تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

معرض "آي ويوي" في مرسيليا: عن علاقته بالأب وعلاقة فرنسا بالصين

Cecile Degos / Francois Deladerriere

يستقبل متحف حضارات أوروبا والمتوسط في مرسيليا جنوب فرنسا حتى الثاني عشر من تشرين الثاني/نوفمبر الفنان الصيني "آي ويوي"، أحد أهم الفنانين الفاعلين في الساحة العالمية والذي عَرَف كيف يمتلك أدوات الاتصال الحديثة ولا سيما شبكات التواصل الاجتماعي، كما كان قد فعل في زمنه الفنان الأمريكي "أندي وارول" مع التلفزيون والصحافة.

إعلان

عرف العالم العربي "آي ويوي" بفضل مواقفه من قضية اللاجئين والمهجَّرين ولا سيما السوريين منهم، فهو قد قدّم فيلمه الوثائقي "المد الإنساني" عام 2017 بعد تصويره في أماكن عديدة معنّية بأكبر عملية نزوح إنساني يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية تطال أكثر من 65 مليون شخص تهجروا من أراضيهم.

قام الفنان برصد قصص تعود الى 23 بلدا منها أفغانستان والعراق والأردن وبنغلادش وفرنسا واليونان وتركيا ورافق حركة اللاجئين من المخيمات الى المعابر والحدود الشائكة، كما انه توجّه الى قطاع غزة لتصوير الأوضاع الانسانية ومعاناة سكان المخيمات بسبب الحصار المفروض عليهم.

اختار "آي ويوي" عنوان "فان تان" لمعرضه وهو اسم دبابة هجومية أهداها رجل أعمال صيني إلى بريطانيا وكانت تستخدم في فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى للدلالة على غرابة العلاقات مع فرنسا.

في الصالة الأولى من المعرض يستقبلنا مكعبان ضخمان صممهما "آي ويوي" خصيصا ويحال لنا أنهما من البرونز لنكتشف فيما بعد أنهما مصنوعتان على طريقة الصابون الذي تشتهر به مرسيليا وقد حفر على الواحدة نَصّ شرعة حقوق الانسان وعلى الاخرى إعلان حقوق المرأة مما يدل على اهتمامات "آي ويوي" الذي نجد دائماً في معارضه صلة مع مكان العرض وثقافته المحلية.

Cecile Degos / Francois Deladerriere

Cecile Degos / Francois Deladerriere

في الصالة نفسها وراء قطعتي الصابون التي تزن كل منها طناً واحدا، يطالعنا جناح خشبي تحت عنوان "بيت ملون" وهو بناء تقليدي صيني طلي بألوان زاهية وبطلاء صناعي معاصر لا يسمح للخشب بالتنفس ونُصِب المبنى الضخم على كريات بلورية، في رمزية الى أفول الصين في وجه المجتمع الصناعي الذي يعمل على محو الماضي.

خمسون عملا فنيا من بينها عملان أنجزهما خصيصا للمعرض يقابلها خمسون عملا آخر من مجموعة المتحف تدعونا لتساؤلات حول مفاهيم "الشرق" و"الغرب"، "الأصل" و"الصورة"، "الفن" و"الأرتيزانا"، "الهدم" و"الحفظ". وهي قبل كل شيء تجعل الزائر الغربي يعيد النظر في نُظُم فهمه وتقييمه للآخر. كما أن الفنان "آي ويوي" مهتم جداً بنظرة الغرب الى الصينيين وهذا واضح في المعرض الذي نجد فيه عددا من مقتنيات المتحف التي تدل على الأفكار النمطيّة حول "الخطر الأصفر" مثل لعبة "حرب الصين" الشبيهة بلعبة ال "مونوبولي" حيث يجب الاستيلاء على هذه الأرض "المتوحشة" في 42 مرحلة.

بالتوازي مع أعمال "آي ويوي" يقدم المعرض مقتنيات من متحف حضارات أوروبا والمتوسط الذي يهتم بالمجتمعات وطرق حياتها من أكل وشرب ولباس ومعتقدات، وهكذا الفنان آي ويوي الذي تستنطق أعماله بقوة مجتمعاتنا الحالية وهذا متمثل بأدوات وأغراض للاستعمال اليومي يحولها هو بلمسة ساحر الى قطعة فنية مما يسمح للزائر بالتحاور معها بطريقة جديدة. وللتحضير لهذا المعرض زار آي ويوي المتحف الصيف الماضي ليتعرف على مجموعته الخاصة وليجد أصداء لها في أعماله كي يختارها للعرض.

المعرض مصمم بطريقة نكتشف فيها أبرز محطات الفنان من حيث علاقته بوالده من جهة ولكن بطريقة اشمل من حيث تطور الصين في القرنين الأخيرين. وهو هنا يقتفي أثر والده الشاعر الصيني الكبير آي كينغ (1910-1996) الذي غادر الصين بعد اتهامه بالانضمام الى منظمة يسارية سرية فتوجه الى الغرب عام 1929 وكانت مرسيليا المحطة الاولى في رحلته ووصل اليها عن طريق البحر ونزل على مقربة من مقر المتحف اليوم. كما أنه تعرّض للاعتقال عند عودته الى الصين ثم انخرط في صفوف المقاومة ضد الاحتلال الياباني وحين وصل الشيوعيون الى الحكم رفض الدعاية للثورة التي كان أحد المنتمين لها فحُكم عليه بالإقامة الجبريّة في إحدى القرى وبتنظيف مراحيضها العامة لخمسة أعوام قبل أن يُصْفَح عنه ويُصبح نائب رئيس جمعية الكتاب الصينيين.

Cecile Degos / Francois Deladerriere

Cecile Degos / Francois Deladerriere

وقد اقترح "آي ويوي" تحضيرا لمعرضه أن يسافر عبر الزمن والأعمال التي تربطه بالأب، فزار مرسيليا على خطى والده من المرفأ الى غرفة التجارة والصناعة حيث وجد كتاب الرحلة الخاص بقبطان الباخرة التي كان والده على متنها مما ترك أثرا كبيرا في نفسه، ونجد هذه المذكّرات معروضة هنا وكذلك القصيدة التي كتبها عن الفوضى والضجيج في مرفأ مرسيليا وقد ترجمت الى الفرنسية.

على جدران الممر الطويل في وسط المعرض ورق جدران من تصميم الفنان مؤلف من خطوط هي مزيج من رسومات لشارات من "تويتر" وكاميرات مراقبة وقيود وأصفاد على مد النظر. ويشير هذا العمل الى حرية التعبير على شبكات التواصل الاجتماعي ولكن أيضاً الى الايام الواحدة والثمانين التي سجن فيها "آي ويوي" في ربيع عام 2011 والتي سبقت إقامته الجبرية في الصين. عدة أشياء معروضة هنا تعبِّر عن هذه الحقبة، لا سيما كاميرا المراقبة في دلالة على تلك التي وضعتها الحكومة الصينية حول منزل الفنان في بكين وكذلك القيود المعدنية التي تحولت الى قيود من معدن اليشم الثمين الذي تشتهر به الصين.

في الجزء الثالث والأخير من المعرض تشد أنظارنا بضخامتها وأنوارها ثُرَيَّا عملاقة معلقة في السقف وهنا نجد تأثر "آي ويوي" بالفنان مرسيل دوشان ولا سيما قطعته الفنية "حاملة الزجاجات" والتيار الذي يستعمل الأشياء المُصَنَّعة والعادية ويُحولها الى عمل لافت للنظر ومثير للتساؤلات. غير أن آي ويوي اختار ان يستعمل عدة ثريات صممت بين 1920 و1930 في فرنسا وألمانيا وشبكها مع بعضها محوِّلا إياها الى ثريا ضخمة تُشبه تلك التي نراها اليوم في الفنادق الفخمة في المدن الصينية الكبرى.

Cecile Degos / Francois Deladerriere

خلف هذه الثريا يطالعنا عمل "دائرة الحيوانات" الذي يمثل تاريخ العلاقات الفرنسية الصينية خلال القرنين الماضيين، وهو عبارة عن نسخة من مجموعة من اثنتي عشرة منحوتة عبارة عن رؤوس حيوانات تمثل الأبراج الصينية كانت معروضة في المقرّ الصيفي لإمبراطور الصين. فخلال حرب الأفيون عام 1860 والاستيلاء على قصر الإمبراطور، استولت القوات الغربيّة على هذه المنحوتات. ويُذكر أن منحوتتان كانت من مقتنيات جامع الفنون بيار ببرجيه ومصمم الأزياء ايف سان لوران الفرنسيين وقررا بيعها في المزاد العلني عام 2009 مما أثار جدلا عالميا وديبلوماسيا، قررت بعده مؤسسة "كيرينغ" تقديم المنحوتتين الى الدولة الصينية.

Cecile Degos / Francois Deladerriere

برمجة فنية وثقافية ترافق معرض آي ويوي أهمها حول فيلمه الوثائقي "المد الإنساني" بالإضافة الى لقاءات ومنتديات وعروض فنية حول مسألة الهجرة بين 20 و30 أيلول/ سبتمبر ولقاء أدبي وقراءات حول الموضوع ذاته في 10 و11 تشرين الثاني/نوفمبر.

من هو آي ويوي؟

"آي ويوي" من مواليد بكين عام 1957، هو فنان متعدد المواهب والوسائط، من الفن المعماري الى التجهيز ومن شبكات التواصل الاجتماعي الى الفيديو، وهو نحات ومصور فوتوغرافي وسينمائي ومنتج كما أنه تجسيد لفنان القرن الحادي والعشرين العالمي الملتزم والذي تشكل أعماله صلة وصل بين الفكر الصيني والفن المعاصر رغم مواجهته للنظام الصيني.

أسس آي ويوي عام 1979 مجموعة "النجوم" وهي أول حركة فنية معارضة للمبادئ الفنية الرسمية للحزب الشيوعي الصيني وقد أقامت أول معرض لها في المتحف الوطني الصيني في بكين.

عام 1981 انتقل الى الولايات المتحدة الامريكية للدراسة ثم استقرّ في نيويورك حتى عام 1996 حيث كان يتردد كثيراً على المتاحف وصالات العرض واكتشف اعمال "مرسيل دوشان" و"أنديه وارول".

شارك آي ويوي بين 2002 و2008 مع مجموعة من المعماريين السويسريين في تصميم الملعب الوطني الصيني في بكين لاستقبال الألعاب الأولمبية لعام 2008، غير أن هذا لم يمنعه من الدعوة الى مقاطعة هذه الألعاب منذ 2007.

عام 2008 وقع زلزال ضخم في الصين ذهب ضحيته آلاف التلامذة، ونظرا لضبابية المعلومات الرسمية شكَّلَ عبر مُدونته فريقاٌ من المتطوعين وأطلق حملة لنشر قائمة بأسماء الضحايا من الأطفال وقد وصل عددهم الى 5196 اسما مع تواريخ ميلادهم.

وقد انتشرت هذه اللائحة بفضل شبكات التواصل الاجتماعي مُشَكِّلة أول تعبير على نطاق واسع لمسألة الحقوق المدنيّة في الصين.

عام 2011 أوقفت السلطات الصينية "آي ويوي" في مطار بكين الدولي متهمة إياه بتهريب الأموال واحتجزته في مكان سري 81 يوما ثم أخلي سبيله لقاء كفالة مالية وحُجِز جواز سفره وفُرضت عليه الإقامة الجبرية ولم يستطع أن يغادر الصين ليحضر العديد من المعارض التي أقيمت له في الخارج.

عام 2015 منحته منظمة العفو الدولية لقب سفير لنشاطه في مجال حقوق الانسان وفي 22 تموز/يوليو من العام ذاته أعادت له السلطات الصينية جواز سفره فقرر التوجّه الى برلين حيث يعيش منذ ذلك الوقت وهو قد جعل من مسألة اللاجئين مادة للفن والاحتجاج وقدم العديد من العروض حول هذه المأساة.

في 2015 و2016 توجه الى جزيرة ليزبوس اليونانية حيث تصل قوارب اللاجئين والتقى بالعديد منهم في مخيم موريا وقرر تصوير فيلمه الوثائقي "المدّ الإنساني" كما ابتكر العديد من التجهيزات الضخمة كردّ فعل على أوضاع اللاجئين المزرية وعام 2017 شارك فيلمه هذا في الدورة الرابعة والسبعين من مهرجان البندقية في إيطاليا.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.