تخطي إلى المحتوى الرئيسي
فرنسا

ميلانشون بين الراديكالية الشعبيّة وإيديولوجيا الهويات على وقع "السترات الصفراء"

رويترز
نص : علاء خزام
11 دقائق

يبدو أن التحالف العريض ليساريين فرنسيين خارجين من أحزابهم الرسمية المسمى "فرنسا العصية" ويقوده الاشتراكي السابق جان لوك ميلانشون قد اقترب من حدود قوته القصوى ويأخذ منذ بعض الوقت منحى منحدراً متسارعاً. ورغم الكاريزما الفائقة والحضور اللامع والخطاب المثقف العالي لقائده السياسي، فإن خطين بدءا في الظهور إلى العلن داخل هذا التحالف، خاصة بعد المداهمات التي جرت في مقراته، يهددان بتحطيمه أو إعادته في أحسن الأحوال إلى حاجز ما دون 10% الانتخابي.

إعلان

حقق هذا التحالف الذي أُعلن في 10 شباط/فبراير 2016 قفزة نوعية هائلة بوصول زعيمه ميلانشون إلى المرتبة الرابعة بين المرشحين للرئاسة الفرنسية في أعقاب الدورة الأولى عام 2017 وحيازته 19.58% من الأصوات. توافق هذا الصعود الصاروخي مع صعود مقابل لحزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف (21.30%) بالتوازي مع انهيار مجلجل للكتل السياسية التقليدية الرئيسية. ورغم فوز الرئيس "الوسطي" ماكرون، إلا أن احتلال من يطلق عليهم الإعلام الفرنسي اسم "المتطرفين" أو "الشعبويين" واجهة المشهد وتهديدهم الفعلي بحيازة السلطة كانا كافيين لاستشعار التململ الكبير في أوساط الطبقات الشعبية.

اشتراكية ديمقراطية أم راديكالية شعبيّة؟

كان أستاذ العلوم السياسة الفرنسي لوران بوفيه قد فسر النتيجة المهمة التي حققها ميلانشون في الانتخابات الرئاسية بكون هذا الأخير، بخلاف زملائه في اليسار الليبرالي والتقليدي، قد أدرك خطورة وأهمية "انعدام الأمن الثقافي" الذي ينتاب الأوساط الريفية والعمالية والشعبية الفرنسية المتضررة إلى أكبر حد من سياسات العولمة الرأسمالية والتي يتم الضغط عليها باستمرار ومطالبتها بحل أزمات المهاجرين واللاجئين وأن تكون أكثر اتساقاً مع ديناميكيات السوق والحركة الدائمة وأكثر انفتاحاً وتسامحاً... الخ وهي لا تستطيع بالكاد توفير مستلزماتها الأساسية.

من هنا نفهم التشدد الكبير الذي يتناول من خلاله ميلانشون قضية العلمانية في فرنسا وتركيزه الدائم على الحق "المطلق" في التجديف والامتناع الكلي عن أي محاولة لتعديل القوانين الخاصة بحياد وعدم اعتراف وعدم تمويل الدولة لأي دين. من هنا نفهم أيضاً إحالاته المستمرة إلى تاريخ فرنسا بشقيه ما قبل الثورة وما بعدها وعدم تناوله لأي جزء من ماضي بلاده بالتقريع أو التوبيخ (وهما سمتان مميزتان لليسار الليبرالي الذي يتعامل مع التاريخ بأثر رجعي) بل بوضع كل حدث في سياقه وتجنب الخوض المباشر في قضايا قد تثير حساسيات الطبقات الشعبية. نفهم أيضاً في هذا السياق الواقعة "الغريبة" التي تمثلت في رفض ميلانشون التوقيع على عريضة خطها قادة يساريون فرنسيون تطالب باستقبال المهاجرين باعتبارها ليست "مسألة مركزيّة".

بكلمة، لقد أدرك ميلانشون حاجة الفقراء والعمال والعاطلين والريفيين (68% من المجتمع الفرنسي بحسب الجغرافي كريستوف جويلي) إلى استعادة الثقة ببلادهم وتاريخها الكبير وقيمها المميزة وثقافتها الخاصة بالضد من نزعات سائدة تميل إلى احتقار الوطنية والسخرية من الحدود والتهكم الدائم من الماضي ؛ نزعات يغذيها ميل رأس المال المعولم إلى تدمير كل إطار (عائلي، وطني، نقابي، حزبي) لا يتفق مع نهم مراكمة الثروة اللانهائي ويروج لها بسذاجة اليساريون. أدرك ميلانشون أيضاً، على المستوى النظري أهمية إعادة الاعتبار إلى مفهوم "الصراع الطبقي" بإعلان انحيازه ليس إلى "المهمشين" أو "المستبعدين" أو "الأقليات" كما بات رائجاً في أيامنا، بل بالتحديد إلى طبقة الأجراء من العمال والفلاحين والتي يزداد بؤسها وتتراجع مكتسباتها باضطراد على وقع الطبول المرحبة داخل الحزب الاشتراكي.

رويترز

تمكنت، إذاً، اللغة المثقفة العنيدة والواثقة والتشديد على عظمة تاريخ فرنسا واستعارة التحليلات الماركسية في تفسير الواقع وتحديد الأولويات و"القضايا المركزية" من تحويل ميلانشون وفريقه إلى رقم صعب في المعادلة السياسية الداخلية وإلى قوة المعارضة الرئيسية في البرلمان اليوم. لكن ذلك كله في تقديرنا آخذ في الانحسار لأن "فرنسا العصية" التي تريد نفسها قوة تغيير راديكالية في بلد رأسمالي كبير كفرنسا لا يمكنها أن تثبت أقدامها بجهود وأفكار شخص واحد مهما بلغت قدراته وحسُنت نواياه ودون الانتباه إلى التيارات المتباينة داخل الحركة التي تهدد بتدميرها وإعادتها إلى المربع الأول.

"فرنسا العصيّة": خطان إيديولوجيان

تعتمد حركة "فرنسا العصيّة" بشكل شبه كلّي على الحنكة والكاريزما القيادية لجان لوك ميلانشون، وخاصة قدرته على التنقل بين التشكيلات السياسية وتغيير التحالفات والتقاط "سمة العصر" المميزة للحظة التاريخية واقتناص الفرصة. فمن العضوية في الحزب الاشتراكي إلى تسلم كرسي الوزارة في حكومة ليونيل جوسبان إلى الخصومة مع الحزب ثم المشاركة في تكوين "جبهة اليسار" والتحالف مع الشيوعيين ثم مخاصمتهم... تحول ميلانشون إلى ظاهرة تدور في فلكها شخصيات لا يكاد يجمعها شيء وتتراوح انتماءاتها بين الماركسية والطائفية الهوياتيّة مروراً بالليبرالية الثقافية والخضر وغير ذلك.

وفي مقابل الراديكالية الفكرية التي بات الزعيم ميلانشون (المفتون بشخصية روبسبيار) يبديها منذ تكوينه للحركة والأسلوب الحاسم الذي يتناول بواسطته أغلب القضايا المطروحة، تميّز جزء بارز من فريقه على الدوام بالخفة والديماغوجيا والغموض والتقلب وانعدام الوضوح والتسرع والتبسيط، الأمر الذي كان ينعكس دائماً بشكل سلبي على الطريقة التي يستقبل بها عموم الفرنسيين خطاب الحركة ويدفعهم إلى التشكيك في قدرة مكوناتها على تسلّم السلطة. وأما الاتجاهان الإيديولوجيان المتعارضان أشد التعارض والمكونّان للحركة وكوادرها العليا فيمكن اختصارهما بالآتي: من جهة، يساريون برجوازيون (يطلق عليهم الفرنسيون لفظ Bobosفي جمع صائب وحاذق لعبارتي "بوهيمي" و"برجوازي") يمثلون مصالح سكان المدن من حملة الشهادات العليا، عمّال التقنيات الحديثة والصحافيون والمعلمون، والمرّوجون للتحليلات والتفضيلات الثقافوية، القائلون مثلاً بالاعتماد على المهاجرين كفاعل تاريخي بديلاً عن البروليتاريا الغربية المفقودة. من جهة ثانية، مناضلون ومنظرون وفاعلون اجتماعيون يطمحون إلى تمثيل مصالح الريف وطبقاته الشعبية والوسطى الصغرى من فلاحين وعمال وتجار صغار وشغيلة من صغار الكسبة، القائلون مثلاً بـ"ثانوية" النضالات الفئوية (حقوق مثليين ونساء وأقليات... الخ) في مقابل مركزية النضالات الاجتماعية (وتحليلها الطبقي ووعيها المادي... الخ).

شهدت الأسابيع القليلة الماضية سلسلة أحداث دراماتيكية متسارعة للغاية ضربت أوساط الحركة في داخلها وترافقت مع الحدث الأكبر، وهو من طبيعة موضوعية، يتعلق بالتأكيد بظهور "الشعب" بعد طول انتظار وقد ارتدى ستراته الصفراء. وفي اللحظة التي كانت فيها قيادة "فرنسا العصيّة"، وهي على أبواب استحقاق انتخابي أوروبي، تضغط على كوادر الحركة الأكثر راديكالية والتصاقاً بالتحليلات الماركسية الوطنية patriotes والاقتصادو-اجتماعية والجمهورية والعلمانية آنفة الذكر فتخرج بعضهم وتعزل آخرين وتهمش الباقين لمصلحة التيار البرجوازي الثقافوي الهوياتي المهادن، اندلعت الانتفاضة الشعبية الهائلة لتثبت صواب رؤية الخارجين والمعزولين وتؤذن بالتالي بتعميق الانفصال التاريخي الذي وقع بين النخب الاشتراكية والطبقات الشعبية وتسمح بالنتيجة بتنبؤ بداية تراجع الحركة وانحدارها.

ودون حاجة إلى الخوض في تفاصيل سياسية قد لا تهم القارئ غير المطلع كفاية على تشعبات السياسة الفرنسية، سنكتفي بالتذكير سريعاً بأهم المفارقين للحركة وأسباب مخاصمتهم لها ولقائدها، ثم سنركز على من يمكن اعتباره بينهم الأكثر تجسيداً لأفكار التعارض بين تيارين والابتعاد عن الطبقات الشعبية وذلك لجهة خلفيته الإيديولوجية والأسباب المباشرة لاستبعاده. في صيف 2018، أعلنت المؤسسة المشاركة لحزب "جبهة اليسار" كورنين موريل دارلو مغادرتها "فرنسا العصية" ثم عادت مؤخراً وأعلنت خروجها من الحزب نفسه. انتقدت دارلو "المدلولات الفارغة للشعبوية والاستراتيجية المعادية لماكرون التي تستهدف جمع أكبر عدد ممكن من الناخبين مما يخنق غالباً راديكالية المشروع" بالإضافة إلى الحساسية الفائقة تجاه أي نقد كان واعتباره بمثابة "خيانة". من جهته، أدان النائب الأوروبي السابق ليم هوانغ نغوك الذي عُزل من لائحة الحركة للانتخابات الأوروبية القادمة سلطوية "مجموعة" صغيرة وهوسها الكامل بكسب الانتخابات عبر "الاستراتيجية والاتصال" وأوضح أن "كل ما يهمهم فقط هو ترشح ميلانشون في رئاسيات 2022 (...) أما العمق فهم لا يهتمون به. يتوجهون بخطابهم نحو زبائن (...) الأمر الذي يفسر تغيير المواقف المستمر بحسب المواضيع". شارلوت جيرار التي كان مقرراً أن تقود قائمة الحركة في الأوروبيّات والتي أشرفت على كتابة مشروع ميلانشون في رئاسيات 2017 خرجت هي الأخرى وانتقدت أيضاً "شروط التنظيم غير المتوافقة مع حملة انتخابية"... وغيرهم كثر.

شارلوت جيرار - ليم هوانغ نغوك - كورنين موريل دارلو (يوتيوب)

كوزمانوفيتش: الجناح السيادي الاجتماعي

غير أن أبرز الخارجين كانا جورجي كوزمانوفيتش وفرانسوا كوك، اللذان يمثلان الجناح السيادي والوطني الفرنسي في أوساط الحركة ضد الداعين إلى "توحيد اليسار" وما سينجم عنه في رأيهما من تنازلات فيما يتعلق براديكالية الحركة. ويمكن التوسع قليلاً في النص فائق الصراحة الذي كتبه كوزمانوفيتش، مستشار ميلانشون للشؤون الخارجية قبل عزله، ونشرته مجلة "ماريان" الفرنسية تحديداً لجهة إشارته إلى "الخلاف الإيديولوجي" الذي ينخر الحركة "هيكلياً" من داخلها ويجعلها في مواجهة "طريق مسدودة" وأمام "استحالة الإصلاح". تطرق كوزمانوفيتش، الذي نشط في مناطق شمال غرب فرنسا الصناعية التي دمرها نزع التصنيع وحول سكانها إلى عاطلين، إلى سببين للخلاف:

يتعلق الأول، وكما أشار تقريباً كل الخارجين كذلك، بتنظيم الحركة، ذلك التنظيم الذي "أدانته الغالبية الكبرى من مناضليها ومسؤوليها في المناطق" والخاص بـ"غياب الديمقراطية والشكل الأفقي" لاتخاذ القرار الذي أدى إلى احتكاره من قبل حفنة قليلة من ذوي "القناعات الاجتماعية الديمقراطية المائعة" شبههم كوزمانوفيتش بـ"الأباراتشيك والبيروقراطيين" (في إشارة إلى "شيوعيي" الاتحاد السوفييتي السابق المحترفين من موظفي الحزب). "بجرة قلم"، يتابع كوزمانوفيتش، تستطيع هذه القلة القليلة إلغاء مبادرات خلايا الحركة القاعدية دون نقاش أو مساءلة، وبجرة قلم أيضاً قامت مثلاً بإغلاق تجمع قاعدي في باريس تجرأ على عقد حلقة نقاشية موضوعها "تسلل الإسلاميين داخل النقابات" أدارها بعض مناضلي الحركة من أصول مغاربيّة. إلى جانب غياب الديمقراطية، يبرز الأسلوب الفوضوي والشخصي والمزاجي في تفسير مبادئ الحركة والمتروكة تحت رحمة المتحدثين باسمها أو الناشطين ضمنها. هكذا، وجد كوزمانوفيتش نفسه في مواجهة مع ميلانشون بعد أن دافع الأول عن اليسارية الألمانية سارا فاكنكنيخت التي تُتهم حركتها بـ"معاداة المهاجرين".

لكن ذلك كله ليس السبب الأهم من وجهة نظر كوزمانوفيتش، الذي يفرد جزاءً ثانياً كبيراً من مقاله للحديث عن "الخط السياسي" للحركة الذي وضحه برنامجها المسمى "المستقبل المشترك" والذي تم التلاعب به تبعاً للظروف. وكان هذا البرنامج قد نظّر لمسألة القطيعة مع ثنائية يمين/يسار السائدة لمصلحة استراتيجية شعبوية يسارية تستقي إلى حد كبير من كتابات الزوج الفلسفي إرنيستو لاكلاو Ernesto Laclau وشانتال موف Chantal Mouffe. غير أن ما حدث برأي كوزمانوفيتش كان أن بيروقراطيي "فرنسا العصية" الواصلين إلى الحركة بعد (وبسبب من) "نجاح" ميلانشون خلال انتخابات 2017 يعمدون إلى الضغط باتجاه تبني "أفكارهم النضالويّة اليسارويّة القديمة مبعدين الحركة عن غالبية الشعب الفرنسي". يتابع كوزمانوفيتش مسمياً الأشياء بمسمياتها بوضوح نظري كبير ويتهم هذا الاتجاه "الذي يصرّ على مفاهيم مثل تقاطع أشكال التمييز Intersectionnalitéولاهيكلية النضالات، أي رفض أولوية الاجتماعي على الفئوي" باستهلاك الحركة في صراعات ثانوية/هامشية مستشهداً بأن النضال من أجل مساواة المرأة والرجل يحيل في أذهان الناس أولاً إلى التساوي في الأجر وليس إلى أسلوب "الكتابة الشاملة" أو "غير المتحيّزة جنسياً" والذي وصفته "الأكاديمية الفرنسية" بـ"الخطر القاتل".

جورجي كوزمانوفيتش (يوتيوب)

إن الاسترسال في تفصيل نص هذه الشخصية التي تسمى جورجي كوزمانوفيتش لا يعود فقط إلى أفكارها بالذات أو موقعها من حركة معارضة فرنسية أساسية، ويمكن بالتالي العبور بجانبها باعتبارها قضية داخلية محضة، بل إنها تحيل إلى مشكلات من طبيعة قاريّة تتعلق بأغلب أشكال أنظمة الحكم السياسية شديدة التشابه في الغرب وبأغلب قوى المعارضة "اليسارية" لها. وكذلك، وباعتبار أن أشكالاً "رأسمالية على الطريقة الصينية" تزدهر باضطراد في العالم العربي وفي مناطق واسعة من العالم الثالث تقوم بصناعة "معارضاتها اليسارية الفئوية" المقبولة والمرغوبة، فإن تفصيل رأي كوزمانوفيتش (بغض النظر عن اسمه وسياق ظهوره الفرنسي) قد يكون مفيداً كذلك في قراءة أوضاع تصبح أكثر فأكثر من طبيعة عالمية.

تستمر رسالة كوزمانوفيتش بتحديد العطب الكبير الذي يضر أكثر فأكثر بشعبية الحركة و"شعبويتها" (بالمعنى الذي يوضحه الفيلسوف جان كلود ميشيا) وذلك باختيارها "الاعتماد بين الطبقات الشعبية على "الضواحي" فقط الأمر الذي سمح بتكون مقاربة طائفية شبيهة بالنموذج الأنغلو-ساكسوني مضادة مع النزعة الجمهورية الفرنسية". وكان الجغرافي كريستوف جويلي (الذي أصبح اسمه اليوم على كل لسان بعد اندلاع انتفاضة "السترات الصفراء") قد بيّن خاصة في كتابيه "تمزقات فرنسيّة" و"فرنسا الطرفيّة" الطريقة التي اعتمدتها السلطات الفرنسية المتعاقبة منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي بالتواطؤ مع وسائل الإعلام على صناعة فزاعة "الضواحي وشبابها" ("غيتو" الضواحي وشبابها الغريب ثقافياً) وتغييب الطبقات الشعبية الريفية بغية لفت الأنظار عن مشروع إدماج فرنسا النهائي في النظام الرأسمالي المعولم "الذي يكره الثبات ويمقت الانغلاق ويعادي الوطنية". وفي الوقت الذي كان ولا يزال يتم فيه الحديث عن "عدم الاندماج الثقافي لشباب الضواحي" في القيم الفرنسية، لا يتم التطرق مطلقاً إلى واقعة اندماجهم الاقتصادي الكامل في السياقات الرأسمالية نتيجة التصاقهم بالمدن وحركتهم الدائمة وتأثرهم بالتالي بإيديولوجيا "النجاح" والترقي والصعود الاجتماعي ولو على حساب الآخرين المسيطرة فيها.

كوزمانوفيتش متحدثاً خلال مشاركته في "عيد الإنسانية 2018" الذي يرعاه الحزب الشيوعي الفرنسي (يوتيوب)

برأي كوزمانوفيتش، فإن اقتراب قطاعات واسعة داخل حركة "فرنسا العصية" من الأطروحات الطائفية و"احتقارها المعلن للشرطة ونفيها للمشكلة التي تمثلها الإسلاموية ورفضها لمواجهة التحديات التي تطرحها الهجرة" قد تسببت في شق صفوف الناخبين المحتملين وجعل الحركة تبدو في نظرهم شبيهة بـ"اليسار القديم". وعوضاً عن أوهام "تجميع اليسار" غير الواقعية، كان على الحركة أن تعمد إلى "تجميع أكبر عدد ممكن مما يتجاوز اليسار" وخاصة الطبقات الشعبية العازفة عن التصويت و"الغاضبين غير الفاشيين" و"السياديين المهمومين بالعدالة الاجتماعية" وحتى "الطبقات العليا الحزينة على عظمة بلدها أو التي تدرك ببساطة أن مثل هذه التوترات بين الرابحين والخاسرين من العولمة غير قابلة للاستمرار"... وهذا يشمل "جميع الفرنسيين ما عدا الميؤوس منهم المنتمين إلى المشروع النيوليبرالي وأصحاب الأوهام القومية المعادية للأجانب". وإذا صدقنا وصف كوزمانوفيتش لنفسه بأنه يمثل في الحركة الخط "الاجتماعي الجمهوري العلماني" (أو خط جان جوريس) الساعي إلى توحيد كل الفرنسيين، فلنا أن نتوقع أن الباقين اليوم والذين سمّى هو نفسه بعضهم في لجانها الأكثر فاعلية يمثلون الخط "الفئوي الأوروبي المتسامح".

برزت في ربيع عام 2016، وسط تشجيع وترحيب إعلامي، حركة فرنسية سمت نفسها "الواقفون ليلاً" اعتصمت في ساحة رئيسية في العاصمة باريس وضمت بشكل رئيسي الطلاب "ميسوري الحال أبناء ميسوري الحال" والفئات الوسطى المدينية (وخاصة الباريسية) احتجاجاً على إصلاح قانون العمل الذي أقرته حكومة ماكرون وقتها وتنديداً "بفئة الـ 1% التي تملك كل الثروة". في نهاية 2018، انطلقت حركة "السترات الصفراء" العمالية والفلاحية والأجيرة الريفية المفقرة في كل فرنسا (خاصة أطرافها) احتجاجاً على "زيادة الرسوم على الوقود" وصل حد الصراخ بـ"تنحي ماكرون" وسط تركز إعلامي كبير على "عنفها وعدم مركزيتها ولاواقعية مطالبها"، مستهدفة طبقة الـ30% الرابحة من العولمة. وإذا استعرنا المقاربة التي وضعها جان كلود ميشيا في "رسالته حول السترات الصفراء"، فقد اختارت حركة "فرنسا العصية"، رغم خطابها الإعلامي الحالي، الالتحاق بإيديولوجيا اليساريين "الوافقين ليلاً" على حساب الرهان المضمون على "الشعب ذو الأهواء الإيديولوجية المتقاطعة والمتضاربة"، وهو الذي سيؤدي في الغالب إلى انكفائها بعد أن كانت في موقع يسمح لها بإحداث نقلة كبرى في السياسة الفرنسية والأوروبية وربما العالمية أيضاً.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.