ثقافة

علّة الإرهاب الإسلاموي: كيبل وبورغا في حضرة فنكلكروت

كيبل - فنكلكروت - بورغا (أ ف ب/يوتيوب)
إعداد : علاء خزام

يزداد الطلب على شروح "علمية" في فرنسا والعالم لظاهرة التطرف والإرهاب الإسلاموي. وتتعدد المدارس التفسيرية والنقاشات خاصة ضمن الأكاديميا الغربية التي يغيب عنها التناول الجدي لمعنيين من العرب والمسلمين أنفسهم. ومن بين الفرنسيين الأكثر تخصصاً وحضوراً إعلامياً اثنان من أقطاب التحليل والتفسير المتعارضين بشدة للظاهرة الإسلاموية: جيل كيبل وفرانسوا بورغا. كلاهما أستاذ جامعي مختص بالعالم الإسلامي (إسلامولوج) راكم على مدى عشرات السنوات خبرة عملية وسوسيولوجية حول العالم المعني: دار الإسلام.

إعلان

ويعود الخلاف بين الأستاذين أساساً، وكما هو الحال مع كل خلاف أصيل من طبيعة فكرية، إلى "الأصل" أو "السبب الأساس" في تفسير كون الإسلام (السياسي وحتى الشعبي) ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي بل كذلك في فرنسا والغرب، على الحال التي هو عليها حيث تشير إليه أصابع اتهام (ديناً وإيديولوجيا سياسية وحتى ممارسة شعبية) في تكوين الإرهاب وتصديره ويعزو إليه البعض حال التخلف والتأخر الحضاري لمعتنقيه.

وبينما يعتقد بورغا أن "الغرب" هو أساس المشكلة، يساهم بسياساته وعنصريته وتمييزه وتدخلاته العسكرية وماضيه الاستعماري... الخ في خلق حال من الرفض الإسلامي دافعاً "الشباب المهمش" إلى خيارات انتحارية تستند على شرعية إسلامية ليس الإسلام فيها أكثر من مطية هوياتية أو حجة للتمرد على نظام قامع وعنصري، لا يخفي كيبل من جهته، وإن كان لا ينكر الأدوار السلبية التي يلعبها الغرب في زيادة الحنق الإسلامي، نفوره من هذا التفسير الأحادي الذي لا يأخذ بعين الاعتبار منطوق القول الإسلاموي نفسه ولا يفرد حيزاً مهماً للخطاب الذي يتبناه إرهابيون كما لو كان لا وجود لهم إلا كذوات مفعول بها أو دمى لا حول لها ولا قوة ولا اختيار.

وبدا هذا التناقض الرئيسي جلياً خلال اللقاء الإذاعي المشحون الذي جمع الأستاذين منذ عام تقريباً في برنامج يديره الفيلسوف الفرنسي آلان فنكلكروت على إذاعة "فرنسا ثقافة" وحمل عنوان "الإرهاب في الواجهة" غامزاً من قناة كتاب لبورغا صدر عام 1995 بعنوان "الإسلاموية في الواجهة". فأي معنى لهذه الإيدلوجية الدينية في رأيهما؟

إشكالية السياق

رغم أن العنوان الذي اختاره فنكلكروت ("الإرهاب في الواجهة") يحمل معنى سلبياً يحيل إلى المواجهة، فإن تبرير بورغا لعنوان كتابه يتضمن معنى أقرب إلى الإيجابية يقدم الإسلام الحالي كـ"دينامية تاريخية" باتت أمامنا مباشرة يتوجب قبولها والتعامل معها أو مع ممثليها "المختلفين والمتنوعين بشدة" معاملة متساوية وندية. الإسلام السياسي، برأي بورغا، هو "الرد الحداثي على مشكلات الحداثة" (أي عامل تحديث يمكن الاعتماد عليه في المجتمعات المسلمة). وتشكل هذه النقطة، كما يرى جلبير أشقر في دراسته عن الاستشراق الفرنسي، أحد الأعمدة الثلاثة لفكر بورغا إلى جانب عنصرين آخرين هما:

- الإقرار أن "الدين الإسلامي" كلغة وثقافة يشكل جوهر الشعوب المسلمة.

- تثبيت الاستمرار (وليس القطيعة) بين الدين وبين تجارب التحديث السابقة (اشتراكية وقومية) التي يعاب عليها أنها نهلت من لغة "غربية" المنشأ.

آن الأوان بالنسبة لبورغا لأن يتكلم العالم الإسلامي "لغة إسلامية" (parler musulman) يعبر بها عن طموحه في التغيير والتحديث(1).

فرانسوا بورغا: "الإسلاموية في المغرب" (1988) - "فهم الإسلام السياسي" (2016) - "الإسلاموية في الواجهة" (1995)

يستخف كيبل إلى حد كبير بمقولة "السياق" في تفسير عنف الظاهرة الإسلامية (فكل حركة دينية أو سياسية تنشأ في/عبر/من خلال سياق ما... وهذا ليس جديداً!)، ويعتبر أن التركيز الشديد عليها يتضمن مخاطرة نسيان موضوع البحث نفسه: الإرهابي/الجهادي وإيديولوجيته الخاصة. ما يقال عن السياق الدافع إلى العنف بالنسبة إلى الإسلام السياسي يمكن أن يقال كذلك عن الماوية أو الستالينية أو البيض الأمريكيين المسيحيين... إلخ. أما السؤال الأهم بالنسبة لكيبل فهو عما يميّز الإسلاموية، عن خاصيتها الفارقة بالمقارنة مع غيرها من "إيديولوجيات التغيير" المناهضة بطبيعة الحال للغرب الاستعماري أو القامع أو متعدد الثقافات... إلخ. وجهة النظر هذه جرّت على كيبل اتهامات تتراوح بين "الثقافوية" و"الاستشراق" وصولاً حتى إلى العنصرية.

ورغم المحاولات الحثيثة اليوم لمنع الحديث عن الإسلام أو الإسلام السياسي بالمفرد وترسيخ الفكرة القائلة بالاختلاف الجوهري بين تمظهرات الإسلام في السياسة، فإن كيبل يقدم تعريفاً بسيطاً لـ"الحركات الإسلامية" يعتبره منطبقاً عليها جميعاً: فهي حركات "تناضل من أجل إقامة دولة مؤسسة على قوانين مستمدة من النصوص الإسلامية المقدسة"، وأما الخلاف بينها فيكون في طرق التأويل الممكنة. إن الهوس بـ"السياق" لا يعفي الباحث من الجهد المطلوب في البحث عن المميَّز والجديد والخاص في الحركة العنيفة باستسهال ردّه إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية والاستعمار... إلخ فحسب، بل هو كذلك، بحسب كيبل، يسيء فهم "القوة الخاصة" التي للإسلام السياسي العنيف. ويتابع كيبل مميزاً بين ثلاثة "أصناف" من الإسلاميين: فهناك "الإخوان" الراغبون بحيازة أجهزة السلطة بأي ثمن، والسلفيون وقطيعتهم النهائية مع قيم المجتمعات (غربية وشرقية) وتكفيرهم لها، ثم الجهاديون وهم مزيج من النوعين السابقين ويمثلهم تنظيم "الدولة الإسلامية". وهذه الرغبة في الحديث عن "إسلام" بالمفرد هي بالضبط ما يزعج بورغا الذي يسأل كيبل باستغراب شديد "كيف أمكنك أن تمحو الأغلبية الساحقة من مسلمي فرنسا وتركز فقط على هذه القشرة السطحية المتطرفة التي تتبنى خطاب القطيعة والتي ساهمنا نحن بممارساتنا في تكوينها؟".

غير أن "المساهمة" التي يدان بموجبها الغرب تلفت نظر فنكلكروت، المتعاطف مع مقولات وتفسيرات كيبل، فيعتبر أن بورغا ذو "نظرة مزدوجة ومتناقضة للغرب": من جهة يطالب هذا الغرب بالتواضع وأخذ "الآخر" الموجود والفاعل والمبادر بعين الاعتبار دعماً لموضة التنوع والتسامح، ثم يعزو إليه في الوقت نفسه كل شرور العالم ويغدو "الشرق" تالياً وفق هذه النظرة منفعلاً تماماً وغير قادر على المبادرة. يقترب بورغا في رده بشدة من أفكار ما بعد الكولونيالية الثقافوية حين يوضح أن "قاموسنا الغربي لا يملك السطوة المطلقة على المفاهيم الكلية... فثقافات أخرى تستطيع صناعة الكليّة باعتماد ثقافتها الرمزية". المفاهيم الكليّة (ويقصد ربما حقوق الإنسان والمرأة... إلخ) موجودة دائماً، لكن التعبير عنها يمكن أن يكون بطرق تتنوّع بتنوع الثقافات. فبالنسبة مثلاً إلى العدالة الاجتماعية، يقول بورغا، "لو كنت مسيحياً أستطيع القول إن المسيح قال كذا وكذا عن الموضوع. لو كنت شيوعياً استشهد بلينين... ولو كنت مسلماً أحيل إلى القرآن" وهكذا. غير أن هذا المثال وطريقة عرضه لا يأخذ بعين الاعتبار التفسيرات "الفعلية" التي يقدمها صفوة "علماء" الإسلام مثلاً للعدالة أو المساواة أو الحرية: ففكرة العدالة مفخخة تماماً بقانون العقوبات الإسلامي والمساواة لا تصح مع غير المسلمين والحرية هي في ألا يكون الإنسان عبداً. بالإضافة لذلك فإن تلك المفاهيم الكلية الثلاثة وغيرها منزوعة من سياق إنتاجها البرجوازي ونضالات الطبقات الشعبية التي أدت إليها، وهو سياق يتعلق بمعاش الناس المتساويين ("بغض النظر عن..." كما تفترض المواثيق الحقوقية) وحقوقهم السياسية والاجتماعية. لكن ما لا يستقيم فعلاً في المثال المطروح هو وضع دينين "سماويين مقدسين" أنتجا منذ ألفي عام (ولا يزال يعاد إنتاجهما) ويحملان "كلاماً إلهياً معصوماً" على قدم المساواة مع الشيوعية، وهي المنتج البشري والابنة الشرعية للحداثة الأوروبية، في مقارنة واحدة فيما الحديث يدور أساساً عن "الثقافات". فإذا كان الدين، تعريفاً وظروف ظهور وأساليب ممارسة، قد ترسخ عاملاً من عوامل التعريف الثقافي للشعوب، فإن الشيوعية إيدلوجية فعل سياسي وعمل نظري تستهدف تجاوز الرأسمالية، أي التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية الأكثر تطوراً التي عرفتها البشرية، ولا تنتمي والحال هذه إلى "ما لا ينسى بعد نسيان كل شيء آخر" وهو ميدان الثقافة.

حياد علمي vs نضال سياسي

لا يتردد بورغا في الدفاع عن إسلاميين (أو مسلمين كما قد يفضل) وفي المشاركة في مؤتمرات ولقاءات "إسلامية" متضامنة في أوروبا والعالم يقودها ويدعو إليها مشايخ وفقهاء ودعاة مكرَّسون (من طارق رمضان إلى القرضاوي) وهو منافح كذلك عن أهمية إشراك الإسلاميين في العملية السياسية وعدم استبعادهم حتى لو تعلق الأمر بفرع تنظيم "القاعدة" الجهادي في سوريا "جبهة النصرة"، ورغم ذلك فهو يتردد لسبب غير مفهوم في تأييد قبول وإشراك تنظيم "الدولة الإسلامية"(2). وتتلخص فكرة بورغا الأساسية في أبحاثه بالقول إن "إدانة الجهاديين أمر جيد لكن ما هو أفضل من ذلك بعد هو إدانة من يصنعون الجهاديين" وأن الإرهاب هو "في الغالب الأعم رد فعل عنيف على العنف". تعطي هذه العبارات الانطباع بالرغبة في تعميق التحليل والبحث في الجذور المسببة للظاهرة الجهادية وعدم الوقوف عند إدانة الانتحاريين وقاطعي الرؤوس... الخ أو منح أهمية كبرى لـ"الإيديولوجية الإسلاموية". غير أن ما يبدو عميقاً وغير سطحي يتكشف عن تبسيط يضع اللوم كلّه على "طائرات الرافال والطائرات بدون طيار" التي تقصف في اليمن وسوريا وغيرها باعتبارها المسبب الرئيسي لانتشار الجهاديين وعملياتهم الانتحارية. لكن ذلك لا يفسر أن هذه العمليات قد طالت بلداناً لا ماضي استعمارياً لها ولا تشارك في "قصف المسلمين" ولا تتدخل مباشرة أو بفجاجة في شؤون دولهم ولا تسعى لتغيير ثقافتهم كالبرازيل وألمانيا مثلاً (أو دولاً أخرى تتبنى نمطاً تترك فيه للطوائف حرية ضبط إيقاع حياتها الاجتماعية الخاصةكبريطانيا). بالإضافة لذلك فإن هذا الخطاب مشغول إلى أبعد حد بإدانة الغرب (الذي يؤخذ هنا بكليته دون تمييز بين أممه كما يطالب المنتقدون حين يتعلق الأمر بالإسلام) على تدخله وفي الوقت نفسه لا يملّ من مطالبة الغرب ذاته بالتدخل "دفاعاً عن المدنيين... إلخ" دون أن يحدد ولو مرة واحدة نوع التدخل المطلوب عملياً.

بالمقابل، يناضل كيبل "سياسياً" أو ينشط على مقربة من أفكار حركة سياسية فرنسية ناشئة تسمى "الربيع الجمهوري" أعلنت بمبادرة من عالم السياسة لوارن بوفيه. وهي حركة يسارية تعرف عن نفسها بالدفاع عن الجمهورية وقيمها: المساواة، العلمانية، التضامن والسيادة وبإعادة إحياء فكرة "المشترك" عن طريق مقاومة "المحاولات والدعوات والانحرافات الهوياتية" التي تعصف بالمجتمع الفرنسي. وتندرج هذه الدعوة في سياق تحولات محلية ودولية تشهد صعوداً ظافراً للشعبوية اليمينية العنصرية المعادية للمهاجرين والمنغلقة على الذات والتي استغلت سياساتٍ تفضيليةً تبناها اليسار في الغرب على مدى عقود رغبة في تفهم وتجاوز غضب أقلوي مفترض (لأبناء المهاجرين والمستعمَرين السابقين والأقليات الدينيّة وغيرها). غير أن هذا الغضب كان قد طال في بعض ملامحه المبادئ الحديثة المؤسسة للاجتماع الإنساني العصري وقلبها الناظم (أي الحرية)، فوُضِعت العلمانية موضع شك باعتبارها "حربجية" وقمعية وتستهدف أول ما تستهدف ضبط الحريات الثقافية للبعض ومنعهم من ممارسة عاداتهم الموروثة بحرية (ولا يتعلق الأمر هنا بمنع المسلمين في الغرب من صيام رمضان مثلاً، بل بمنعهم من فرض الصيام على الآخرين حتى لو كانوا أهل بيتهم. كذلك الحال مع قضية "لحم الخنزير" في مطاعم المدارس: لا يتعلق الأمر بأن يؤخذ التنوع الثقافي بعين الاعتبار ويتم تنويع الوجبات المقدمة وهو الحاصل فعلاً، بل بقمع إرادات راغبة في منع لحم الخنزير كلياً من المدارس الحكومية حيث يوجد مسلمون).

بالعودة إلى دراسة جلبير أشقر، يبدو كيبل أقرب إلى مستشرق تقليدي منه إلى باحث ذي نزعة "استشراقية معكوسة" أصابت جيل ما بعد 1979 من الدراسين الفرنسيين وانطوت على "تقمص عاطفي" حيال العرب والمسلمين. ورغم أنه يظهر بمظهر العالم الموضوعي الهادئ والمتوازن والمتعالي على الانتماءات الدوغمائية، بخلاف بورغا المنخرط وصاحب "القضية" (cause/dogme)، ورغم أنه يزود قارئه بكميات لا يستهان بها من المعلومات البحثية الميدانية حول مواضيع دراسته، مستفيداً ليس فقط من توقد علمي لا ينضب بل أيضاً وأساساً من علاقات مميزة مع صناع القرار تعطيه، كما يضيف أشقر، بعض الأفضلية في الاطلاع على وثائق ومستندات غير متاحة للجميع(3)، فإن كيبل "منخرط" كذلك وصاحب "قضية" يمكن تلخيصها بمبادئ "الربيع الجمهوري" وإن كان يعبر عنها بخطاب وأساليب أقل شعبوية من زميله. على الأقل، فإن هذا ما قد يقوله مراقب "محايد" لتجربة الرجلين. لكن ذلك القول سيشبه إلى حد بعيد نزعة نسبيّة تمحي الفوارق بين الشريعة الإسلامية والعلمانية، باعتبار أن كلاً منهما إيديولوجية تنظيم وضبط اجتماعي وترتيب سياسي، أو القول بأن العلمانية أصبحت بمثابة "الدين" للدولة الفرنسية ولا يميزها بذلك شيء عن الإسلام باعتباره ديناً للدولة في السعوية أو مصر.

إذا كان مفهوم "الجهاد" الذي يعرضه بورغا (الدفاعي) شكلاً من أشكال مقاومة التدخل الخارجي الهادف إلى زعزعة "استقرار" المجتمعات المسلمة، فماذا يسمى إعلان حركات إسلامية معاصرة الحرب على العالم والرغبة في غزوه واحتلال أراضيه أو، إن عدنا إلى المنطلق والأساس، ماذا تسمى الفتوحات الإسلامية؟ "جهاد" أيضاً، بحسب كيبل. و"داعش" ليس عنصراً "غريباً" كلياً بالنظر إلى إشارة عناصره الدائمة إلى قراءات وتأويلات "حرفيّة" للنص المقدس.

جيل كيبل: "جهاد. توسع وانحدار الإسلاموية" (2000) - "إرهاب في فرنسا. بروز الجهاد الفرنسي" (2015) - "النبي وفرعون. الحركات الإسلامية في مصر المعاصرة" (1984)

سورا المفتقد

ينتهي الحوار كما العادة قبل الأوان، وتبقى نقاط عدّة في حديث الرجلين قليلة الوضوح دون أن يتاح الوقت لكليهما في الرد والرد على الرد. لكن بورغا وكيبل يمثلان اليوم الثنائي النقيض في البحث الفرنسي حول الظاهرة الإسلامية لأنهما، بالضبط، منخرطان في صراعات تتجاوز العلمي والبحثي إلى السياسي والإيديولوجي (ومتى كان العكس ممكناً أو سائداً؟). يبرز إلى جانبهما ثالثاً أوليفييه روا الذي يصعب تصنيفه كنقيض أو محازب بين أطراف الصراع "الفكري" على تحليل الإسلام الفرنسي. فأغلب الظن أن روا، وإن كان ذا خط متمايز عن قرينيه، يبقى محايداً قليل الانخراط في جدالات السياسة والاستخدام السياسي للأفكار (وهي نقطة قوته وضعفه في الآن ذاته).

أما رابع الدارسين فهو ميشال سورا الذي قتل في لبنان أواسط الثمانينات والذي نخسر كثيراً لأنه ليس في "وضع" يسمح له بالمشاركة في نقاشات اليوم لما كان يتمتع به من صفاء الرؤية. وللعارفين بأبحاث وسيرة سورا أن يتوقعوا أن رؤيته لم تكن لتتكدّر بعد 30 عاماً على وقع الثورات والاضطرابات والعنف والبربرية لأنه كتب، فيما كتب، في لحظات عنف وتوحش وبربرية وبوادر ثورة كذلك نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات كانت لتطغى على كل تفكير "بارد" أو نقاش جدي لمصلحة توتاليتارية أخلاقوية واقفة مع الضعيف "على أي حال". المميز فعلاً في تجربة سورا الفكرية ليس الانخراط السياسي الأخلاقي إلى جانب المقهورين والمظلومين ورفع الصوت عالياً في وجه الطغاة... الخ كما تتم الإشارة عادة، بل بالأحرى تلك التوليفة الرائعة التي ابتكرها بين السياسة العملية من جهة وتكريس النفس بتمامها للنشاط العلمي المسمى "محايداً" من جهة أخرى. كان سورا، الماركسي وابن تمرد 68 الأشهر، في ذلك السلوك لينينيّاً بأفضل طريقة: الحقيقة موجودة إلى جانب أحد الأطراف (ضد نزعات نسبوية عمياء)، لكنها تتشكل حصراً في الممارسة. ونرى ذلك مثلاً في أنه قد افتتح إدانته لـ"الطغيان" بالتذكير بأن اللفظ ذاته جدير بصفة "المصطلح العلمي" إلى جانب كونه نعتاً ملتزماً يقول الكثير عن مواقف قائله السياسية.

في مكان آخر، قدّم سورا في مطالعة نقدية تحفظاً معرفياً على تحليل الخطاب الاستشراقي في كتاب إدوارد سعيد الأشهر وذلك من خلال التركيز على الحاجة الحيوية إلى "التصنيف" في ظهور أي خطاب علمي. وأضاف، كما لو كان يدافع عن نفسه كعالم اجتماع وكمنخرط سياسي: "إذا كان ]سعيد[ رافضاً للأطروحة الشهيرة التي تقول إن هناك "شرقاً حقيقياً" لا يمكن معرفته إلا من خلال وجهة نظر "داخلية" [...] فإنه لا يطرح مطلقاً أي طريقة أخرى ممكنة حتى تتمكن العلوم الإنسانية من ممارسة وظيفتها في المجال "الشرقي"، وذلك على المستوى العلمي/السياسي المزدوج"(4). بل إنه يذهب حتى أبعد من ذلك حين يعتبر أن عمل سعيد "يعطي باستمرار الانطباع بأنه يتأرجح بين التوكيد الشغوف بالخصوصية (الـ"نحن مختلفون" التي لا يمكن دحضها)، وبين تطلع مشروع لشعوب المنطقة العربية الإسلامية نحو الكونية"(5). ولا يفعل سورا هنا إلا توكيد مواقف كان اتخذها منذ مطلع السبعينات واعتبر فيها أن العرب "الذين يرفضون الغرب يملكون أيضاً خطاباً أيديولوجياً" وأن "مشاكل الهويات والثقافات التي يراد استعادتها موجودة، لكنها ليست في أغلب الوقت سوى ذرائع تستغلها الطبقات الحاكمة في بلادهم"(6).

ميشال سورا - صورة غير مؤرخة (أ ف ب)

عن الإسلام السياسي، قدّم لنا ميشال سورا، بما تيسر له من وقت قبل موته، مفاتيح لمجال تفكيره النظري حول هذه المسألة التي ستصبح منذ مطلع الثمانينات القضية المركزية في خطاب التحديث العربي، وذلك أولاً في نقده لحماس ميشال فوكو تجاه الثورة الإيرانية ثم في دراساته عن النظام السوري وتمرد الإخوان المسلمين وأخيراً في كتاب حول تاريخ الجماعة في مصر وسوريا بمشاركة أستاذه أوليفييه كاريه. نختم هنا بنص مقتطف من هذا الكتاب يتبدى عن صواب رؤية لطالما تمتع به سورا:

"للأصولية الإسلامية سمعة سيئة في الغرب، وذلك منذ أن وضع "ظلام آيات الله" حداً للآمال التي ربما بناها على قدر من التسرع بعض أساطين الإنتلجينسيا حول الثورة الإيرانية ومشروعها -المفترض- لإقامة "روحانية سياسية". [...] استقر بعدها غطاء من الاستسهال الفكري والأخلاقي على العقول المستعجلة بالتعويض من خلال البديهيات الأكيدة لهذا  التأخير الذي أصابها بسبب كل هذا الحماس المهدور. عادت بعدها للظهور الأفكار القديمة للعقلانية الفاتحة والقاسية والتي لم تعد تخشى من التعبير بشكل علني في وسائل الإعلام الغربية عن خيارات سياسية عادةً ما تكون مرفوضة. في مواجهة مفهوم "الحصرية" الفكرية، يتوجب حتى نفهم معنى الأصولية الإسلامية التذكير بأنها أولاً قصة فشل. فشل مشروع إنشاء دولة حديثة في المشرق العربي. وهي قصة ينخرط فيها مرة أخرى الغرب بالضبط تحديداً بشكل مباشر لأنها تبدأ مع إعلان بونابرت الشهير في الإسكندرية في 1 تموز/يوليو 1798. أطلق القائد العام لجنود الثورة، باسم الجمهورية الفرنسية المؤسسة على الحرية والمساواة، بياناً يناشد الأمة المصرية الوقوف ضد المماليك، الذين قدمهم الإعلان كقامعين للمصريين. ويمكن للمرء أن يتصور حجم كنوز الإبداع التي استنزفها المستشرقون الذين شاركوا في الحملة المصرية لترجمة هذه المصطلحات إلى العربية، وهي الغريبة تماماً عن الإطار الثقافي. بعد ما يقرب من قرنين من الزمان، تبقى المفردات العربية غامضة بشكل مقلق فيما يتعلق بمفهوم nation (وطن، أمة، قومية؟)، في حين أن نطاق النظام السياسي "التقليدي"، المستند إلى علاقات قرابية وزبائنية وتحالفات وجيرة... الخ؛ "مغطى" بشكل شامل. مع مرور الوقت، لم تصب هذه الوفرة المعجمية بالشيخوخة، ومقالات كتلك التي خطها ابن خلدون أو تلميذه ابن الأزرق تحمل في كثير من الأحيان ملامح الحداثة وتدفع إلى التأمل في واقع السياسة في الشرق العربي المعاصر. هكذا، وهذا ما نريد إبرازه في هذا الكتاب، فإن النمط الكلاسيكي لدولة علمانية ومحدِّثة، تتعرض لهجمات متكررة من حركة أصولية تمثل القطاعات الأكثر تقليدية في المجتمع، يستحق أن يعاد النظر فيه على نحو ما.

"التقاليد أو الموت"، هكذا عنونت صحيفة "لو موند" في 13 شباط/فبراير 1982 مقالاً بخصوص عصيان حماة، مشيرة من جهة أخرى وبلهجة مرحبة، إلى أن المدينة بقيت متحجرة ضمن رؤيتها عن الشرعية في الحكم والتي حملت في حناياها نوع من التقديس لما  يطلق عليه العرب اسم التخلف "التخلف الطبيعي". حول الحدث نفسه، كتبت التايمز (15 شباط/فبراير) اللندنية في افتتاحيتها أن "التفكير بخميني آخر في دمشق يكفي حتى تسري القشعريرة في أجساد العرب والغربيين على حد سواء". ولا يتعلق الأمر بإجراء قلب بسيط وخالص لهذا النمط لدرجة تكرّس الإخوان المسلمين مبشرين جدداً بالتحديث [التسويد منّا]، بل بفهم الحظوة التي يمتلكونها حالياً بالعلاقة مع النظام الاجتماعي. ومن هذا النظام الذي قيل عنه مراراً إنه ينهل بطريقة ما من النظام الإسلامي. لا عجب إذن أن الإخوان المسلمين، بالاستناد إلى مرجعية تعود إلى أربعة عشر قرناً، يقدمون أنفسهم اليوم باعتبارهم قوة المعارضة الوحيدة للنظام régime، باعتبارهم وتحديداً الاستجابة الوحيدة مقابل هذا النظام"(7).

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

(1) Gilbert Achcar, « L'Orientalisme à rebours : de certaines tendances de l'orientalisme français après 1979 », Mouvements 2008/2 (n° 54), p. 138.

(2) تعليقاً على معركة حلب التي خسرت فيها القوى العسكرية الإسلامية والمقاتلة المدينة أمام قوات النظام السوري وبعد تغيير "جبهة النصرة" لاسمها وتحولها إلى "جبهة فتح الشام"، قال بورغا ما يلي: "قامت جبهة النصرة منذ عشرة أيام بمناورة استراتيجية لخداع الرأي العام الغربي (يقصد تغيير الاسم)، على الأقل هذا ما يقوله من لا يريدون أن يصدقوا ذلك. (بالمقابل) الذين يريدون أن يصدقوا سيقولون إن هذه عملية من المرجح أن تساعد في صيرورة توحيد الآراء العسكرية. شخصياً، ومنذ زمن طويل، أنا مقتنع بهذه الفكرة، لأنني التقيت مع قادة جماعات مسلحة في الأردن وغيرها، ولطالما أيدت فكرة أنه لابد من تمييز جبهة النصرة في سلوكها العسكري والسياسي على الأرض عن داعش. لذلك نعم، أعتقد أن واحداً من التحديات الكبرى على الغربيين، هو أن يكونوا قادرين على تحديد مؤشر بالنسبة للقوى السياسية التي يمكن التعاطي معها أو التي سيتم القبول بأنها تشكل جزءاً من مجموعة القوى السياسية التي سيتعين على السوريات والسوريين الاختيار بينها عندما يحين الوقت. ونعم، أنا أعتقد أن جبهة النصرة يجب أن تكون جزءاً من القوى السياسية التي يمكن التعاطي معها. أعرف أن هذا الأمر محط نقاش شديد الحيوية".

(3) ج. أشقر، مصدر سابق، ص. 136.

(4) Michel Seurat, « Notes de lecture. A propos du livre d’Edward Saïd », Revue d’Etudes Palestiniennes, 1, Editions de Minuit, automne 1981, p. 144.

(5) م. سورا، مصدر سابق، ص. 143.

(6) من لقاء في بيروت مطلع سبعينات القرن الماضي جمع سورا بعالم الاجتماع جان فرانسوا ميترال.

(7) Olivier Carré et Michel Seurat, Les Frères Musulmans (1928-1982), Paris, L’Harmattan, 2001, p. 202-203.

إعداد : علاء خزام
هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن