تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

"ذهب مع الريح" تُذهِبُه عواصف إيديولوجيا الهويات والتنوع الثقافي

نص: علاء خزام - بإعلان فيلم "ذهب مع الريح" عنصرياً ومنع عرضه في صالات أمريكية، يدق ممثلو سياسات الهوية حول العالم بحماس مسماراً جديداً في نعش القيم الكونية الواقعة، منذ مطلع الثمانينات، تحت رحمة هجوم كاسح باسم الفرادة والتنوع الثقافي.

إعلان

واليوم، لا يمر أسبوع دون أن نسمع أو نقرأ خبراً يحيل إلى صراعات هوياتية بين المسلمين والبوذيين والمسلمين والمسيحيين والبيض والسود والرجال والنساء... الخ، غالباً ما تساهم وسائل الإعلام الجماهيرية بقسط وافر في وضع الصياغات المناسبة للحديث عنها والتفكير بها ضمن إطار ما يعرف بـ"الصحيح سياسياً". هكذا، يصبح خبر عادي عن انتخاب رئيسة جديدة لوزراء سنغافورة (وهو منصب شرفي بالمناسبة) خبراً فوق العادة حين يتم التشديد على أن السيدة من الأقلية المسلمة وأنها ترتدي الحجاب... الخ. يقوم الإعلام، مدفوعاً بطبيعته ذاتها، بتقنين المعارف الشعبية التي يقدمها ثم توجيهها إلى غرائز متلقيه متعمداً إثارتهم والضرب على أوتار حساسيات بدائية لديهم، الأمر الذي يحل شيئاً فشيئاً محل كل مقاربة جدية ومسؤولة لهذه الحساسيات ذاتها. لا تكمن المشكلة إذاً في الحديث عن الطائفية أو العنصرية العرقية وغيرها، بل في أن الطريقة التي يتم من خلالها تناول هذه المسائل تقع غالباً في أفخاخ الطائفية والعنصرية العرقية وغيرها.

أخبار العالم: عنصريات وطوائف وحساسيات

تلقت صالات سينما في مدينة ممفيس الأمريكية اعتراضات كثيرة تحتج على أن فيلم "ذهب مع الريح"، الذي أخرجه فيكتور فليمينغ وحصل بعد صدوره عام 1939 على 10 جوائز أوسكار، يقدّم بحسب المعترضين الشخصيات السوداء بأسلوب عنصري والشخصيات البيضاء في الجنوب الأمريكي وقت الحرب الأهلية بطريقة أقرب إلى المثالية.

كذلك، فقد تعرض تمثال كريستوفر كولومبوس البرونزي، الذي ينتصب في سنترال بارك بمدينة نيويورك منذ عام 1892، إلى تشويه متعمد في أيلول/سبتمبر 2017، فصبغت يداه باللون الأحمر وكتبت في أسفله عبارة "لا تسامح مع الكراهية". قبل ذلك بأسابيع كانت أعمال العنف التي أعقبت تظاهرة للقوميين الأمريكيين البيض في شارلوتسفيل قد لفتت الانتباه إلى عشرات التماثيل التي تصور قادة لجيش الجنوب خلال الحرب الأهلية الأمريكية، فعمدت بلديات المدن المعنية إلى إزالتها استجابة لضغوط جمعيات ومنظمات وناشطين معادين للعنصرية.

على الطرف الآخر من الأطلسي، في بريطانيا، أزعجت بورتريهات علماء يعتبرون بمثابة الآباء المؤسسين على المدخل الرئيس لجامعة الملوك اللندنية، طلاباً لم يروا فيهم غير "رجال بيض ملتحين أعمارهم فوق الخمسين"، وهي تنويعة تجمع في جملة واحدة نقائض التفضيل الهوياتي لإيديولوجيا عصرنا، أي: امرأة، ملونة، شابة (وربما مثلية أيضاً). ولحل المعضلة، شرعت الجامعة، التي حصدت أبحاث منتسبين إليها 12 جائزة نوبل منذ تأسيسها عام 1829، بإضافة علماء آخرين إلى المجموعة حتى تصبح "ممثلة بحق للأقليات الإثنية والثقافية"، بحسب عميد كلية الآداب، بينما اعتبرت جمعية الطلاب المحافظين في الجامعة أن القرار "يعكس الجنون الذي وصلت إليه سياسات الهوية".

في آب/أغسطس 2017، انقسم رواد الشبكات الاجتماعية حول فيلم كرتون موجه للأطفال عن تاريخ بريطانيا كتبته المؤرخة ماري بيرد وقدمته "بي بي سي". في الفيلم، الذي يتحدث عن سيطرة الرومان على أراضي ما عُرف لاحقاً بولاية "بريتانيا"، يظهر جنرال روماني "أسود" وزوجته "البيضاء" وطفلهما وهو خليط "ميتيس" بين اللونين. وأياً تكن الحقيقة التاريخية للون بشرة القائد العسكري كينتوس لوليوس أوربيكوس (المولود في الجزائر)، فإن مهاجمي الفيلم والمدافعين عنه يصدرون جميعاً عن وجهات نظر مشغولة هوسياً بقضايا الهوية: الألوان والأديان والأعراق... الخ.

مؤخراً، طلبت الفنانة الكندية من أصل كولومبي Lido Pimienta علناً من جمهورها أن يتراجع "البيض" بينهم إلى الخلف وأن تتقدم النساء الملونات إلى الأمام وذلك خلال حفل لها أقيم في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2017 ضمن فعاليات مهرجان Halifax Pop Explosion الموسيقي في كندا. وفي رواية أخرى، فقد "أمرت" السيدة عشاقها أن يتراجع الرجال أولاً إلى الخلف ثم أن تتقدم النساء الملونات وتجلسن في الصفوف الأولى من القاعة. ورغم طبيعته العنصرية الفجّة وعلنيته، فإن تصرف Pimienta لم يحظ بتغطية إعلامية وافرة كالتي يمكن توقعها لو كانت "الألوان" المذكورة معاكسة كما لم يثر أي شكل من أشكال الاستياء. على العكس، قدّمت إدارة المهرجان في تعليقها على الحادث اعتذارها من الفنانة نفسها صاحبة تصريح الفصل العنصري قبل أن تقرّع وتتهم "البيض" (كذا!) بالعنصرية!

أما في فرنسا الشهيرة بنموذجها العلماني، فإن قضايا العنصرية والإشكاليات التي تطرحها مسائل الاندماج وخاصة بالنسبة إلى منتسبي الدين الإسلامي تُتداول يومياً ويروج لها حتى من قبل وسائل الإعلام العامة. وربما تكون النقطة التي أفاضت كأس القناعة بأن هستيريا إيديولوجيا الطوائف والأديان والأعراق قد تمكّنت حتى من وسائل الإعلام العمومية في فرنسا، التي كانت حتى وقت قريب محصنة أشد التحصين بالمعاني القانونية والعلمانية والفكرية، هو الخبر الذي نشرته واهتمت به إذاعة "فرنسا ثقافة" الرصينة بعنوان "سمير: نقوم برحلة لعام حول العالم. أنا مسلم وثلاث صديقات: كاثوليكية ويهودية وملحدة". ولماذا يقوم سمير وصديقاته بالرحلة؟ بهدف "مراقبة مبادرات التعايش الديني والعودة إلى فرنسا مع أفكار يمكن تطبيقها"، معطياً الإيحاء مجدداً على أن المشكلة في فرنسا تكمن في علمانيتها المتطرفة الإقصائية والاستعمارية... الخ.

ولكن ما هو وجه الاعتراض على إزالة تماثيل مدافعين عن العبودية في الولايات المتحدة أو إضافة علماء من الأقليات الثقافية لإعطاء صورة أكثر شمولاً عن التنوع والتسامح في عالم اليوم؟ أليس الدفاع عن حقوق الأقليات المضطهدة أمراً نبيلاً يستحق الاحترام والنضال في سبيله؟ ألا يمكن اعتبار تنقية التاريخ من شوائبه ومسح الفترات الأكثر ظلاماً وانتهاكاً لحقوق الإنسان منه شيئاً طيباً؟ أليس من الواجب الهجوم على فيلم "يزدري" الملونين والدفاع عن آخر يحيي التنوع العرقي حتى لو اخترعه اختراعاً؟ ألا يجب علينا أن نشد الرحال جميعاً مع سمير لنراقب رجال الدين حول العالم ونتعلم من تجاربهم المبهرة في التعايش؟

لا!

5 مشكلات في السؤال

هنا أيضاً، تطالعنا الحكمة الفلسفية القديمة حول "صحة السؤال" المطروح باعتبارها شرطاً للتقدم في محاولة تقديم إجابة "صحيحة" له. ونجزم أن طرح هذه الأسئلة بهذه الطريقة المحددة يعاني من عدة مشكلات نلخصها في الآتي:

1- تفترض هذه الأسئلة ميلاً طبيعياً في ميزان الارتباط بالأخلاق لصالح "الأقليات المضطهدة" فتحصر في الطرف الآخر كل الرذائل التي تستوجب الإدانة والحذف والشطب وتبرئ بشكل مبطن أتباع الأقلية من إتيان أي انتهاك. لكن، إذا كان قادة جيش الجنوب الأمريكي مدافعين عن النظام العبودي، فإن الإسلام التاريخي ذاته مثلاً، في أدبياته وسلوك نبيه وعبر تاريخه الطويل لم يمنع الاستعباد بشكل حاسم كما أن دور المسلمين الكبير في تجارة الرقيق أكبر من أن يحتاج إلى دليل. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد واجه بشجاعة وبقليل من الغضب خلال زيارته لبوركينا فاسو اتهامات لـ"الغرب" بتشجيع وتسهيل وقيادة جرائم الاسترقاق في ليبيا بالقول: "حسناً، لكن من هم تجار الرقيق؟ اسألوا أنفسكن هذا السؤال... إنكم غير معقولين! من هم التجار؟ إنهم أفارقة يا أصدقائي وليسوا فرنسيين!". ودون أن ندخل في مباراة بائسة حول من هو الأكثر عنصرية من الآخر، ينبغي النظر إلى هذه المسائل جميعاً بعين أكثر فحصاً تستطيع رؤية المتشابك والمعقد في التمثيل والممارسة والفعل الاجتماعي، الأمر الذي يستوجب الخلاص من منطق الضحية التعيسة البريئة كلياً والجلاد كلي القدرة سيء النوايا فطرياً.

2- ليس من الواضح تماماً لماذا يرغب من يعتقدون أنهم ممثلون لـ"الأقليات" في تمييزهم والدفاع عن حقوقهم هم حصراً، عدا عن أن لقضية "حقوق الأقليات" ما لها وعليها ما عليها أيضاً من مشكلات. تصدر حقوق الأقليات عن حقوق الإنسان الشاملة حين يتم اعتبارها ممارسات خاصة ومحددة لطائفة صغيرة متضامنة (العبادات للراغبين مثلاً أو الاحتفالات القومية للراغبين أيضاً... الخ). لكن مطالب "حقوق الأقليات" تعمد في صيغتها الحالية إلى تطوير الانتماء الأولي ليصبح عقيدة إيديولوجية خالصة تعمل بإطراد على صناعة "الأقلية" نفسها أولاً، مع ما يلزم كل "صناعة إيدلوجية" من عنف لازم لتوحيد الصفوف الداخلية شديدة التنوع والتناقض، ومن ثم خلق العدو المتمثل في الأغلبية.

3- الأصل ألا يكون أي جزء من التاريخ البشري موضع اتهام في ذاته بل محل تعقّل وتأمل، وإلا فإن التاريخ يختفي إذا ما لوحقت حلقاته بهذا الشكل الهستيري رغبة في التطهير والتطهر. وكان أقصى ما فعله لينين ورفاقه البلاشفة في عز انتصار الثورة الروسية مثلاً هو استصدار أمر ينقل الآثار التي أقيمت على شرف القياصرة "ولا تمتلك قيمة تاريخية أو فنية" من الساحات والشوارع إلى المستودعات. نعرف أيضاً التمييز القديم العظيم الذي ابتدعته الاستقلالات الوطنية في العالم الثالث بين المنتج الثقافي الغربي من جهة وممارسات السيطرة العسكرية والاقتصادية الاستعمارية من جهة أخرى.

4- إن ما يعترض عليه ممثلو سياسات الهوية قد هُزم (تقريباً) في كل الأماكن التي ينشطون فيها حول العالم، أي في الغرب، مما يضع أنشطتهم هناك موضع شك ويجعل من تساؤلاتهم كاشفاً عن أسباب عميقة تتجاوز رد مظلمة أو رفع حيف مزعومين. فإذا لم يكن هناك عبودية ولا اضطهاد معمم للأقليات في الغرب، لماذا تتحرك جماعات الدفاع عن الأقليات هناك وليس مثلاً في الشرق الأوسط وإفريقيا والصين وروسيا، حيث تسجل أعلى نسبة من امتهان كرامة الإنسان بواسطة فاعلين داخليين لا دخل للاستعمار المتوهم بهم؟ المنطق الذي يطالعنا هنا هو ذاته الذي أعادت طرحه حوريّة بوتلجة، مؤسسة حزب Les Indigènes de la République، المعروفة بخطابها الهوياتي المدافع عن "المسلمين والسود والعرب" في مواجهة "عنصرية" الدولة الفرنسية. تقول بوتلجة في كتابها "البيض واليهود ونحن" الصادر في فرنسا عام 2016 عن دار نشر "يسارية" التالي نصه: "إذا ما تعرضت امرأة سوداء للاغتصاب من قبل رجل أسود، فإن من المفهوم ألا تتقدم بشكوى ضده بهدف حماية الطائفة السوداء". المنطق ذاته الذي يبرر أو يسكت عن جرائم النظام السوري بمئات آلاف الضحايا ثم يملأ الدنيا صراخاً حين تقتل الشرطة الإسرائيلية شاباً فلسطينياً.

5- إن النضال في سبيل إدراج "الأقليات" إلى جانب "الأغلبية" كفاعل تاريخي يحظى بالشرعية، يمر حتماً، على ما نرى ونسمع، بابتكار الأغلبية ومن ثم فرض الاعتراف عليها أو انتزاعه منها. وبذا لا يكون للاحتفاء بالقامات العلمية والسياسية والفنية... الخ المنتمية للأقلية من معنى، بل لا تكون "قامات" حتى، إن لم تنل اعتراف الرجل الذي يسميه صناع وحراس سياسيات الهوية بـ"الأبيض". كان جورج طرابيشي بين المثقفين العرب القلائل الذين لفتوا الانتباه إلى "عدم سداد الاستراتيجية العربية أو الإسلامية (يمكن إضافة مهزومين آخرين واقفين بتردد على أبواب الحداثة) التي تضع كل رهانها على تغيير نظرة الغرب" وليس مثلاً العمل على "إلغاء الحاجة أصلاً" إلى تغيير هذه النظرة عبر تكريس الجهد في نقد الذات. وبالتالي، فإن الأزمة الحادة التي تنضوي على انشغال النخب الأقلويّة الكامل بنيل الاعتراف العالمي يزيد في غور "الجرح النرجسي" ويوقع النضال المشروع لنيل الحقوق وتحقيق استقلال حقيقي مجدداً في براثن الهيمنة الغربية متعددة الأوجه التي يسعى جاهداً إلى الخلاص منها.

تبرز في السياق نفسه مسألة الدعوات (الحقّة) إلى إنشاء عالم متعدد الأقطاب بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، غير أن المرء ربما يميل (يائساً) إلى تفضيل الهيمنة الأحادية الغربية والأمريكية، خاصة حين ينظر إلى الأقطاب الأخرى التي تطرح نفسها لتعديل اختلال التوازن العالمي: روسيا المافيا القومية البوتينيّة والصين المتوحشة اقتصادياً والمتطرفة في عدائها للسياسة، بالإضافة إلى هند مُودي وتركيا أردوغان القوميتين الدينيتين المنخرطتين تماماً في السياسات الرأسمالية الدولية، وكذلك الديكتاتوريات العربية والإفريقية التي تسوق لقمعها واضطهادها باعتبارها خصوصيات ثقافية... الخ.

أيّ مستقبل وأية مرجعية؟

ليس في حال عالم اليوم ما يبشر بتحقيق تقدم فعال في حريات البشر وكراماتهم، كما كان يعد منظرو ما بعد انهيار الشيوعية الرسمية. وكانت الفرضية القائلة بنهاية التاريخ (أي نهاية الصراع الأيديولوجي في التاريخ والانخراط في عصر ما بعد الإيديولوجيا) قد اعتبرت انتصار الرأسمالية، كشكل أخير للتنظيم الاجتماعي، مهمازاً للانطلاق نحو تفعيل طاقات الإنسان الكامنة وانفلاته من ربقة السيطرة والتحكم السياسي كما كان الحال في نصف العالم الاشتراكي طوال القرن العشرين. غير أن نتائج التكريس الإيديولوجي الخفي للرأسمالية (أي هزيمة الخيار الآخر الذي كان مطروحاً على المستوى الدولي) بالتوازي مع توقف التمدد الرأسمالي التوسعي الفعال (والميل إلى تفضيل مراكز دولية رقمية ومتقدمة اقتصادياً وتكنولوجياً وأطراف منفلتة العقال تسيطر عليها جماعات أمر واقع أو أمراء حرب وما إلى ذلك)، جعل من حلم الإنسان في أن يكون إله نفسه (يسافر في الفضاء ويمشي على القمر ويسكن زحل ويسيطر كلياً على الطبيعة ويساهم في تغييرها وخلقها... الخ) ينحصر ويتقلص راداً البشر إلى سماتهم الأولية ومصنفاً إياهم بألوانهم وأعراقهم ومحولاً بالتالي أقصى أحلامهم إلى رغبة (تبدو متناقضة) في الانخراط في المؤسسة الرسمية بالتوازي مع الاستقلال والعيش في قوقعة الجماعة.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن