متحفها.

اندلع الحريق بعد شهرين على تولي القائد الروماني تيتوس سدّة الإمبراطورية، وهو الذي كان معروفاً بالوداعة رغم قسوته وشدة بأسه في الحرب. استمر امبراطوراً لمدة عامين فقط وكانت حكومته مثالاً للنزاهة، لكن فترة الحكم القصيرة تلك شهدت كوارث كبرى منها زلزال بومبي الذي مات فيه أحد أبرز أصدقاءه المؤرخ والمثقف الروماني بلينيوس الأكبر، وحريق روما الذي استمر ثلاثة أيام وأتى على أهم مبانيها، وبعد ذلك الطاعون الذي أصاب العاصمة الخالدة وعمل يفتك بسكانها. قرر تيتوس نبش المدينة وإعادة إحيائها وأرسل لهذا الغرض عضوين من مجلس الشيوخ لدراسة واقع الحال، لكنهما قدّرا أن الأعمال ستكون شاقة ومكلفة الأمر الذي أبقى استعادة المدينة مشروعاً حبيس الأدراج. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن لدى الإمبراطورية الوقت للانشغال بمدينة صغيرة ضائعة وهي التي ستشهد بعد ذلك بقليل أحداثاً جساماً وعلى قدر كبير من الخطورة تهدد مصيرها.

انبعاث من تحت الرماد

في نهاية القرن السادس عشر، وبينما كان عمال يقودهم المهندس الإيطالي دومينيكو فونتانا يحفرون في المنطقة لغرض بناء قناة تصريف تحت الأرض، عثروا على آثار بعض الجدران فما كان منهم إلا أن تابعوا الحفر بين طرفي المدينة القديمة عابرين الشوارع ومارين بجانب ما تبقى من المتاجر دون أن يدرك أي منهم أنه قد اكتشف المدينة المنقرضة. عام 1748 اكتشفت بقايا هيركولانيوم واستمرت عمليات التنقيب بأوامر مباشرة من ملك إسبانيا شارل الثالث واستمرت بشكل متقطع ساهمت فيها ممالك أوروبية متعددة من الإمبراطورية الرومانية المقدسة إلى الإمبراطورية الفرنسية بالإضافة للإسبان والإيطاليين طبعاً وكرست لها أموالاً طائلة.

ورغم الجهود الكبيرة فإن العمل كان متراخياً وشهد فترات كان فيها متوقفاً تماماً ولا يعاود إلا حين تكون هناك زيارة لملك أو دوق أو سياسي إلى المنطقة. كذلك، فإن الحفاظ على ما يعثر عليه من آثار لم يكن على المستوى المطلوب مما أدى إلى فقدان كمية لا يستهان بها منها وأخيراً فإن الفساد كان غالباً ما يبدد الأموال المرصودة لمتابعة عمليات الحفر. هكذا حتى قام حكام إيطاليا الجدد بعد انتصارهم في حرب الاستقلال ضد فرنسا عام 1860 بتسريع وتيرة العمل وخلال ثلاث سنوات ضم خلالها الموقع 700 عامل تمكنت السلطات من افتتاحه للزيارة.

كان موقع بومبي قد تحول منذ نهاية القرن الثامن عشر إلى وجهة عصرية للنبلاء من جميع أنحاء أوروبا ومقصداً بحثياً للعلماء، وأيضاً فقد باتت كنوز الإمبراطورية الرومانية التي تم جمعها في المدينة مصدر إلهام للمصممين والفنانين في فرنسا وإيطاليا، ويعتقد أن النحات الإيطالي أنتونيو كانوفا استوحى التمثال الرائع الذي أبدعه لبولين بونابرت شقيقة نابوليون وهي عارية من تماثيل ومنحوتات رومانية وجدت في بومبي. واليوم، يمكن زيارة أطلال بومبي وهيراكيليوم والغوص في خيال ترادوه ذكرى روما القديمة كما يمكن زيارة متحف نابولي الأثري الذي يضم أكثر من مليون قطعة وجدت فيهما، لكن أكثر ما يثير القلق هو الخوف من أن يثور البركان مجدداً (تعود المرة الأخيرة إلى 17 آذار/مارس 1944) والذي لا يزال حتى اليوم يرسل دخاناً أبيض خفيفاً كما لو كان يستجمع قواه!

أغلب المعلومات التاريخية مستقاة من رحلة الكاتب السويسري مارك مونييه (1827-1885) إلى المدينة القديمة والتي وثّقها في كتابه "بومبي والبومبيّون" (1865).

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.