تخطي إلى المحتوى الرئيسي
في ذكرى اغتياله الأربعين

هنري كورييل: الشيوعي اليهودي المصري خَصْم الجميع

هنري كورييل في 28 تشرين الأول/أكتوبر 1977 (أ ف ب)

من هو هنري كورييل؟ اسم طواه النسيان قادم من سنوات القرن العشرين الأكثر "ثورية" وعنفاً والتي ميزها انقسام العالم حول المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، أو الكتلة الشيوعية والعالم الحر. قُتل كوريل في باريس في 4 أيار/مايو عام 1978 على يد مجهولين وبقي اغتياله سراً كما وقع حينها لكثيرين ممن انخرطوا في الصراع الدولي إلى جانب أحد الأطراف.

إعلان

المعلومات التي لا يطالها الشك حوله هي التالية: ولد كورييل لأحد كبار المصرفيين اليهود في القاهرة. اضطر إلى الخروج إلى منفاه الفرنسي عام 1950 بعد أن سجنه الملك فاروق بسبب نشاطاه السياسي، خاصة وأنه ساهم في إعادة إحياء الحزب الشيوعي المصري وتأسيس الحزب الشيوعي السوداني. ورغم انخراطه في فرنسا في أنشطة مرتبطة بحرب الجزائر والنضال الفلسطيني، إلا أن الغموض لم يفارق مسيرته فاعتبر تارة عميلاً للمخابرات السوفيتية وأخرى متعاوناً مع الإسرائيليين، ثم الفرنسيين وبعدهم الكوبيين... الخ.

فمن هو هنري كوريل؟

نقرأ على غلاف كتاب Un homme à part (1984) الذي كرّسه الكاتب والصحافي الفرنسي جيل بيرّو لحياة كورييل (نقله كميل داغر إلى العربية بعنوان "رجل من طراز فريد" وصدر عن "دار النضال") الوصف التالي: "يبدو مسار حياة هذا الرجل الفريد شبيهاً بمسار نيلسون مانديلا أو تشي غيفارا وكاشفاً لتاريخ النصف الثاني من القرن العشرين الذي طبعته الحركة الهائلة المناهضة للاستعمار والمطالبة بالتحرر والتي غيرت وجه العالم (...) يقوم جيل بيرّو في هذا الكتاب بإنصاف رجل أثار الكراهية والعاطفة على حد سواء، وبقي حتى مماته مخلصاً للمثل التي آمن بها في شبابه".

ابن مدلل للبرجوازية المصرية ومتمرد عليها

ولد هنري كورييل في 13 أيلول/سبتمبر عام 1914 لعائلة فرنكوفونية يهودية من أصول إيطالية استقرت في مصر التي كانت حينها تعتبر قبلة للمهاجرين والطامحين خاصة من دول الجوار الأوروبي المتوسطية. تلقى تعليمه في المدارس الفرنسية في القاهرة واطلع، مثله في ذلك كمثل الطلاب الأوروبيين، على كتابات أندريه مالرو وبول نيزان وأندريه جيد، ولكنه التقط كذلك "فيروس" الماركسية الذي سيلازمه طيلة حياته. غير أن كورييل لم يدرك فعلاً جدوى النظرية الشيوعية إلا عندما لمس بأم العين المظالم الفظيعة التي كانت تمارس بحق فقراء مصر في مصانع ومزارع البشوات والأغوات والرأسماليين الصاعدين والذين كان والده ينتمي إليهم.

جيل بيرّو: "سعى كورييل مع صديقته (وزوجته لاحقاً) روزيت العجم، وهي يهودية مصرية، لتخفيف الظلم عن طريق العمل الإنساني، لكنه سرعان ما اكتشف عقم هذا العمل الذي يكتفي بمعالجة محدودة وقاصرة (...) ولا يذهب إلى الجوهر (...) كان ينبغي قلب الأمور رأساً على عقب".

قطع هنري كورييل كل صلاته مع أبناء البرجوازية المدللين من زملاء الدراسة ليصبح مناهضاً للاستعمار، قبل أن يحصل على الجنسية المصرية بالرغم من أنه لم يتحدث اللغة العربية بطلاقة أبداً. وانطلاقاً من أوساط الثلاثينات، كرّس كورييل نشاطاته لمناهضة الفاشية الصاعدة في إيطاليا وألمانيا واضعاً نصب عينيه في الوقت ذاته مهمة كبرى تتعلق بتجميع الشيوعيين المصريين المتفرقين والمتشرذمين في حزب يعبر عنهم ويقودهم. وبالتوازي مع النشاط السياسي المكثف، الذي كلفه السجن عام 1942 بسبب تنظيمه للمقاومة ضد الألمان في مصر، فقد شارك عام 1939 مع شقيقه راؤول والصحفي والكاتب السريالي جورج حنين في الحركة الأدبية والفنية الطليعية في مصر بتأسيس أسبوعية "دون كيشوت" و"مجلة الشباب" الملتزمتين والتين اتسمتا بتجديد فريد.

مؤسس أحزاب شيوعية

عام 1943 شكّل كورييل "الحركة المصرية للتحرر الوطني" (حمتو) والتي دخلت على الفور في منافسة حامية مع التنظيمات الشيوعية السائدة وقادتها من يهود مصر كذلك القادمين من الأوساط البرجوازية نفسها كـ"إيسكرا" (التي تعرف بالمصرية باسم "الشرارة") بقيادة هليل شوارتز و"تحرير شعب" بقيادة مارسيل إسرائيل. أما المهمة الأساس التي برزت على رأس قائمة مهام الشيوعيين المصريين حينها فكانت إنهاء الاحتلال البريطاني، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية متفجرة تمخضت عن عاصفة من الإضرابات العمالية والطلابية بدءاً من عام 1946، وسيطرة شبه كلية للجيش البريطاني الذي بقي مرابضاً في معظم الأراضي خلافاً لمعاهدة 1936 ونصها الصريح بحصر انتشاره في القناة.

هنري كورييل في صورة غير مؤرخة (FranceInter)

الموقف من إسرائيل

لكن ما لم يمكن بالحسبان هو ذلك التطور الإقليمي والدولي الكبير والمتمثل بإعلان قيام دولة إسرائيل والارتباك الكبير الذي طبع مواقف الحركات الشيوعية العربية التي كانت في غالبيتها تدور في الفلك السوفيتي. وبالرغم من أن "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني" (حدتو)، التي نتجت عن اندماج "حمتو" و"إيسكرا"، كانت واضحة في مناهضتها للحركة الصهيونية، إلا أنها غيّرت مواقفها تماماً حين طرحت موسكو قرار التقسيم وأيدته الدول الكبرى ورعته الأمم المتحدة.

جيل بيرّو: "لم يكن هذا الخيار ناتجاً عن سبق إدراك خاص بهنري كورييل، بل عن الموقف الذي اتخذه الاتحاد السوفيتي (...) وليس من شك في أنه لو اختار الكرملين الموقف المعاكس لانحازت "حدتو" إلى هذا الموقف".

فيما بعد، سمحت علاقات كورييل الواسعة في فرنسا ومصر وغيرها بلعب دور سياسي كبير في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وتمكن من الوساطة بين الراغبين في السلام من الجانبين. وقيل وقتها أن كورييل كان في مبادراته يتمتع بدعم كبير من الرئيس السوفيتي حينها يوري أندروبوف.

سجن هنري كورييل ثمانية عشر شهراً بسبب المشاركة في التحركات المناهضة لحكومة الملك فاروق والمطالبة بإنهاء الاستعمار، ثم حرم من جنسيته المصرية قبل أن يتم نفيه بتهمة "الشيوعية" في 26 آب/أغسطس 1950 إلى إيطاليا أولاً ثم إلى فرنسا التي لم يتركها حتى وفاته.

التحريفي المستقل

وفوراً بدأ كورييل بنسج علاقات مع الحزب الشيوعي الفرنسي ما لبثت أن توترت بسبب النزعة الاستقلالية التي كان يتمتع بها في مواجهة حزب قليل التسامح تجاه "الانحرافات" عن الخط الذي يقرره الاتحاد السوفيتي. وكان الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي يقوده موريس توريز، قد بدأ بعد الحرب العالمية الثانية حملة تطهير واسعة طالت مناضلين وقياديين ومقاومين سابقين كانوا على ما يبدو "مستقلين" أكثر من اللازم. بعد قليل سيتم إعلان هنري كورييل "عدواً للحزب". وكان الحدث الأبرز الذي تسبب في توتر العلاقات قيام جمال عبد الناصر ورفاقه بثورة يوليو التي شجعها كورييل وكان يعرف شخصياً العديد الضباط الأحرار. في المقابل، كان الحزب الشيوعي الفرنسي المنسجم مع المواقف السوفياتية، قد نعت الثورة المصرية بالانقلاب والنظام الجديد بـ"الدولة الفاشية".

حرب الجزائر: حامل الحقائب

كانت فرنسا في ذلك الوقت غارقة في حربها ضد استقلال الجزائر ووجد هنري كورييل لنفسه دوراً نضالياً متجدداً في دعم "جبهة التحرير الوطنية" الجزائرية عبر الانضمام إلى ما كان يعرف حينها بـ"شبكة جانسون" نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي فرانسيس جانسون. وكان العمل الرئيس لعناصر الشبكة، الذي أطلق عليهم اسم "حاملي الحقائب"، تأمين جمع ونقل الأموال والمستندات وعمليات تزييف بطاقات الهوية وجوازات السفر وغير ذلك في خدمة ثوار الجزائر. عرف كورييل في أوساط الشبكة بالشجاعة والحس التنظيمي العالي الذي جعله عضواً فعالاً للغاية فيها، وذلك قبل أن تتمكن الدولة الفرنسية من تفكيكها عام 1960 واعتقال كورييل وسجنه 18 شهراً. انتقل بعدها كورييل إلى تأسيس "الحركة الفرنسية المضادة للاستعمار" ومنظمة "التضامن" التي ساهمت الجزائر في تمويلها بعد الاستقلال ودعمت حركات المعارضة الديمقراطية في العالم الثالث وخاصة في إفريقيا وحركات اليسار الراديكالية في دول أوروبية مختلفة كإسبانيا والبرتغال واليونان وكذلك في أمريكا اللاتينية.

الاغتيال: من المسؤول؟

ليس غريباً بعدما ذكر أن يتحول هنري كورييل إلى شخصية مزعجة للغاية لكثيرين حول العالم من داعمي الاستعمار إلى المناهضين للحقوق الفلسطينية إلى معادي السامية إلى الملتزمين بالقرارات السوفيتية وغير ذلك، باعتباره صورة للمناضل المستقل شديد الراديكالية.

في عام 1976، بدأ الصحفي الفرنسي جورج سوفير حملة دعائية ضد كورييل اتهمه فيها بتكوينه شبكة لدعم الإرهاب الدولي يقودها جهاز المخابرات السوفيتية. بعد ذلك بعامين، وفي الرابع من أيار/مايو، دخل رجلان مسلحان إلى فناء المبنى الذي كان كورييل يقيم فيه في 4 شارع رولين في باريس وانتظرا خروجه. في الساعة الثانية بعد الظهر، نزل كورييل فتم قتله على الفور بأربع طلقات.

الشرطة تنقل جثمان المغدور كورييل من منزله في 5 أيار/مايو 1978 (أ ف ب)

أعلنت كل من قوات "كوماندو دلتا"، وهي فرق اغتيال سرية مناهضة لاستقلال الجزائر، وجماعة "شارل مارتيل" الفرنسية اليمينية المتطرفة، مسؤوليتهما عن حادث الاغتيال، غير أن المسؤولية الفعلية لا تزال موضع شك كبير وذلك على الرغم من أن تحقيقات الشرطة أظهرت أن الطلقات النارية المستخدمة هي من النوع ذاته الذي استخدم في اغتيال لعيد سباعي، الحارس الليلي لمبنى جمعية "أصدقاء الجزائريين في أوروبا" عام 1977.

صحيفة "لوموند" 1978: نلاحظ أنه، ومثلما حدث بعد اغتيال لعيد سباعي، فإن رسالة غير موقعة مصدرها "منظمة دلتا" ادعت بعد مقتل هنري كورييل مسؤوليتها عن الجريمة. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن هاتين الجريمتين نفذتا وقت كانت الضحيتان فيه في المصعد".

درج باريسي باسم كورييل؟

دفن كورييل في 11 أيار/مايو عام 1978 في مقبرة بير لاشيز الباريسية وحضرت جنازته شخصيات يسارية مثل الكاتب والمؤرخ جان لاكوتور والسياسي ليونيل جوسبان والمناضل الشيوعي هنري مارتان. في 4 تموز/يوليو 1978، تم إنشاء جمعية هنري كورييل التي يرأسها القس رينيه روجنون لإحياء ذكراه والتذكير بأهمية الكشف عن أسباب اغتياله والواقفين وراء عملية الاغتيال.

وفي رسالة حديثة طلبت عائلة كورييل، وعلى وجه الخصوص الصحافي الفرنسي آلان غريش، من عمدة بلدية باريس الاشتراكية آن إيدالغو أن يتم تسمية درج يربط بين شارعين يحيطان بالمبنى الذي عاش فيه وقتل قربه باسم "هنري كورييل" وذلك تكريماً "لنضاله العالمي ومعركة السلام التي خاضها".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.