تخطي إلى المحتوى الرئيسي
فرنسا

ماذا يقول بيان إدانة "معاداة السامية الجديدة" في فرنسا؟

"لا للكراهية".. من "المسيرة البيضاء" في مرسيليا 28 آذار/مارس 2018 (أ ف ب)
نص : علاء خزام
7 دقائق

بيان "ضد معاداة السامية الجديدة" في فرنسا، نشرته صحيفة "لوباريزيان" الفرنسية في 21 نيسان/أبريل 2018 ووقعت عليه 300 شخصية فرنسية بينهم رئيس جمهورية سابق وثلاثة رؤساء وزراء سابقون ونواب ومثقفون وفنانون (يمكن الضغط على رابط البيان للتعرف على الأسماء). أما محرره فهو الصحافي والكاتب الفرنسي دومينيك فال الذي شغل، على وجه الخصوص، منصب رئيس تحرير أسبوعية "شارلي إيبدو" الساخرة بين 1992 و2004 ثم عمل في وسائل إعلام فرنسية متنوعة.

إعلان

الأكيد أن المسألة اليهودية حساسة للغاية في عموم البلاد الأوروبية، وخاصة في فرنسا التي كانت لها "مساهمة" في التاريخ في عمليات التطهير ضد اليهود بواسطة حكومة فيشي العميلة للنازيين خلال الحرب العالمية الثانية. غير أن موقعي البيان يعتقدون أن فرنسا اليوم تنحدر كذلك باتجاه إنتاج نسخة جديدة من معاداة السامية ليس أبطالها من اليمين المتطرف القومي البائد بل من اليمين المتطرف الديني الصاعد والمتمثل بالإيدلوجية الإرهابية التي تستند إلى نصوص مقدسة إسلامية.

أثارت هذه النقطة تحديداً حفيظة أئمة مسلمين في فرنسا بعد أن طالب موقعو البيان بوضوح بأن يتم إعلان آيات قرآنية "تحض على قتل اليهود والمسيحيين وغير المؤمنين باعتبارها قد عفى عليها الزمن"، وهي مطالبة ليست بغريبة عن العالم العربي الذي دعا فيه مثقفون في ما مضى كذلك إلى "إيقاف العمل" ببعض الآيات وخاصة المتعلقة بالعبودية وملك اليمين وغيرها. أصدر الأئمة رأياً نشر في صحيفة "لوموند" اليوم 24 نيسان/أبريل 2018 يعتبرون فيه أن القول بأن القرآن بحد ذاته يدعو إلى القتل يتسم "بعنف غير معقول" ويدينون ما وصفوه بـ"الجهل المضر وغير المثمر" لموقعي البيان.

ولأن البيان يأخذ شكل عريضة "مثيرة للجدل"، تتعلق بالأديان والطوائف وتطلق إنذارات وتشير بأصابع الاتهام... الخ، فإن من الطبيعي بالنسبة إلى وسائل الإعلام أن يتم التركيز على أكثر تفصيلاتها إثارة للجدل (آيات القرآن)، غير أن نظرة فاحصة وقراءة متأنية تكشف عن تفصيل قد يكون أكثر أهمية: وذلك حين يتهم البيان "جزءً من اليسار الراديكالي" بتبني معاداة السامية لأن هذا الجزء يعتبر "التطرف الإسلامي تعبيراً عن تمرد اجتماعي" دون أن يأخذ في عين الاعتبار السياقات المتباينة أشد التباين والتي تنمو وتزدهر في داخلها نزعات التطرف الديني القاتلة.

ولأن الاعتراضات وردود الأفعال مرشحة لأن تتزايد، رأينا أن نضع بين أيديكم ترجمة للبيان الكامل الذي يدين "معاداة السامية الجديدة" في فرنسا:

"ليست معاداة السامية قضية اليهود وحدهم، بل هي قضية الجميع. إن الفرنسيين، الذين برهنوا عن نضجهم الديمقراطي بعد كل هجوم إسلامي، يعيشون مفارقة مأساوية. فقد أصبحت بلادهم مسرحاً لنزعة قاتلة من معاداة السامية. ينتشر هذا الرعب، مستفزاً في الآن ذاته الإدانة الشعبية وصمتاً إعلامياً ساهمت "المسيرة البيضاء"(*) الأخيرة في قطعه.

عندما يعلن رئيس وزراء من على منصة الجمعية الوطنية (مجلس النواب)، ووسط تصفيق البلاد بأكملها، بأن "فرنسا بدون اليهود لن تعود فرنسا"، فإن الأمر لا يتعلق بعبارة عزاء جميلة بل بتحذير رسمي: إن تاريخنا الأوروبي، وخاصة الفرنسي، ولأسباب جغرافية ودينية وفلسفية وقانونية، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بثقافات مختلفة يُعتبر الفكر اليهودي حاسماً بينها. وفي تاريخنا القريب، قتل 11 يهودياً -وبعضهم تعرض للتعذيب- بسبب كونهم يهوداً من قبل إسلاميين متطرفين.

رغم ذلك، فإن إدانة "الإسلاموفوبيا" -وهي أمر مختلف عن العنصرية ضد العرب التي يجب محاربتها- تخفي أرقاماً نشرتها وزارة الداخلية: حيث أن اليهود الفرنسيين أكثر عرضة بنسبة 25 مرة للاعتداء من الفرنسيين المسلمين. تم إجبار 10٪ من المواطنين اليهود في منطقة إيل-دو-فرانس (العاصمة باريس وضواحيها)، أي حوالي 50 ألف شخص، على الانتقال لأنهم لم يعودوا آمنين في بعض الضواحي ولأن أطفالهم لم يعد باستطاعتهم ارتياد مدارس الجمهورية. فهذا تطهير عرقي هادئ في بلد إميل زولا وكليمنصو.

لماذا هذا الصمت؟ لأن التطرّف الإسلامي -ومعاداة السامية التي يحملها- يعتبر حصرياً من قبل بعض النخب الفرنسية كتعبير عن تمرد اجتماعي، فيما تتم ملاحظة الظاهرة ذاتها في مجتمعات مختلفة مثل الدنمارك أو أفغانستان أو مالي أو ألمانيا... بالإضافة إلى معاداة السامية القديمة التي يتبناها اليمين المتطرف، هناك معاداة السامية التي يتبناها جزء من اليسار الراديكالي وجد في معاداة الصهيونية ذريعة لتحويل قاتلي اليهود إلى ضحايا للمجتمع. لأن الدناءة الانتخابية تقيم حساباتها على أساس أن "الصوت المسلم" أكبر بعشر مرات من "الصوت اليهودي".

لكنّ في "المسيرة البيضاء" حداداً على روح ميري نول، كان هناك أئمة واعون بأن معاداة السامية المسلمة هي أكبر تهديد للإسلام في القرن الواحد والعشرين ولعالم السلام والحرية الذي اختاروا العيش فيه. هم، في أغلب الأحيان، تحت حماية الشرطة، الأمر الذي يقول الكثير عن الإرهاب الذي يوقعه الإسلاميون على مسلمي فرنسا.

ولذلك، فإننا نطالب السلطات الدينية الإسلامية بأن تعلن أن آيات القرآن التي تدعو إلى قتل اليهود والمسيحيين والكفار ومعاقبتهم قد عفا عليها الزمن، كما كان حال التناقضات في الإنجيل ومعاداة السامية التي كانت تتبناها الكنيسة الكاثوليكية والتي ألغيت من قبل المجمع الفاتيكاني الثاني، بحيث لا يستطيع أي مؤمن الاستناد إلى نص مقدس لارتكاب جريمة.

ننتظر أن يفتح إسلام فرنسا هذه الطريق ونطالب بأن تصبح المعركة ضد هذه الثغرة الديمقراطية المتمثلة في معاداة السامية قضية قومية قبل أن يفوت الأوان. قبل ألا تعود فرنسا فرنسا".

 

(*) المسيرة البيضاء: مظاهرة نُظمت يوم 28 آذار/مارس 2018 في شوارع باريس وجمعت الآلاف بين سياسيين ومثقفين وممثلين عن المجتمع المدني لإدانة "تزايد معاداة السامية والصمت الإعلامي" بعد أيام على مقتل السيدة ميري نول (86 عاماً) بطعنات سكين في منزلها الباريسي، وكذلك بعد عام كامل على مقتل سيدة يهودية أخرى (سارة حليمي) في الحي نفسه هوجمت في منزلها وتم تعذيبها قبل أن تقتل ويرمى بجثتها من الطابق الثالث.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.