تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مئوية لويس ألتوسير

أنطوان دو غودمار: ألتوسير... الشبح الماركسي الذي انتاب باريس

أ ف ب/أرشيف imec
نص : علاء خزام
13 دقائق

إحياءً للذكرى المئوية لولادة الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير (1918-1990)، أطلق "معهد ذاكرة النشر المعاصر" برنامجاً أسبوعياً يتضمن دعوة مفكرين للتعليق أسبوعياً على أرشيف نجم الفلسفة الماركسية الفرنسية الأشهر. هنا نص الصحفي الفرنسي والمدير السابق لتحرير صحيفة "ليبراسيون" أنطوان دو غودمار Antoine de Gaudemar (العنوان منّا):

إعلان

الاثنين 26 نيسان/أبريل 1937: في ذلك اليوم، كتب لويس ألتوسير الذي كان يومها يتابع دروسه التحضيرية قسم الآداب في ثانوية "بارك" في ليون، على دفتر مدرسي بسيط صفحة جديدة من مذكراته. كان في الثامنة عشرة من عمره، وليس بين مشاغله حينها شيء من السياسة. راقداً في السرير في منزل والديه مجبراً على عدم الحركة بسبب التواء في الركبة بعد أن سقط في 1 نيسان/أبريل في مرتفعات ويسانس. وكان يعاني كذلك من الحمى القرمزية.

في ذلك اليوم، وبينما كان ممداً على سريره، خربش لويس ألتوسير على رسم انتزعه من يومية Le Temps الصادرة قبل الحرب ولصقه على صفحة من صفحات مذكراته. في الواقع، فإن نظرة فاحصة تبيّن أن ما لطخه لويس لم يكن عدد الصحيفة الصادر في ذلك اليوم بل عدد اليوم السابق: تحت رسم لويس نجد إعلاناً لبيع مبنى في شارع كليبر في باريس وعرضاً نقدياً لفيلم الملاكمة "المعركة الأخيرة" لميكائيل كورتيز مخرج الفيلم الأسطوري "الدار البيضاء" الذي مثل فيه إدوارد ج. روبنسون وبيت ديفيس وهمفري بوجارت. فهل كان هذا الفيلم يعرض حينها في إحدى صالات السينما في ليون؟

يوم 26 نيسان/أبريل 1937 ذاك، كان لويس يجهل، حاله في ذلك كحال الصحافة الفرنسية، الأحداث الجارية في شمال غرب اسبانيا. في ذلك اليوم، قصفت عشرات الطائرات الألمانية والإيطالية دعماً لقوات فرانكو بلدة غيرنيكا الصغيرة في إقليم الباسك الإسباني. وبعيداً عن أي هدف استراتيجي، شكلت هذه المجزرة المتعمدة التي أوقعت ألف قتيل مدني نقطة تحول في الحرب الأهلية التي كانت تجتاح إسبانيا.

بالمقابل، فإن ما تكلمت عنه كثير من صحف يوم الاثنين الربيعي ذاك كان الاجتماع الذي عقد في اليوم السابق في البندقية بين كبار الشخصيات الألمانية والإيطالية: هناك أبلغ موسوليني هتلر أنه لم يعد يعارض توقيع "اتفاقية ألمانية-نمساوية"، أي ضم النمسا لألمانيا. وبذلك فقد فتحت أبواب الحرب، ولكن من كان يعرف ذلك وقتها؟

بعد يومين من وقوع قصف غرنيكا، أعلنت صحيفة "الإنسانية" في 28 نيسان/أبريل الخبر جنباً إلى جنب مع خبر وفاة المفكر الماركسي الإيطالي وأحد مؤسسي الحزب الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي في السجن بعد اعتقاله من قبل النظام الفاشي لمدة أحد عشر عاماً. هل كان لويس ألتوسير يقرأ "الإنسانية"؟ هل كان يعرف غرامشي الذي سيرتبط اسمه باسمه بشدة بعد ثلاثين عاماً؟ فرصة ذلك ضئيلة. كان مهتماً بالسياسة ولكن ليس من هذا الجانب.

كان لويس، الكاثوليكي حسن النية، كما لو كان متطوعاً منافحاً عن عودة النظام الملكي، وكان ذلك تقليدياً في ثانوية "بارك" حيث يمارس اليمين المتطرف تأثيراً قوياً. في مذكراته لهذا العام، ألمح مرة واحدة فقط إلى السياسة وكانت امتعاضاً من "الجبهة الشعبية" في 1 أيار/مايو 1937: "اضطررت هذا المساء لتحمل ساعتين، بين الثالثة والخامسة، من الصراخ والعويل المتنوع للموكب الذي كان يمر بالقرب من منزلنا. كم هو "رائع" هذا العرض! فوضى حقيقية. الأطفال والأمهات والدراجات والآباء والأخوة، باختصار وكأنها شركة نقل". من الصعب تصور لويس ألتوسير بهذا الشكل الذي لم يكن متأتياً فقط من نوع واحد من جمالية الطراز الرفيع والادعاء. تلتقي جميع شهادات ذلك الزمن على وصف شاب يتابع دروسه التحضيرية في الأدب ويعارض "الجبهة الشعبية". وهو سلوك سيكون من الصعب عليه من جهة أخرى أن يبرره حين توجب عليه أن يتحدث عن مسيرته في لحظة انضمامه إلى الحزب الشيوعي.

لا أعرف يقيناً فيما إذا كان والدي بول، الذي خصص له لويس جزءاً من يومياته في يوم 26 نيسان/أبريل 1937، مدركاً لآراء صديقه المفضل. لكن ذلك محتمل جداً. كان يجهل القليل فقط عن لويس، وكان ذلك متبادلاً. لم يكن والدي نفسه في ذلك الوقت، وكان يصغر لويس بعام واحد، منخرطاً سياسياً، بل أصبح كذلك في وقت لاحق من خلال الانضمام إلى شبكات "الشهادة المسيحية" خلال المقاومة. كان بول حينها مثله في ذلك مثل لويس كاثوليكياً "تالا" (أي مؤمن ممارس كشخص يحضر القداس بلغة طلاب الدروس التحضيرية). شارك كلاهما منذ سنوات المراهقة في العديد من معسكرات الكشافة. وفي أحد تلك المعسكرات من عام 1937 نفسه التقى والدي بوالدتي وكان لويس معجباً بها. في كتاب "الوقائع" يقول ألتوسير: "جمالها و"شخصيتها" أثرا فيّ مدى الحياة. أقول مجدداً، وسيفهم كلامي: مدى الحياة".

التقى لويس وبول في صفوف ثانوية "سان شارل" في مرسيليا ووالداهما -محام في أحد البنوك من جهة لويس، ومستورد منتجات شرقية من جانب بول- أصبحا صديقين. منذ ذلك الوقت تشارك لويس وبول كل شيء، حياتهما وأسرارهما ومشاكلهما وتجاربهما العاطفية أو الباطنية وحبهما للشعر والأدب. كان والدي أضعف دراسياً من لويس ولكنه أضخم جسدياً وكان يهرع مراراً لنجدة صديقه ضد بعض أصحاب العضلات في المدرسة الذين كانوا يأخذون لويس ككبش فداء. سيكتب لويس في "الوقائع" حول صداقة المراهقين تلك إنها كانت "من النظرة الأولى". أصبحنا منسجمين لا يفصلنا عن بعضنا شيء. كونّا بسرعة مشاريع مشتركة: يكتب بول أبياتاً بأسلوب ألبير سامان Albert Samain، وأنا أحاول ذلك أيضاً، ستكون مجلة شعرية من شأنها أن تقلب العالم. حين افترقنا، وحتى قبل ذلك في مرسيليا نفسها، جمعتنا علاقة مثيرة: علاقة حب حقيقية".

لم يلتحق والدي فوراً بلويس في ثانوية "بارك" في ليون، بل بقي في الصفوف التحضيرية في مرسيليا. ولن ينضم إلى صديقه على مقاعد "الصفوف التحضيرية" في ليون إلا مع بداية العام الدراسي التالي في خريف 1937. لكنه كتب كثيراً إلى لويس، حتى وصل الأمر به إلى إرسال رسالة كل يومين، كما دوّن ذلك لويس في يومياته ليوم 26 نيسان/أبريل 1937. وفي المقابل، كان لويس يرسل إليه بانتظام صفحات من يومياته هذه تعبيراً عن تقديره. وكان قد شرع يكتب يومياته بناء على نصيحة أستاذ الفلسفة، الكاثوليكي للغاية، جان غيتون Jean Guitton ولأنه شعر بأنه "ضائع حرفياً" في محيطه الجديد في ليون حيث كان ضحية وحدة قاسية للغاية". هناك خلال تلك الدروس التحضيرية بدأ لويس للمرة الأولى يشعر بالكآبة في عام 1938.

رسائل بول إلى لويس وإرسال لويس يومياته إلى بول: بدا هذا الإرسال المتبادل للكتابات أفضل طريقة يواجه بها الصديقان انفصالهما الجديد والمزعزع للاستقرار. كان لويس يشعر بالامتنان لبول لجهوده في الرسائل التي تتضمن مخاطرة "إشغاله عن دروسه": "وهذا يعني الإفصاح عن الاستحقاق الذي يمتلكه والمتعة التي أشعر بها". ولكن هذا التبادل كان متطلباً: كان لويس قد وعد بول بأن يقول له رأيه في القصائد التي يرسلها إليه "غالباً": "لن أكيل له المديح فقط،، وبالمناسبة، سنرى ذلك فيما بعد". لم أقرأ مطلقاً قصائد أبي في سن المراهقة، قرأت فقط تلك التي نشرها خلال الحرب في مجلة Toutes Aures المغمورة التي أسسها مع اثنين من أصدقائه في المنطقة المحررة.

استمرت صداقة لويس وبول مدى الحياة متغلبة على كل المصاعب. حتى وفاة لويس، الذي كان مريضاً ووحيداً جداً ومنسياً عن طيب خاطر، كان والدي بين عدة أشخاص قلائل كان لويس يوافق على استقبالهم ولم يتوقفوا أبداً عن زيارته، غالباً في المستشفى أو العيادة. ارتبط اسم لويس بحياتي كلها في طفولتي وبلوغي. كان يجيء وحده أو مع زوجته هيلين إلى القرية التي عاش فيها والداي قرب تولوز بعد عودتهما من إنكلترا عام 1950. كان يأتي كذلك لتمضية العطلة في المزرعة القديمة التي أعاد والداي ترميمها في البيرينيه. وحين كنا نذهب إلى منزل جدي وجدتي في الريف، كنا غالباً ما نمر بمنطقة "غورديس" حيث يملك لويس وهيلين منزلاً كان في السابق مطحنة قديمة. وكان والدي ينزل دائماً في بيت لويس حين يذهب إلى باريس من أجل العمل؛ كان أيضاً يأخذ أختي المريضة عندما كانت تضطر لزيارة أحد الأطباء المتخصصين في العاصمة. واستمر الاثنان طوال حياتهما يتبادلان دون توقف الرسائل الطويلة.

بعد سنوات، في أيلول/سبتمبر 1968، كانت إحدى زياراتي الأولى حين بدأت أتابع دروسي التحضيرية في باريس إلى لويس في "مدرسة الأساتذة العليا". ولفترة طويلة، كان جوهر باريس يتمثل بالنسبة إلي في رائحة وديكور وموقع شقته في شارع "أولم". أثناء ذلك، كان الذي كنا نطلق عليه في المنزل "العراب لويس"، لأنه كان الأب الروحي لاثنتين من شقيقاتي، قد أصبح المثقف الماركسي المشهور عالمياً الذي نعرفه. حتى ذلك الحين، لم أكن أدرك ذلك حقاً، لم أقرأ كتبه وكنت حينها في السادسة عشرة من عمري. اكتشفت لدى وصولي إلى باريس المكانة التي أحرزها بين الانتلجنسيا الباريسية والتي كانت تتجاوز مسؤولياته كمتخرج مبرّز وأستاذ مؤقت لطلاب المدرسة العليا. اكتشفت الاحترام بل حتى الإعجاب الذي كان المناضلون اليساريون، الذين بدأت أخالطهم وكانوا جميعاً أكبر مني سناً، يكنونه لـ"ألتوسير" حين يتحدثون عنه. اكتشفت أن الصومعة التي سكنها لويس، في نهاية ممر في شارع "أولم"، كانت معبداً سرياً تردد عليها بانتظام مريدون رسميون وطامحون ممن سيطلق عليهم فيما بعد اسم "الألتوسيريين". اكتشفت ازدواجيته المحسوبة باعتباره عضواً في الحزب الشيوعي من جهة ومحاوراً مميزاً للمثقفين الماويين الشباب من جهة أخرى، ولا سيما أولئك الذين أسسوا فيما بعد "اليسار البروليتاري" الذي سأنتمي إليه. اكتشفت أخيراً قوة هالته، وكان شبحه، حتى حين يكون غائباً أو في المستشفى أو نائماً في سياق العلاج الطبي، يخيّم في أروقة "مدرسة الأساتذة العليا".

لم يكن ألتوسير حتى ذلك الحين موجوداً بالنسبة إلي. ما كان موجوداً هو "لويس". كان الرجل الساحر والساخر الهازل، بعقب سيجارته الدائم بين شفتيه (مثل أبي) الذي كنت أقابله صغيراً والذي كان معشوق الأطفال جميعاً. هو الشخص الذي كان مثلاً يقود سيارته بيجو 403 عابراً المراعي الجبلية في كاتالونيا وهو يغني. كان أيضاً الرجل الذي كان يختفي لفترات طويلة محاطة بالغموض والسرية، لكنني كنت أدرك أنها كانت مرتبطة بشرّ عميق. بعد بضع سنوات، سكن لويس، الذي "أطلق سراحه" سراً من الحبس النفسي الذي سببه له قتله لزوجته، في دائرة باريس العشرين بالقرب من منزلي. جعلتنا هذه الجيرة غير المتوقعة قريبين. كان يعاني من إعاقة شديدة بسبب المرض ولم يكن قادراً على فعل الكثير، فلم يعد يكتب عملياً وقد حصل أن أتيت أكثر من مرة كي أملأ له ثلاجته.

من الغريب أنني لم أسأل والدي كثيراً من الأسئلة عن لويس. كنت أعرف أنه كان يعاني الكثير من تعاقب المآسي التي ألمت بصديقه، السجن والاكتئاب وأزمات الهوس ومقتل هيلين والإزدراء والانحلال الجسدي... غالباً ما كنت أسأل نفسي كيف تمكن لويس رغم كل ذلك من أن يصبح المفكر الذي كانه وأن ينتج مع مجموعته (باليبار، باديو، رانسيير، ماشيري Macherey) نصوصاً تعتبر مبتكرة للغاية. لكني لم أسأل لويس أبداً عن ذلك على الرغم من تقاربنا الحزين في الآونة الأخيرة.

توفي لويس في عام 1990، بعد عام من وفاة والدتي، تلك التي كان يعتبرها "جميلة جداً" وكان "مفتوناً بها". عندما أصبح والدي أرملاً، سكن مع ممرضة لويس الشخصية التي صاحبته في لحظاته الأخيرة.

 

شكراً لـYann Moulier-Boutang، فقد أغنت هذه المقالة عدة معلومات مأخوذة من الجزء الأول من السيرة التي كتبها عن لويس ألتوسير الصادرة عن منشورات Grasset عام 1992.

اقرأ/ي أيضاً:

مئوية ألتوسير: تعليقات أسبوعية على أرشيف فيلسوف فرنسا الماركسي الأشهر

إتيان باليبار: دفء الصداقة ولغز الجنون في صورة الفيلسوف

فرانك دامور: ألتوسير من الكاثوليكية إلى الشيوعية. أيّ كونيّة؟

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.