تخطي إلى المحتوى الرئيسي
أخبار العالم

الأرشيف السري للخارجية الفرنسية: بين صحوة الإسلام وآخر معارك السوفييت

تظاهرة لطلاب أفغان في طهران ضد التدخل السوفيتي كانون الثاني/يناير 1980 (أ ف ب)
نص : علاء خزام
12 دقائق

كان القرن العشرين عاصفاً وعلى درجة من الاستثنائية جعلته فريداً بين قرون التاريخ البشري. حربان عالميتان استخدمت فيهما أسلحة خارقة وقنبلة نووية، ثم حروب لا عدد لها بين الجميع ضد الجميع وأحلاف عسكرية ومجازر وحملات تطهير أزهقت أرواح الملايين وضيّعت أرقاماً خيالية من ثروات كان من الممكن تكريسها في رفاه البشر.

إعلان

القرن العشرين شهد أيضاً نهاية الاستعمار العسكري المباشر ووضع حد قانوني لأنظمة الاستغلال ما قبل الرأسمالية (العبودية) وتقدماً علمياً هائلاً جعل الإنسان "إله نفسه" (يسافر في الفضاء ويتمشى على القمر ويفكر في سكنى المريخ) بالإضافة إلى حدثي ولادة وانهيار الاتحاد السوفيتي، أي مشروع الانتقال التاريخي الكبير من النظام الرأسمالي، ومن ثم العودة الظافرة لقضايا العنصرية والحساسيات والأقليات وتكريس الليبرالية الاقتصادية والبرلمانية السياسية والتعددية الثقافية كـ"نهاية للتاريخ".

لا يمكن اختصار القرن العشرين في أسطر معدودة، وقد يكون من المفيد النظر عملياً في الكيفية التي كانت تتدخل من خلالها المراكز الدولية الكبرى في أحداثه أو تراقبها لمنحنا صورة أكثر شمولاً. وباريس القرن العشرين مركز دولي كبير وعاصمة لإحدى القوى الإمبراطورية السابقة والاستعمارية وقتها وواحدة من أشهر الأمم في الشؤون السياسية وفي إدارة علاقاتها الخارجية الدبلوماسية التي تعتبرها واحداً من أسلحتها غير التقليدية. من هنا كان اهتمام المؤرخ الفرنسي موريس فايس بنشر كتاب كبير (480 صفحة) بعنوان "في أرشيف الـ"كي دورسيه". انخراط فرنسا الدولي، 8 أيار 1945 - 11 أيلول 2001"، يعرض فيه رسائل كان يتبادلها سفراء ودبلوماسيون تابعون لوزارة الخارجية الفرنسية في الفترة الواقعة بين ما بعد الحرب العالمية الثانية والضربة التي وجهتها جماعات إسلامية إرهابية لبرجي التجارة العالميين ووزارة الدفاع الأمريكية.

وبحسب "لوفيغارو" التي قدمت عرضاً للكتاب، فإن التحليلات التي احتواها "تتمتع بوضوح فائق ومعلومات مهمة وأسلوب مرن (...) تتعلق بسنوات ستشهد فرنسا فيها انحساراً في حضورها الدولي"، وهو الأمر الذي دفع بالجنرال دو غول "لاتخاذ تدابير حازمة لمواجهة تأثير فرنسا المتناقص حول العالم لمصلحة "القوى الكبرى" الأخرى". ورغم انحسارها في المجالات الاقتصادية العسكرية، فإن فرنسا كانت عازمة على أن تجعل من الدبلوماسية مصدر قوة تعويضياً من خلال الحضور الكثيف حول العالم. وتأتي باريس في المركز الثالث بعد الولايات المتحدة والصين في عدد السفارات والدبلوماسيين والمراكز الثقافية حول العالم.

في أيار/مايو 1945، نقل السفير الفرنسي في برن شعوره بالجزع من "هروب القادة النازية" وركوبهم "طائرات بحرية تحمل علامات إسبانية". الأمر الآخر المثير للاهتمام كان وصف الحداد على ستالين من قبل السفير في موسكو بقوله "كانت هناك شائعات على مدى بضعة أيام حول خطاب السيد خروتشيف" يوجه فيها اتهامات ضد ستالين. وبعد تسع سنوات، أبلغ السفير في كوبا عن وجود "4000 شاب قد يكونون من أصل سلافي، نزلوا من سفن روسية (...)، و2000 صيني و2000 جزائري". هذه المعلومات نقلت إلى واشنطن وساعدتها التنبه إلى محاولة تثبيت صواريخ سوفيتية في كوبا.هناك أيضاً تقرير سري من عام 1954 عن أسباب هزيمة فرنسا في معركة ديان بيان فو بفيتنام. بعد ذلك بعامين في القاهرة، لا يخفي السفير دهشته وغضبه بعد "انقلاب ناصر" الذي ضم القناة التي تديرها فرنسا وانكلترا وطالب بـ"رد فعل قوي" و"حصار فوري" حتى لا يسمح لـ"الدكتاتور المصري" بالمرور دون عقاب.

الصحوة الإسلامية في تركيا

ثورات ومعاهدات وتحولات واتجاهات عميقة للرأي العام التركي، ترصدها برقية دبلوماسية في 26 كانون الثاني/يناير 1971 أرسلت إلى باريس من أنقرة، أوضح فيها السفير بإسهاب مختلف جوانب إعادة الأسلمة التي يشهدها المجتمع التركي وذلك قبل أن تقع الثورة الإيرانية ويبدأ التحليل الأكاديمي والفضاء الجامعي الاهتمام بالإسلام السياسي، خاصة مع كتابات جيل كيبيل وميشال سورا وأليفييه روا وغيرهم. أكد السفير في برقيته على هشاشة حركة التحديث القسري التي أطلقها مصطفى كمال بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وخاصة بسبب تباطؤ عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي لطالما أخذته النخبة التركية العلمانية على الأوروبيين. وكانت مما بينته الوثيقة أن إعادة الأسلمة في تركيا مدعومة من طرف البرجوازية الصغيرة الأناضولية والجماهير الريفية الذين لا يرون أنفسهم في الكمالية أو في النموذج الأوروبي العلماني. بعد أسابيع قليلة من ذلك، قام الجيش التركي بانقلابه وأرغم رئيس الوزراء سليمان ديميريل على الاستقالة.

كنعان إيفرين قائد الانقلاب العسكري في تركيا ورئيس الجمهورية لاحقاً خلال الانتخابات العامة 1983 (أ ف ب)

اعتقال كلاوس باربي في بوليفيا

وقع الكثير في بوليفيا في الستينيات والسبعينيات. عام 1967، أعلن السفير الفرنسي القبض على "محرض" يدعى ريجيس دبراي ثم وفاة تشي غيفارا. عام 1970، اكتشف وجود مجرم الحرب النازي كلاوس باربي مجرم الحرب النازي في بوليفيا، لكن البرقية لم تؤد إلى تقديم طلب لتسليم باربي بل بقيت المعلومات التي احتوتها سرية. وكانت الشكوك تحوم منذ عام 1963 حول وجود باربي في العاصمة لاباث. وسنعلم في وقت لاحق أنه حصل عل الجنسية البوليفية عام 1957 وعمل مع أجهزة مكافحة التجسس الألمانية ثم الأمريكية بين 1947 و1951، وانتقل إلى الأرجنتين ثم بوليفيا باسم كلاوس ألتمان. أصبح ضابطاً برتبة ملازم أول في الشرطة السرية البوليفية ومدير شركة للشحن أمنت عمليات نقل بضائع غير مشروعة كالعملة المزيفة والأسلحة والمخدرات. عام 1971، هاجر إلى البيرو حيث "لقي دعماً من فريدريش سكويند، وهو ضابط سابق في قوات "إس إس" النازية ثم عملياً للمخابرات الأمريكية في البيرو". اكتشف أمره من قبل الزوج سيرج وبيت كلارسفيلد المنخرطين في ملاحقة النازيين الهاربين. عاد باربي إلى بوليفيا هرباً من طلب فرنسا تسليمه ليحاكم حول جرائم نازية فيها، وبقي فيها حتى عام 1983 حين تسلمته فرنسا بعد سقوط الدكتاتورية البوليفية وأجريت محاكمته في ليون عام 1987.

كلاوس باربي المعروف باسم "جزار ليون" في بوليفيا 1982 (أ ف ب)

شهادة نادرة عن فظائع الخمير الحمر

"الوثيقة الأكثر لفتاً للنظر" في الأرشيف السري كما وصفتها "لوفيغارو"، تلك التي أرسلها السفير الفرنسي في بانكوك جان لويس توفين في 23 يونيو / حزيران 1975 إلى باريس مستندة إلى مقابلات أجراها مع العميد سور بون وهو جنرال سابق في القوات المسلحة الوطنية للخمير الحمر الذي كان قد هرب بهوية مزورة قبل ذلك بأسابيع. أشاد توفين بالرجل وقال إن شهادته موثوقة للغاية. وقال إن "الجنرال رجل راجح يولي اهتماماً كبيراً لذكر ما شاهده فقط ويتجنب أي تعميم" حول 39 يوماً في بلد دمره التعصب الشيطاني والإرهاب الذي قاده عناصر بول بوت وأسفر عن قتل 1.7 مليون شخص. تمكنت وزارة الخارجية من الحصول على معلومات مفصلة عن عمليات ترحيل لسكان العاصمة بانكوك ومذبحة الضباط والعمل القسري وأيضاً حول السلطة الوهمية التي يتمتع بها رئيس كمبوديا نورودوم سيهانوك الذي ارتكب خطأ قاتلاً بتحالفه مع الخمير. من المثير للدهشة أن وزارة الخارجية لم تكن ترغب في نشر هذه المعلومات بشكل سريع خاصة وأن كثيراً من المثقفين والصحفيين كانوا يدافعون عما يجري هناك بحجة أن الأمر يتعلق بحرب تحرير مناهضة للإمبريالية، ليتضح أن الأمر يتعلق بإبادة جماعية مدفوعة بعقيدة ماوية الثقافية تتبنى كراهية طبقية حادة.

قرب نصب لتخليد ضحايا الخمير الحمر في مقاطعة كامبونغ توم الكمبودية 1992 (أ ف ب)

أفغانستان... آخر غزو السوفياتي

المساحة الحمراء الواسعة على سطح الكرة الأرضية كانت الموضوع الرئيس لوزارة الخارجية الفرنسية وغيرها من وزارات الخارجية في "العالم الحر" في النصف الثاني من القرن العشرين: موت ستالين عام 1953، دخول الدبابات السوفياتية إلى بودابست عام 1956، بناء جدار برلين عام 1961، الأزمة الكوبية عام 1962، فشل ثورة براغ المطالبة بالاشتراكية ذات وجه إنساني، الثورة الثقافية الصينية عام 1966، سقوط سايغون عام 1975... في ليلة 24 إلى 25 كانون الأول/ديسمبر عام 1979، تحركت الدبابات السوفييتة باتجاه جمهورية أفغانستان في آسيا الوسطى وقد قام السفيران الفرنسيان في موسكو وكابول بتحليل الإشارات الصادرة عن العاصمة الشيوعية وحذرا من احتمال تدخل مباشر لدعم النظام الموالي للاتحاد السوفياتي الذي تولى السلطة في أفغانستان مطلع العام نفسه والذي كان يواجه صعوبة أمام المعارضة الاسلامية المتزايدة في البلاد. ولاحظ السفير في كابول في البداية أن هذا التدخل "يكسر مناخ الاسترخاء" الذي يبدو أنه يهيمن على العلاقات بين الشرق والغرب: "من الواضح أن الاتحاد السوفييتي يواصل دفع بيادقه أينما كان خارج أوروبا"، يقول جورج بيروش، الذي يقترح اعتماد لهجة ثابتة دون التخلي عن محاولات الانفراج ورافضاً إيقاع عقوبات لن تطبق أبداً. لكنه نصح بالانسحاب من دورة الالعاب الأولمبية الصيفية" في موسكو عام 1980. وكان هذا ما فعلته الولايات المتحدة ولكن ليس فرنسا. أخيراً، يتساءل بيروش: "هل ستكون أفغانستان، كما يعتقد البعض، فيتنام اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية؟". وكان ذلك صحيحاً نسبياً.

على الحدود الأفغانية في وداع الجيش السوفيتي المنسحب من أفغانستان 1988 (أ ف ب)

فرنسا كمتفرج في اتفاقات أوسلو

في التسعينات، حاول الدبلوماسيون الفرنسيون إثبات حضورهم في مواجهة القوة المفرطة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وينعكس ذلك بوضوح في البرقية التي بعث بها السفير في واشنطن جاك أندرياني بعد يوم واحد من توقيع اتفاقات أوسلو في 13 أيلول/سبتمبر 1993 في البيت الأبيض حين رحب الرئيس بيل كلينتون بإسحق رابين وياسر عرفات للاحتفال بإقامة السلام في عاصمة العالم. ومع ذلك، فإن فرنسا، شأنها في ذلك شأن قلة قليلة حول العالم، عملت بجد لإنجاح هذه المفاوضات التاريخية. اغتنم جاك أندرياني الفرصة للقيام بعملية مراقبة ولاحظ التفاصيل التي لها معنى رمزي وتحدث مطولاً عن الأجواء مشيراً إلى فرح كبير كان مسيطراً على عرفات الذي ألقى "خطاباً ذي رصانة رائعة". في المقابل بدا رابين متحمساً: يقفز هنا وهناك "ألقى هذا الرجل الثابت عبارات مرتجفة فاضت بالعاطفة". بالنسبة للزعيم الإسرائيلي فإن هذا السلام ينطوي على خسارة فيما كان بالنسبة لعرفات انتصاراً سياسياً في حد ذاته.

عرفات ورابي وكلينتون في واشنطن 1993 (أ ف ب)

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.