ثقافة

بيكاسو 1932: حب وشهرة ومأساة

فليكر (Kristine)

يقام في متحف الفن الحديث في لندن Tate Modern معرض للفنان بابلو بيكاسو بالشراكة مع متحف بيكاسو في باريس ويستمر حتى التاسع من أيلول/ سبتمبر، تحت عنوان "بيكاسو 1932: حب وشهرة ومأساة".

إعلان

إنه المعرض الأول الذي يخصصه هذا المتحف الكبير للفنان العالمي مُشكلا الحدث الفني الأهم في المدينة، وهي المرة الأولى التي يجتمع فيها مئة عمل لبيكاسو في معرض واحد بين لوحات ومنحوتات ورسم على الورق. كما أنه أحد المعارض الكثيرة هذه الأيام في فرنسا والعالم التي تتخذ من بيكاسو موضوعا لها في مرحلة من مراحله الفنية أو في مقاربة مع فنان آخر.

شهرة

يسلط هذا المعرض الضوء على عام 1932 من مسار الفنان الإسباني الذي يصنفه النقاد بعام "العجائب". فهو يُعتبر مفصليا في حياته الشخصية والفنية، يتمثل بألوان قوية مشبعة وبالتجريب والرغبة في العمل على مشاريع مختلفة. فبيكاسو كان على مشارف الخمسين ومشهورا في العالم أجمع تنهال عليه الدعوات للعروض من كل صوب ولديه منزل كبير في باريس وسائق خاص كدلالة على انتقاله من حياة الفقر لمهاجر إسباني الى حياة نجم عالمي. أي أنه كان باستطاعته أن ينام على أمجاده ولكنه اختار الخروج من منطقة الأمان هذه وخوض تجارب فنية جديدة ومبتكرة.

Cecil Beaton Studio Archive at Sotheby’s

كان بيكاسو في صدد التحضير لمعرض خاص كبير في باريس يقام في 16 حزيران 1932 وكان من النادر جدا في ذلك الوقت إقامة معارض استعادية في حياة الفنان. ففي الأشهر الأربعة الأولى من العام قام برسم العديد من اللوحات ووضع فيها كل زخمه وطاقاته الإبداعية والمجددة، ليُسْكِت من كان ينتقِص من شأنه من النقاد الذين كانوا يتساءلون إن كان بيكاسو منتمياً الى الماضي أم أن لديه رؤى مستقبلية.

في البدء كان الحب

في هذا المعرض الذي يضع في الواجهة جملة بيكاسو الشهيرة "العمل الفني هو طريقة لسَرْد يوميّاتنا"، نتجاوز الأسطورة لنسْتدِلَّ على الوجه الإنساني للفنان بكل همومه وتناقضاته وعلى العلاقة بين حياته الخاصة وإبداعه الفني. فنزور المعرض كما لو أننا نُقلِّب دفتر ذكرياته يوما بيوم وفي تسلسلٍ تاريخي للوحات ومراحل إنتاجٍ وإبداعٍ عرَفَها خلال هذا العام. نتعرف على حكايات اللوحات ونقرأ العبارات التي كتبها حول الحب وأشهرها: "عندما نحب امرأة لا نبدأ بقياس أطرافها، بل نحب برغباتنا، رغم أن كل الجهود قد بُذلت لوضع القوانين وتطبيقها، حتى في الحب!".

تنقلنا الصالة الأولى الى ليلة عيد الميلاد في ديسمبر 1931 وقد أمضاها بيكاسو مع عائلته وأصدقائه وأنهى لوحة "المرأة والخنجر" التي كان يعمل عليها منذ أسبوع وهي عبارة عن حلم سوريالي تقتل فيه امرأة غريمتها الجنسية. وفي اليوم نفسه نجده وقد رسم لوحة كبيرة لامرأة جالسة وقد استبدل وجهها بقلب. ففي الوقت الذي تُلَمِّحُ اللوحةُ الأولى الى علاقة متوتّرة مع زوجته "أولغا خوخولفا" راقصة الباليه الروسية وملهمته بين 1910 و1920، تعبِّر الثانية عن حلم بيكاسو بعشيقته "ماري-تريز والتر" التي التقى بها صدفة قبل خمس سنوات وكانت تصغره بثمانية وعشرين عاما واقترح عليها أن يرسم بورتريه لها ثم أصبحت ملهمته وحبيبته. وفي المعرض لوحات عديدة رسمها لها بالإضافة الى لوحات لابنه "باولو" وهو في الحادية عشرة من عمره وكذلك لوحات لزوجته الأولى "أولغا". وجدير ذكره أنه في هذه المرحلة بدأ بيكاسو بمغازلة السوريالية في أعماله في الوقت الذي كان يحاول فيه أيضاً التغلّب على صديقه ومنافسه "هنري ماتيس" في أعماله الملونة.

شابة أمام المرآة (Succession Picasso/DACS London, 2018)

الحلم (Succession Picasso/DACS London, 2018)

في الشهر الأول من عام 1932 رسم بيكاسو في محترفه الباريسي مجموعة من لوحات البورتريه لامرأة جالسة على كنبة وفي يديها كتاب، مغمضة العينين وكأنها تستمع الى الموسيقى وهي لوحات تمثل "ماري تيريز" كما تصورها الفنان، ونجد فيها تناسق الألوان المشبعة الى جانب التواءات الجسد السوريالية. وهكذا لوحة "شابة أمام المرآة" التي تمثل "ماري-تيريز والتر" وهي حامل، فهي تعبير عن المواضيع المفضلة للفنانين السورياليين، أي قوة الحياة والمرأة، وفيها من الهدوء بقدر ما فيها من القلق، فأن نحب هو لا شك أمر مثير للقلق!

شكلت بدايات شهر آذار/مارس من عام 1932 لحظات من الإبداع الخارق خلال اثني عشر يوما قام خلالها بيكاسو برسم مجموعة من اللوحات الكبيرة والغنية بالألوان والمواضيع وصل عددها الى 25 لوحة حتى منتصف نيسان/ ابريل شكلت "ماري ـ تيريز" ثمانين بالمائة من موضوع اللوحات التي تفيض إثارة وجنسا وشهوة كلوحة "الحلم" التي تُعرض للمرة الاولى في بريطانيا وفيها العلاقة واضحة ما بين الجنس والإبداع الفني. وفي تلك المرحلة كان أحيانا بيكاسو يرسم ثلاث لوحات في اليوم الواحد، ثم تراجعت وتيرتُه الانتاجية في الأشهر المقبلة بعد أن اعتبر أنه قد حصل على عدد من اللوحات كافية لإقناع زوار المعرض بأنه أكبر فنان في عصره.

بعد إقامة معرضه الباريسي تحرر بيكاسو من توقعات النقاد وأصبح أسلوبه أكثر مرونة ولوحاته أصغر حجما واسترجع في صيف 1932 مواضيع كان قد عمل عليها مسبقا مثل "امرأة جالسة على كنبة حمراء" من دون رسومات تحضيرية مسبقة كما لو أنه رسمها في جلسة واحدة وفيها سيولة في الخط وتعابير إيروسية. واسترجع كذلك موضوع "العاريات المستلقيات" وفي بعضها تشابه بين النساء والكائنات المائية وهو بلا شك استلهم من كفاءة حبيبته " ماري-تريز" في السباحة. كما قام بالرسم بالفحم مؤكدا اهتمامه أيضا بالخط والشكل دون اللون.

مأساة

رسم بيكاسو الحب كما رسم المرض عندما تعرضت حبيبته "ماري-تيريز والتر" الى التهاب فيروسي نتيجة سباحتها في مياه ملوثة وتساقط شعرها ومن المرجح أن يكون هذا دافعا لتحوّله الى موضوع "التهديد والإنقاذ". ويقول بعض المتخصصين في سيرة بيكاسو إنه منذ وفاة أخته الصغرى بمرض الخناق أصبح يعتقد بأنه محكوم عليه بتسبب معاناة النساء من حوله، وهذا ما نجده مُترجما في بعض رسوماته على الورق في نهاية 1932 حيث تتحول الأحداث المميتة الى عنف جنسي. كما نجد في لوحات أخرى اللون مفصولا عن الخط الذي يتحول إلى ظلال رمادية.

في أواخر 1932 نلاحظ ازدياد عمل بيكاسو على الورق مما يدل على متعة في التجريب، أما اختلاف المواضيع والتغيير في الأساليب فإشارة الى التكاسل ونهاية "سنة العجائب" كما يقول النقاد، فإن كان عام 1932 قد بدأ بالحب بالنسبة لبيكاسو إلا أنه سيحمل في أشهره الأخيرة إنذاراً بالمآسي القادمة. فعام 1935 سيشهد ولادة ابنته "مايا" من عشيقته "ماري-تيريز" مما يضع حدا لزواجه من "أولغا" من دون أن يتمّ الطلاق فتغادر باريس إلى جنوب فرنسا مع ابنهما "باولو" ويصف بيكاسو هذه المرحلة بأنها الأسوأ في حياته.

امرأة جالسة على كنبة حمراء (Succession Picasso/DACS London, 2018)

امرأة على البحر (Succession Picasso/DACS London, 2018)

أما عن علاقته مع "ماري-تيريز" فقد كان من بعدها حبيبات أخريات وزوجة ثانية له معهن حكايات ومعايشة، وكانت "ماري-تيريز" تقول بأنه يتم الحديث عن مراحله الفنية بقدر ما يتم الحديث عن نسائه، فكل مُلهمة وحبيبة يقابلها حقبة فنية من مساره. وبالطبع أن يقوم بيكاسو برسم امرأة، زوجة كانت أم عشيقة، معناه أنها ستدخل تاريخ القرن العشرين، ولكن مقابل أي ثمن؟ إذ كان يجب تَحَمُّل تقلّبات أهواء الفنان ومزاجه وتحمّل الاستبدال بامرأة أخرى.

مع تقدم السنة تحوّل مزاج بيكاسو من الحب الى قلق مشؤوم، ولوحاته التي نادرا ما كانت تحمل طابعا سياسيا، أصبحت تعكس المرحلة التاريخية من تراجع اقتصادي وبطالة وصعود القوميات في أوروبا، هتلر في ألمانيا وموسوليني في إيطاليا وحرب أهلية في إسبانيا انتهت عام 1939 بسقوط الجمهوريين الذين كان يساندهم، وبعد ستة أشهر يدخل العالم حربا عالمية جديدة. ولوحة " الانقاذ" التي رسمها بيكاسو في الأيام الأولى من عام 1933 تنبىء بنزاع الأم وطفلها في جدارية "غرنيكا" التي رسمها عام 1939 ضد الحرب الإسبانية. عالم بيكاسو كما كان عام 1932 قد ضاع الى الأبد.

وبيكاسو الذي يعتبر أحد أكثر الفنانين التشكيليين شعبية في العالم، لا تخلو سنة إلا ويكون حوله حدث فني ما ونجده هذا العام متواجدا في معارض عدة. ففي أيلول/سبتمبر المقبل يخصص له متحف بيكاسو في باريس أكبر معرض فني على الإطلاق كما أن هذا الصيف بالإمكان زيارة معرض "بيكاسو وماتيس، كوميديا الموديل" في متحف "ماتيس" في مدينة "نيس" على الشاطئ اللازوردي ومشاهدة خمسين عملا لكل فنان مقسمة على مواضيع خمسة.  كما سيخصص له متحف "أورسيه" في باريس معرضا في غاية الأهمية عن الحقبة الزرقاء والحقبة الزهرية من مساره الفني، بالإضافة الى معرض "بيكاسو والمتوسط" الذي يشارك فيه بين 2017 و2019 ستون فضاء ثقافيا في منطقة مرسيليا جنوب فرنسا حول الأعمال "المتوسطية" الطابع للفنان.

استمرارية هذه الجاذبية التي تقود الى عرض ومشاهدة أعمال بيكاسو مهما كنا نحب أعماله أو لا نحبها، تجد ربما تفسيرا لها في أقوال بيكاسو نفسه: "أنا أخلط وأغير كثيرا. عندما تراني للتو أكون قد تغيرت وأكون فعلا في مكان آخر. لا أبقى في نفس المكان، ولهذا السبب ليس لدي أسلوب واحد".

الانقاذ (Succession Picasso/DACS London, 2018)

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية