ثقافة

جاك دريدا: وثائقي حميم حول رائد التفكيك وأحد ملهمي "الهويات القاتلة"

مونت كارلو الدولية
إعداد : علاء خزام

إذا كنتم من قُرّاء (وسُمّاع) الفرنسية، يمكنكم القفز فوراً فوق النص والذهاب مباشرة إلى الفيلم الوثائقي الذي أنتجته وعرضته قناة Arte الثقافية الفرنسية الألمانية في تشرين الأول/أكتوبر 2014 وأخرجه كل من فيرجيني لينهارت وبنوا بيتيرز.

إعلان

أما إذا كان حالكم حال أكثر من 6.5 مليار نسمة حول العالم من الجهل بلغة موليير، فيمكنكم أيضاً الذهاب إلى الفيديو مباشرة والاستمتاع بالصور والموسيقى والإخراج البديع ومحاولة فهم بعض الكلمات والمفاهيم بالفرنسية. في جميع الأحوال، النص هو تفريغ للصور المتحركة مع بعض التشذيب والتهذيب وبعض التوثيق، وهو ليس نصاً عن أعمال دريدا بل نوعٌ من بيبلوغرافيا قد تكون مفيدة للبعض غير المختص وغير مهمة للبعض الآخر المختص شديد الثقافة. ملاحظة وحيدة أو مأخذ وحيد إن صح التعبير يتعلق بعنوان الفيلم: "دريدا: شجاعة الفكر". لماذا "شجاعة الفكر"؟ إذا كان المقصود المعنى الفلسفي للفكر، أي قوامه النظري وتركيبه المفاهيمي وجدّته وتقدّمه وتجاوزه و"تفكيكيته"، فالأمر نافل وأقرب للبداهة: كل فلسفة أصيلة جديرة باسمها لا بد وأن تكون شجاعة وفاتحة. لكننا نظن أن المعنى المقصود هو "السياسي"، السياسة المرذولة من قبل جماعات الفكر والمنظور إليها بعين الشك. بمعنى آخر، الأفكار في خدمة الالتزام والنضال والإيدلوجية السياسية (حتى لو كان الأمر يتعلق بـ"حقوق الإنسان"... فهي إيديولوجيا كغيرها). لكننا لا نعرف عن دريدا "شجاعة" استثنائية من هذا النوع إلا إن كان الأمر يتعلق بمخاطرة دعم الفلاسفة التشيكوسلوفاكيين  في مواجهة النظام الشيوعي. وهي على أهميتها طبعاً، ليست في مستوى الأحداث التي ستنتظرها فلسفة دريدا حتى تحظى بصفة "الشجاعة"، خاصة وأن صاحبها لم يكن "ثورياً" بأي معنى سياسي ارتبط بستينات وسبعينات القرن الماضي. "شجاعة الفكر" هي في كونه أصيلاً authentique فالتفكير وإنتاج "القول" أبعد من أن يكونا عملين هينين... هما أقرب إلى "العنف" الداخلي أو الجائحة النفسية التي تسبق وتلي مخاض ولادة الجديد الفلسفي: العنف ضد كل ميول أياً كان نوعها، بدءاً من مطبات الحس السليم وانتهاءً بأفخاخ النضالوية. إن أصالة فلسفة ما ترتبط، إن جاز القول، بحجم وعدد "المجازر" التي يرتكبها الفيلسوف ضد أفكار "آبائه" ثم ضد أفكاره هو بالذات. ودريدا، بهذا المعنى المحدد، كان يستحق بكل تأكيد وسام الشجاعة، خاصة في المقدمة التي كتبها لترجمته لكتاب هوسرل والتي ربما كانت بحسب إتيان باليبار "تعادل الكتاب أهميةً". أما "الهويات القاتلة" المذكورة في العنوان فسيأتي بيانها باختصار فيما يلي. رغم ما تقدم، هذا فيلم يذكّر فقط بحياة واحد من أبرز أعلام "النظرية الفرنسية" الدوليين ولا يغني عن الاطلاع على أعماله المكتوبة التي تجاوزت ثمانين مؤلفاً. وقتاً ممتعاً!

البدايات: دريدا حائراً بين وطنين

في تشرين الأول عام 1942، وكان عمره 12 عاماً، طلب ناظر المدرسة من جاكي دريدا (أو "دُرَيدَة" كما سمّاه محمد علال سيناصر رئيس شعبة الفلسفة في اليونيسكو) في أول يوم من العام الدراسي أن يحزم حقائبه ويعود إلى منزله قائلاً "سيشرح لك أهلك السبب". لم يفهم جاكي حينها أن يهوديته تسببت ليس فقط في طرده من المدرسة بل كذلك بإسقاط الجنسية الفرنسية عنه بسبب القوانين الخاصة باليهود التي أصدرتها حكومة فيشي العميلة للنازيين الألمان. ورغم أن دريدا لم يعد فرنسياً (وهو لم يكن جزائرياً بالطبع وهي المستعمرة في ذلك الوقت)، لم يترك لنفسه أن تنغلق في إطار هويته الدينية الأولى، بل أدرك أنه "منذ اللحظة لن يعتمد إلا على نفسه" كما قال أحد أصدقائه.

"أن أترك أثراً باللغة الفرنسية" كان أكبر أحلام دريدا. شبابه الجزائري علّمه أن مهنته يجب أن تتمحور حول الكتابة وفي المدرسة انتبه مبكراً إلى حبه للحكمة. يقول دريدا: "في العمق فإن اختياري الفلسفة بالمعنى الدراسي والجامعي والوظيفي وقع في لحظة كنت فيها طالباً في الجزائر لم يكن قد درس اليونانية بعد ولم يكن بالتالي مؤهلاً لإجراء امتحان التبريز في الآداب... وبفضل دروس الفلسفة في الثانوية وما بعدها لم يعد بإمكاني أن أفصل بين الفلسفة والأدب وكنت أحاول في كل ما عملته فيما بعد أن أبيّن أهمية التحالف بينهما".

"بين النموذج المسمى "دراسيّاً"، بالمعنى القواعدي والأدبي، من جهة واللغة المحكيّة من جهة أخرى، كان البحر: فضاء لامتناه رمزياً وهوّة لجميع تلاميذ المدرسة الفرنسية في الجزائر... جهنّم! لن أعبره، جسداً وروحاً أو جسداً بلا روح (وهل كنت لأتجاوزه لو لم أتجاوزه هكذا؟) للمرة الأولى إلا حين كنت في التاسعة عشرة في رحلة على متن القارب "مدينة الجزائر". أول سفرة، أول رحلة في عمري، 20 ساعة من دوار البحر والتقيّؤ قبل أسبوع قضيته في محنة مبللة بدموع الأطفال في مدرسة لويس الكبير الداخلية".

عام 1958 سيعود دريدا إلى "وطنه" الذي كان يشهد حرباً عظمى للاستقلال كمدرس في إطار الخدمة العسكرية الإجبارية في جيش "وطنه" الكولونيالي. وهي تجربة مريرة كما كانت تجارب كثيرين من أبناء جيله ممن شهدوا "الجزائر الفرنسية" وكانوا في الوقت نفسه معادين للاستعمار... تراجيديا حقيقية. حتى هنا كل شيء طبيعي: الوطن الأم، الوطن الاستعماري، التمزق النفسي ومناهضة الاستعمار... الخ. لكن ما كان "غير طبيعي" أو شجاعاً في تجربة دريدا الجزائرية هي أنه كان يحلم ويدعو إلى إيجاد صيغة ما تسمح لفرنسا والفرنسيين بالبقاء هناك. لم يتحقق الحلم، وبقيت الجزائر في خياله يلاحقه الحنين إليها، أو ما سيسميه "nostalgérie" تركيباً بين كلمتي "الحنين" و"الجزائر".

"كنت مدافعاً عن سيادة الجزائر وأنا مدافع عن سيادة فلسطين... الخ، لكن ما يحزنني رغم ذلك هو أن هذا الانبهار غير المشروط بالسيادة ينتج شكلاً أتمنى انتهاء صلاحيته من الدولة/الأمة. كنت أتمنى أن تجد إسرائيل وفلسطين وسيلة لتحقيق إدارة مشتركة لسيادتهما المشتركة (...) وكذلك بين فرنسا والجزائر، كنت أرغب لو وجد شكل آخر من الترتيب يتجاوز لامشروطية السيادة المتصلبة".

دريدا المتمرد والكتابات الأولى

تابع دريدادروساً تحضيرية لفروع الآداب تعرف في فرنسا باسم "إيبوكاين" وتؤهل روادها التقدم والقبول في ما يعرف أيضاً باسم "المدارس الكبرى"، أي أهم الكليات والمدارس الجامعية العريقة التي تشبه "مصانع" لإنتاج شغيلة الفكر والعلماء من ذوي المستويات الثقيلة وصدّرت على الدوام خيّرة الإنتاج الثقافي الفرنسي إلى العالم. هكذا، بات الالتحاق بـ"مدرسة الأساتذة العليا" في باريس أمراً لا تفاوض حوله بالنسبة لدريدا الشاب رغم ما كان يعتري هذا الأمر من فقدان الاتصال مع أرض الولادة. يصف دريدا امتحانات القبول تلك، الشهيرة بكمالها وصعوبتها الفائقة، بـ"المرعبة" وتتلخص بلحظات من القلق والإرهاق الشديدين و"التهديد بالمقصلة" مما جعل تلك المرحلة "جهنمية" بكل ما تحمله الكلمة من معنى. في "المدرسة" سيعترف به سريعاً كفيلسوف مميز وسيتلقاه بترحاب مسؤول طلاب الفلسفة ونجم الماركسية الفرنسي الأشهر فيما بعد لويس ألتوسير ناظراً إليه كأهم وألمع زملائه. من هنا ستبدأ صداقة حميمة بين الرجلين حتى وفاة ألتوسير عام 1990 الذي تابع مسيرة دريدا وشجعه على الدوام لاجتياز امتحان التبريز.

عام 1962، وهو نفسه عام استقلال الجزائر، نشر دريدا مساهمته الكتابية الجدية الأولى وكانت مقدمةً طويلة للترجمة التي أنجزها بنفسه لكتاب صغير لإدموند هوسرل بعنوان "أصل الهندسة الرياضية" (أغلب الظن أنه غير مترجم إلى العربية) ووقعها باسم "جاك" بدلاً من "جاكي". حظيت الدراسة باهتمام ورضى الأوساط الفلسفية والأدبية وخاصة بين مرجعي الفينومينولوجيا الأبرز حينها: سارتر وميرلو بونتي. عام 1967 شهد صدور ثلاثة من أعمال دريدا الكبرى: "الكتابة والاختلاف"، "في علم الكتابة" (حيث ظهر للمرة الأولى مفهوم دريدا الشهير "التفكيك") و"الصوت والظاهرة"، كرّسته ليس فقط مفكراً من طراز رفيع بل كذلك وخصوصاً فيلسوف معترف به خارج حقل الفلسفة الضيق وخاصة في الأدب.

جان لوك نانسي "حين قرأت كتاب "الصوت والظاهرة" كان لدي انطباع أن هناك فيلسوفاً حياً هنا أو أن هناك حياة فلسفية حقيقية (...) قلت لنفسي "هنا يبدو الفكر وهو في طريقه إلى التشكّل".

إتيان باليبار "يتأسس الفكر الميتافيزيقي التقليدي على انقسامات بين اثنين كـ"الأفراد والأشياء" لدى ماركس أو "الداخل والخارج" على مستوى أكثر تجريداً. إن عمل دريدا الفلسفي المحترف الذي ليس من السهل تبسيطه يتمحور حول زعزعة الاستقرار بهذه التناقضات الثنائية... على إطلاق إمكانية التفكير بأشياء ليست لا هذا ولا ذاك من طرفي التناقض".

"أيار 68: قلبي ليس هناك!"

كسب دريدا معاركه جميعاً على الجبهة الفكرية وحجز لنفسه باكراً مكاناً بين الكبار بمساءلته النصوص المؤسسة ووضعه الكتابات الكبرى موضع نقد وتشريح. على الجبهة الإيديولوجية، كانت معارك دريدا خاسرة في مجملها. هكذا، سيكون من الصعب عليه إثبات نفسه وسط جو سياسي مشحون في الستينات وفي "مدرسة الأساتذة العليا" التي تتكون أساساً من "عصابة" فلاسفة ماركسيين يقودهم ألتوسير. وكان من المقرر أن يشارك دريدا نفسه في كتابة "إنجيل" العصابة ("قراءة رأس المال" لألتوسير وتلاميذه)، لكنه تراجع في النهاية وبدأ يجهر بنقد هذا الاتجاه واصفاً الجو بـ"الإرهاب الفكري". وبعد مشاركة قصيرة في تظاهرات أيار 1968، حمل دريدا كتبه وأوراقه وانتقل إلى منزل في الضواحي بعيداً عن صخب الحي اللاتيني الثائر والأكاديمية والصالونات.

"لم أعارض أيار 1968. تظاهرت في الشوارع ونظمت أولى الجمعيات العامة في مدرسة الأساتذة العليا، لكن قلبي عن خطأ أو عن صواب لم يكن هناك عند الحواجز".

إليزابيت رودينسون "كيف يمكن لدريدا أن يكون حاضراً؟ إنه توفيقي... يساري ديمقراطي. بالنسبة له، الثورة داخل النصوص".

في السبعينات، بدأ دريدا يحظى بالاعتراف خارج الحدود بالتوازي مع تضاعف سرعة نشر كتاباته والجدّة الإبداعية التي كان يكشف عنها في كل عمل جديد... أعمال كان من الصعب تصنيفها في حقل معين من حقول المعرفة على وجه الخصوص. عام 1979، حقق بعض الشهرة الإعلامية باقتراحه ودفاعه عن إدراج تعليم الفلسفة للصفوف الإعدادية، لكن الاعتراف الشعبي الأكبر بمعنى ما لم يتحقق إلا عام 1981 حين قرّر، وهو على رأس منظمة تجمع المثقفين الأوروبيين للدفاع عن الفلاسفة المنشقين عن النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا، السفر إلى براغ سراً والتعليم فيها، لكن الشرطة السرية كانت على علم مسبق بقدومه فطردته بتهمة بتهريب المخدرات. وهكذا... دريدا على كل الشاشات وأخباره في كل مكان.

"أحيي أولئك الذين يناضلون ببطولة، سرياً ودون أن يكشفوا عن أسمائهم، ضد كل انتهاكات حقوق الإنسان في تشيكوسلوفاكيا وفي كل مكان".

"أميركا هي التفكيك"

على الطرف الآخر من الأطلنطي كان دريدا مشهوراً جداً منذ حلقة بالتيمور الأكاديمية التي عقدت عام 1962 وركزت على تعريف الأمريكيين بالجيل الجديد من الكتاب الفرنسيين "البنيويين": بارت، فوكو، لاكان، دولوز والشاب دريدا، ثم أسست لما سيطلق عليه بعد ذلك "النظرية الفرنسية" في الأوساط الأكاديمية الأمريكية. ورغم أن موضوع الحلقة كان "البنيوية" فقد قدّم دريدا مداخلة نقدية مفاجئة بعنوان "البنية، الإشارة واللعبة في خطاب العلوم الإنسانية" فكّك فيها البنيوية، وجاءت متفقة مع أجواء عامة أمريكية ودولية، تشهد ثورة للشباب على القدم والرجعية والتصلّب، وتقدم لها أدوات للخروج من الدوغمائية.

أفيتال رونيل "ما كنا نطلق عليه اسم التفكيك كان يجبرنا على الخروج على علاقة مقدسة بيننا وبين النص ويسمح لنا بانتهاكه. كان دريدا في اكتشافه حدود الفلسفة والأدب والتحليل النفسي والسياسة والعمارة والقانون يركّز على جانب معين وكان ذلك أمراً غاية في الإثارة".

انضمت الـ French studies إلى جانب شقيقاتها الـ Gender studies والـ Post-colonial studies والـ Cultural studies، والتي تستقي جميعها من تفكيكية دريدا، في إطار المناهج المعتمدة في جامعات المجتمع الأمريكي الأنجلوسكسوني شديد الحساسية للتغيرات الثقافية والذي كان شبابه يخوضون حرباً ضد "الهوية" (الوطنية، الأخلاقية، الجنسية... الخ) واستفادوا للغاية من "التفكيك" و"الاختلاف" و"التمايز". ورغم أن الإنجاز الكبير والخدمة العظيمة التي قدمها التفكيك في زيادة الحساسية لقضايا الأقليات الحقوقية وتوسيع إطار الهوية الوطنية إلا أنه اليوم، وبعد أن أكد سيادته المطلقة في الجامعات "التقدميّة" الأمريكية، بات يمارس وظيفة تتناقض مع ما كان انطلق لتحقيقه: فبدل تدمير/تجاوز الهوية الوطنية إلى الإنسانية مثلاً، قام على التوازي بإضعاف الهوية الوطنية الجامعة، وبناء عدد لانهائي من هويات ثقافية (دينية وعرقية) داخل الهوية تحظى كل منها بفضاء وشرعية خاصين بها وعلى قدم المساواة مع الأخريات. الأمر الثاني المثير للاهتمام في مصائر التفكيك هو أنه وبعد أن كان دريدا يشكو في الستينات من "الإرهاب الفكري" للماركسيين، بات أنصاره من يساريي اليوم يمارسون "إرهاباً" من نوع مماثل وإن على نطاق أكثر اتساعاً وتنظيماً وإيلاماً في ظل إمساك الإعلام (خاصة المسمى يسارياً) مفاتيح الحقائق وتوزيعه لشهادات العنصرية والوطنية واليسار والقيم وكل شيء.

دريدا المعادي للسامية؟!

أما مكر التاريخ فقد تجلى في أبهى صوره ضد دريدا نفسه حين هاجمه مقال طويل عنيف منشور في الإعلام اليساري الـ politiquement correct (في صحيفة "ليبراسيون") واتهمه بمعنى ما بمحاباة النازية (والضحايا والهولوكوست... الخ) لأنه لم يقدم إدانة علنية صريحة للنازية في دراساته عن هايدغر، وتجاهل انتماء الفيلسوف الألماني الذي كان دريدا يكن لفلسفته احتراماً كبيراً، للحزب النازي. ضربة شبه قاضية خاصة في ألمانيا حيث تشكل النازية ونتائجها مسألة حساسة للغاية، حلت محل صورة الفيلسوف التقدمي والمجدد، صورة "الرجعي اللاعقلاني المعادي للأنوار والمحافظ الجديد"... باختصار "دريدا على خطى هايدغر ولا فائدة من قراءته". الضربة الثانية، والمتعلقة بالموضوع نفسه لكن في الولايات المتحدة، كانت اكتشاف نصوص قديمة لصديقه المنظر الأدبي البلجيكي الأمريكي بول دو مان كان فيها مدافعاً عن النظام النازي ويقارب "المسألة اليهودية" بأسلوب شبيه بأسلوب المعادين لليهود. وكان الابتذال الإعلامي "اليساري" في التعامل مع هاتين الفضيحتين قد وصل إلى حد نشر مجلة "نيوزويك" مقالاً يتهم فيه "التفكيكية" برمتها بأنها ليست إلا "مشروعاً ضخماً لتمرير العفو عن السياسات العميلة للنازيين خلال الحرب العالمية الثانية".

يوم 8 تشرين الأول/أكتوبر 2004، وقع ما كان يخشاه دريدا كل الوقت: الموت. توفي الفيلسوف في لحظات خطيرة من منظار الأحداث الدولية. وكان في السنوات السابقة قد كرّس كل جهده في الدعوة إلى تقوية الاتحاد الأوروبي في مواجهة الهيمنة الأمريكية وانزاح نحو نقاش "المسؤولية" و"عقوبة الإعدام" و"الدفاع عن المهاجرين" و"العفو"... الخ. غير أن مساهمته في إعادة إحياء الماركسية النظرية، في لحظة انهيارها السياسي بالتحديد، من خلال كتاب "أشباح ماركس" كانت دليلاً تحسسه الفيلسوف على أن العالم بدل أن يتجاوز الماركسية الرسمية (عبادة الدولة وحزبها القائد وانتهاكها المنهجي لكرامة الإنسان) سينكص مرتداً إلى مناهج ونظريات وأساليب عمل ثقافوية سابقة على التنوير الأوروبي البرجوازي تعرّف البشر خاصةً وأولاً بانتماءاتهم الهوياتية القاتلة الأولى.

إعداد : علاء خزام
هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن