ثقافة

عبد الناصر: محطات أساسيّة من تاريخ العرب في القرن العشرين

أ ف ب
إعداد : علاء خزام

تحل في 15 كانون الثاني/يناير من كل عام ذكرى ولادة أحد أكثر القادة الثوريين والسياسيين تأثيراً في المنطقة العربية. وفي كل عام، أيضاً، تتسابق التيارات الإيديولوجية المعاصرة في ذمه أو تأليهه وتتنازع فيما بينها إرثه الذي لم يبق منه سوى ذكرى بعيدة وواقع حال عربي على درجة من السوء تبرر، في الآن ذاته، الذم والحنين.

إعلان

وبعيداً عن كل ادعاء نسبي أو عرض يتحدث لغة "الأخطاء والإنجازات"، نقدّم هنا لقطات "محايدة" بارزة من حياة جمال عبد الناصر وتجربته الكبيرة التي تركت، رغم فشلها المريع، أبعد الأثر في حيوات وآمال ملايين البشر. النص هنا لا يعدو أن يكون استعادة بيبلوغرافيّة "عادية". أما الصور فلا يدل لوناها الأبيض والأسود فقط على البعد الزمني عن حقبة مضت ولكن أيضاً، رمزياً، على طموح الثورات ومنها الناصرية (إدخال ملايين المستبعدين عالم السياسة والاجتماع والثقافة) والذي يبدو يوماً بعد يوم أبعد منالاً في ظل تجريم مصطلح "الثورة" أو ربطه إجبارياً بمسار وحيد البعد يتلخص في "الديمقراطية وحقوق الإنسان".

ليست المشكلة، في التحليل الأخير، أن عبد الناصر "كسر كثيراً من البيض"، بل في أن ملايين المنتظِرين لم يحصلوا على "الأومليت"!

أمر آخر جدير بالذكر هو أن عشرينيّة 1950-1970 الثورية (المفعمة بروح كونيّة خصبة والمميزة بالاستقلالات الوطنية وانتفاضات المراكز الرأسمالية وكذلك على الأخص بـ"طغيان الأمل") انتهت مع مناضليها إلى غير رجعة تاركة المجال واسعاً لـ"حركات ناشطين" ينحصر همّها في إبراز الخصوصيات والتعددية الثقافية... مجال وحقبة ربما لا يميزهما شيء سوى "سيادة الإحباط".

-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

باحث عن التحرر (1918-1935)

ولد عبد الناصر في عائلة فلاحين في قرية بني مر في صعيد مصر. توفيت والدته وهو في سن الثامنة قبل أن ينتقل للدراسة أولاً في القاهرة، برعاية عمه، ثم في الإسكندرية، حيث يعمل والده في إدارة البريد. استقر نهائياً منذ عام 1933 في القاهرة في وقت كانت فيه الأوضاع السياسية في مصر حاسمة. فالبلاد لا تزال، رغم استقلال اسمي منذ عام 1922، خاضعة للهيمنة البريطانية. ولم يكن عبد الناصر مميزاً عن مجايليه الشباب في رفض السيطرة الاستعمارية والانخراط في أنشطة معادية لها وفي الحلم بقائد شعبي يحقق الاستقلال. بعد أن أصبح رئيساً للجمهورية، تطرق مرة إلى طفولته في القرية بالقول: "إنني فخور بانتمائي إلى هذه القرية الصغيرة وإنني أكثر فخراً لأنني من عائلة فقيرة من هذه القرية. أقول هذه الكلمات للتاريخ: ولد عبد الناصر في عائلة فقيرة وأعدكم أنه سيعيش ويموت فقيراً".

صورة عائلية من العشرينات (أ ف ب)

بدايات النضال (1935-1937)

انخرط ناصر في أوساط الطلاب وشارك عام 1935 في تنظيم مظاهرة احتجاجية على إعلان أحد الوزراء البريطانيين أن دستور عام 1923 الديمقراطي والذي علق العمل به عام 1930 غير قابل للتطبيق. قتل العديد في هذه المظاهرة أو جرحوا أو اعتقلوا وكانت مقدمة لحركة ستؤدي إلى إعادة العمل بدستور 1923 وستفضي إلى توقيع المعاهدة الأنكلو-مصرية لعام 1936. حظيت مصر بهامش مناورة واسع تجاه القوة الاستعمارية لكن القوات الإنكليزية المرابطة في البلاد وخاصة في قناة السويس لا تزال عقبة رئيسية.أنهى عبد الناصر دراسته الثانوية وقرر التوجه إلى الأكاديمية العسكرية التي باتت منذ عام 1936، بفضل حكومة حزب الوفد، مفتوحة أمام أبناء الطبقة الوسطى بعد أن كانت محصوراً في أبناء العائلات الكبيرة.

مع زوجته تحيّة عام 1944 (أ ف ب)

عسكري مثالي (1938-1950)

بعد تخرجه عام 1938 برتبة ملازم ثان، أرسل عبد الناصر أولاً إلى أسيوط ثم إلى السودان حيث قضى عامين. ترك تدخل الجيش البريطاني عام 1942 لإجبار الملك فاروق على إقالة رئيس وزراءه علي ماهر وتعيين زعيم الوفد النحاس باشا في مكانه مرارة كبيرة في نفوس الضباط ساهم في زيادة حنقهم وتصميمهم على تحرير البلاد.عين عبد الناصر أستاذاً في الأكاديمية العسكرية عام 1943 وتم قبوله في "مدرسة الحرب" عام 1946 وكذلك في مسابقة موظفين عام 1948 قبل بضعة أيام من بدء أول حرب عربية إسرائيلية. خلال مساره العسكري عرف عبد الناصر باعتباره جندياً قل نظيره وأستاذاً عسكرياً لامعاً.

العسكري في صورتين بين 1938 و1950 (أ ف ب)

الهزيمة الأولى (1948-1949)

منذ 1948، ساهمت المسألة الفلسطينية في تكوين شخصية عبد الناصر الذي بقي حتى مماته يعتبرها قضية العرب الأولى. كان عبد الناصر يرى أن التضامن الهائل الذي حظيت به القضية الفلسطينية بين الشعوب العربية، على قاعدة الظلم الذي حاق بالفلسطينيين، يعبر بأفضل الطرق عن وحدة عربية روحية تؤسس للوحدة السياسية التي كانت من أبرز مشاريعه. شارك عبد الناصر في الحرب ونجح في رفع معنويات جنوده بتحقيق انتصار صغير في قرية الفالوجة الفلسطينية دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير مسار الحرب.

اللحظة الإخوانيّة (1943-1949)

كان عبد الناصر منذ عام 1943 قريباً من جماعة الإخوان المسلمين قبل أن يقطع معهم بعد ست سنوات، بسبب عدم رضاه عن برنامجهم الغامض واستخدامهم للعنف. بعد نجاح فريق عبد الناصر في السيطرة على مقاليد البلاد، زادت علاقاته سوءاً مع الجماعة لدرجة انتقاده لها في أحد خطاباته العلنية التي كان فيها رد فعل الحاضرين مذهلاً. أسس فيما بعد حركة الضباط الأحرار السريّة التي تألفت من خمس لجان (الشؤون المالية، مجموعات الصدام، الأمن، الدعاية، السلاح) والتي كانت أهدافها قليلة الوضوح بدورها، لكنها ركزت على تحقيق الاستقلال وطرد الإنكليز لضمان دعم وتأييد أكبر عدد ممكن من الضباط.

بعد نجاته من محاولة الاغتيال 1954 (أ ف ب)

سقوط الملكيّة (1952)

لم ينتبه الملك فاروق (وريث العرش المصري الخديوي) أن مشاعر الإذلال كانت تعتمل في نفوس ضباط وعناصر الجيش وكذلك في قلوب الناس وكان أن تم اعتباره مسؤولاً رئيسياً عن هزيمة 1948. عام 1952، وفي أعقاب أعمال شغب مناهضة للإنكليز رأى عبد الناصر ورفاقه أن الفرصة مواتية فقاموا بانقلاب عسكري أعلن الأحكام العرفية وأجبر الملك على مغادرة البلد.

مجلس قيادة الثورة (1952-1954)

بعد الانقلاب، تم تشكيل مجلس قيادة الثورة الذي يرأسه الجنرال محمد نجيب ويلعب فيه عبد الناصر دوراً بارزاً. في كانون الثاني/يناير 1953، تم حل الأحزاب السياسية وأودع الشيوعيون والإخوان المسلمون السجون وتشكيل "هيئة التحرير" لتمثيل الثورة تولى عبد الناصر أمانتها العامة. قبل ذلك حاولت الحكومة الجديدة توسيع قاعدتها الاجتماعية من خلال تنفيذ إصلاح زراعي يحدد الممتلكات الفردية بـ200 فدان ومصادرة الأراضي الفائضة، وبالتالي مهاجمة الممتلكات الأرستقراطية الكبيرة لإعادة توزيعها على الفلاحين. أُعلن محمد نجيب رئيساً للجمهورية، غير أن عبد الناصر كان السيد الفعلي في البلاد في منصب نائب رئيس المجلس الثوري ووزير الداخلية. سرعان ما تعارض الرجلان ما أدى إلى إقالة نجيب الذي اتهم بالمحافظة ومحاباة الإخوان المسلمين.

"الضباط الأحرار" 1953 (أ ف ب)

بطل عدم الانحياز والعروبة (1954-1956)

في السياسة الدولية، وبحسب الآراء التي حددها عبد الناصر في كتابه "فلسفة الثورة" الذي نشر عام 1954، سعى إلى العمل داخل الدوائر العربية والإسلامية والأفريقية آخذاً بعين الاعتبار أن الدور الرئيسي ضمن هذه الدوائر سيكون لمصر. بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، مارس عبد الناصر سياسة متأرجحة تميل إيجابياً لمصلحة السوفييت عرفت بـ"الحيادية الإيجابية" وتمخضت عن مشاركته في مؤتمر باندونغ (1955) الذي يعتبر منطلق حركة "عدم الانحياز" جنباً إلى جنب مع الصين والهند ويوغوسلافيا وغيرها. ونتيجة تسليح عبد الناصر للفدائيين الفلسطينيين، رفضت الولايات المتحدة عرضاً مصرياً لتمويل بناء سد أسوان الذي سيسمح بالسيطرة على فيضانات النيل ويؤمن مستلزمات المياه للإنتاج الزراعي بالإضافة إلى توليد 10 مليارات كيلووات في ساعة سنوياً من الكهرباء. كان ذلك في 18 تموز/يوليو 1956. بعد ذلك بثمانية أيام، ولتأمين موارد لبناء السد، أعلن عبد الناصر في واحدة من أشهر خطبه تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، التي كانت حتى ذلك الحين شركة خاصة تهيمن عليها المصالح الفرنسية والإنجليزية.

مع تيتو ونهرو في كرواتيا 1956 (أ ف ب)

أزمة السويس (نهاية 1956)

وجه تأميم القناة إهانة لفرنسا وبريطانيا خاصة وأن عبد الناصر كان مكروهاً للغاية نتيجة مساعدته للمقاتلين الجزائريين. اتفقت باريس ولندن وتل أبيب على شن هجوم عسكري على مصر: في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1956، بدأت القوات الإسرائيلية غزو سيناء ووصلوا إلى القناة خلال أيام. في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، نزل مظليون فرنسيون وبريطانيون في بورسعيد وتقدموا باتجاه الجنوب. هزمت مصر عسكرياً لكنها حققت رغم ذلك انتصاراً دبلوماسياً كبيراً بعد الدعم السوفيتي وتهديد موسكو بالتدخل وإدانة الأمم المتحدة والولايات المتحدة لفرنسا وبريطانيا. وهكذا، أصبح عبد الناصر، الذي تمكن من "ضرب" القوى الاستعمارية بطلاً للعالم العربي.

فشل الجمهورية العربية المتحدة

رغبة منه في بناء اتحاد عربي واسع في مواجهة حلف بغداد (1955) بين بريطانيا وتركيا والعراق وباكستان وإيران، بدعم من الولايات المتحدة، تمكن عبد الناصر في 1 شباط/فبراير 1958 من إنشاء الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا والتي شملت اليمن أيضاً. ولكن كثيراً من التسرع وقلة الخبرة بالإضافة إلى نزعة تقلل من التباينات بين هذه الشعوب أدت بعد وقت قصير إلى انفصال اليمن عام 1959 وسوريا عام 1961. كذلك فقد فشلت محاولة أخرى عام 1963 ضمت سوريا ومصر والعراق.

مع فارس الخوري رئيس الوزراء السوري وسامي الصلح رئيس الوزراء اللبناني 1957 (أ ف ب)

"هل توافق؟" (أ ف ب)

نشاط دبلوماسي مكثف

بين 1962 و1967، عزز عبد الناصر علاقاته مع موسكو التي تعهدت تمويل السد العالي. خلال افتتاح المرحلة الثانية من البناء عام 1964، وقعت مصر اتفاق تحالف مع الاتحاد السوفيتي، لكن عبد الناصر عمل جاهداً كي لا تتحول مصر إلى قاعدة للنشاط السوفيتي أو بلداً شبيهاً ببلدان الكتلة الشرقية. شرعت القاهرة كذلك في نشاط دبلوماسي مكثف باستضافتها قمة منظمة الوحدة الأفريقية (تموز 1964) ومؤتمر القمة لحركة عدم الانحياز (نوفمبر 1964). على الجبهة الإسرائيلية، ساعد عبد الناصر في تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 بقيادة أحمد شقير المقرب من القاهرة.

"المستنقع" اليمني (1962-1967)

أرسل عبد الناصر في أيلول/سبتمبر 1962 مستشاريه العسكريين لمساعدة اليمنيين في حربهم للإطاحة بالنظام الملكي. وربما اعتقد أنه سيتمكن من تحقيق نصر سريع يضع حداً لتوسع نفوذ خصومه الإقليميين من السعوديين الذين كانوا يدعمون النظام الملكي. ولم ينفع إرسال القوات المصرية فيما بعد بسبب المقاومة الشرسة التي أظهرها الملكيون في الجبال مما اضطره إلى سحب جنوده عام 1967. وقبل أن تتمكن القوات المصرية من استعادة مكانتها وجه إليها الجيش الإسرائيلي ضربة قاصمة.

الاشتراكية الناصرية

رغم أن الميثاق الوطني المؤرخ في 21 أيار/مايو عام 1962 يكرّس "الاشتراكية العلمية" منهجاً لقيادة البلاد على أساس التخطيط الاقتصادي ومركزية السلطة، فإن اشتراكية عبد الناصر تختلف عن الاشتراكية العلمية الماركسية اللينينية في رفضها للصراع الطبقي وإشارتها إلى الدين الإسلامي.تعطي الخطة الاقتصادية الخمسية الأولوية لتطوير الصناعة في جميع فروعها (المنسوجات والأغذية الزراعية والأدوية والكيميائيات والتعدين) وتأميم البنوك جميعاً لتمويل المشاريع. المرحلة الثانية من الإصلاح الزراعي حددت الملكية بـ100 فدان مما سمح للعمال الزراعيين بشراء الأراضي لكنه فرض عليهم العضوية في التعاونيات. أدت هذه الإجراءات إلى زيادة مطردة في الإنتاج رغم أنها لم تطل إلا 17٪ من الأراضي الصالحة للزراعة و8٪ فقط من المزارعين.

في موسكو 1958 (أ ف ب)

ديمقراطية مصادرة

كفل قانون عام 1962 لكل خريج جامعي مصري وظيفة عمومية في إدارات الدولة كوسيلة لضمان الاستقرار الاجتماعي. غير أن هذا الإجراء أدى بشكل طبيعي إلى تضخم الجهاز الإداري وانتشار البيروقراطية (من 400 ألف موظف عام 1960 إلى 1.6 مليون عام 1970)، في حين أن الإنفاق العسكري ارتفع من 7٪ عام 1960 إلى 12٪ عام 1965 ثم إلى 19٪ عام 1970 من الناتج المحلي الإجمالي. بالإضافة إلى ذلك فإن الديمقراطية الموعودة منذ عام 1952 لم تتحقق وهدرت بطرق مختلفة ثمار النمو الاقتصادي الذي أمنه التخطيط والإصلاح الزراعي والدعم الخارجي.

الحرب (1967)

احتلت إسرائيل أراضي سورية وأردنية وفلسطينية ومصرية (لا تزال تحتل بعضها) خلال 6 أيام فقط، وذلك بعد سنوات من الدعاية الناصرية الواثقة بالنصر المؤزر السريع. قدّم عبد الناصر استقالته لصالح زكريا محيي الدين ثم عاد عنها "بضغط من الشارع". بعد الهزيمة المرّة التي لحقت بمشروعه، شهد نفوذ عبد الناصر انحساراً مطرداً واستدار إلى الداخل المصري في محاولة إعادة بناء البلاد وتوطيد النظام متخلياً شيئاً فشيئاً عن الأدوار "الثورية" الخارجية الكبرى التي طبعت تجربته بعمق. كان آخر حدث كبير شارك فيه عبد الناصر هو الوساطة الناجحة في 27 أيلول/سبتمبر 1970 التي لعبها بين الأردنيين والفلسطينيين لوضع حد لمواجهات "أيلول الأسود" الدامية، لكنه استسلم في اليوم التالي لأزمة قلبية.

إمام عيسى الذي غنى من كلمات أحمد فؤاد نجم أغنيات ناقدة لزمن عبد الناصر 1987 (أ ف ب)

التواريخ والأرقام والإحصاءات مأخوذة عن قاموس "لاروس" الفرنسي للأعلام

إعداد : علاء خزام
هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن