تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ثقافة

سلافوي جيجك: الاستبداد (قد يكون) مستقبل العالم والثورة التقليدية جنون! (مقدمة)

سلافوي جيجك (فليكر/matthew_tsimitak)

على عادته، يستعرض سلافوي جيجك، في كل لقاء جديد معه ومن خلال ثقافة موسوعية مثيرة للدهشة فعلاً، أغلب، إن لم نقل كلّ مشكلات العالم المعاصر الإيديولوجية والفلسفية والمادية والروحية... وغيرها.

إعلان

ليس هنالك، تقريباً، من سؤال يشغل الدوائر الثقافية والسياسية والعلمية على المستوى الشائع (فهي مشكلات من طبيعة "شائعة وشيوعية") ولا حدث ذو أهمية إعلامية ولا قلق يعتمر هنا أو هناك أوساط الطبقات الشعبية والرأسمالية ويتناول قضايا الإنسان المعاصر إلا ونجد له مفتاحاً لإجابة شافية أو تعليقاً قيّماً أو ملاحظة ثاقبة أو رأياً موهوباً للغاية لدى هذا الرجل.

ابتكر الفيلسوف والناقد الثقافي الشيوعي السلوفيني منذ نهاية الثمانينات خلطة بدت متقادمة بقدر ما هي غرائبية. فلم تقتصر جهوده على إعادة إحياء "كلاسيكيّة" لفكر ماركس الذي أصيب بشيخوخة مفهومة وبدا في لحظة ما أنه مات ودُفن نتيجة "انخراطه" (المدمِّر) في الواقع طوال القرن العشرين، بل طرق كذلك دون وجل أبواب ثلاثة من مصادر الشر الشيوعي تنالهم نعوت تتراوح بين السفاحين والخونة، أي لينين وستالين وماو. لكن نقلتين نوعيتين كان لابد منهما كشرط لبعث الحياة مجدداً في جثة النظرية الماركسية، واحدة قادمة من أحد أسس هذه النظرية ذاتها وتقع قبلها تاريخياً، أي ديالكتيك هيغل، والثانية، التحليل النفسي الفرويدي وخاصة بنسخته اللاكانية، تقع بعدها وتشاركها الانتماء إلى ما يمكن وصفه بالكشوف الكبرى في تاريخ البشر.

هذا عن التقادم، فكل ما قيل لا ينتمي إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي والانشغال المرضي بالعالم الرقمي وبحقوق المثليين والأقليات الملونة وبالتقاط صور النضال ووضعها على "انستغرام"... الخ. أما الغرائبية، فتأتي بالضبط من تركيب بسيكولوجيا جاك لاكان فوق الطبخة الشيوعية التي يعدها جيجك لتكون طبق القرن الواحد والعشرين المفضل. والحق إن سحب جيجك للثلاثية التي أنجزها لاكان والتي تتألف من "الخيال" و"الرمز" و"الواقع" وتطبيقها على مفهوم "الواقع الافتراضي" ذائع الصيت في أيامنا (والذي عكسه جيجك ليصبح "واقعية الافتراضي") قد أعطى نتيجة إيجابية في تمكين الماركسية من أن تعود مجدداً أداة في فهم الواقع. الواقع الذي بات على درجة خارقة من التعقيد والفوضى ويستلزم، كما يقول الفيلسوف، أن يكرّس الفلاسفة جهودهم في تفسيره بعد أن أمضوا قرناً كاملاً في محاولة (كارثيّة) لتغييره.

وكما يشير جيجك في أكثر من موضع، من خلال استخدامه السياسي للنظرية اللاكانية في تحليل "مجتمع الاستعراض" (Guy Debord)، فإن الرغبة في الاستهلاك تتخذ منحىً دائرياً: حيث إن من الضروري بشكل قاطع أن نستهلك لغرض وحيد هو إظهار أننا نستهلك، وهو ما نلاحظه بشدة على وجه الخصوص في نظام الموضة والأزياء و"الفاشن" الذي هو بمثابة "المركز العصبي القيادي" لكل نظام رأسمالي متقدم. يرتكز كل مجتمع الاستهلاك إذاً على القوة الرهيبة التي للمخيال والمماثلة والحلم الذي ينتجه أكثر من استناده (الرئيسي كذلك) على العملة والنقد والبضاعة المادية والقوة الشرائية والقدرة على التملك وغيرها... وهنا، فإن الفصل اللامع الذي خصصه ماركس في رأس المال لصنميّة السلعة يبقى واحداً من أكثر مقومات النظرية الماركسية صموداً ومقاومة للزمن لجهة صلاحيته رغم أنه كتب منذ 150 عاماً.

من جهة أخرى، ليست العودة إلى التحليل النفسي بمصادفة في لحظة بدا فيها عالم الشيوعية القديم في طريق زوال محتم آخذاً معه النظام الشمولي والمجتمع المنضبط وتاركاً المجال للنيوليبرالية بنظامها ومجتمعها اللذين يسوقان لنفسيهما باعتبارهما نظاماً مفتوحاً ومجتمعاً سائلاً يمحي الحدود ويخترق الحواجز. فإذا كان نظام المجتمع المنضبط (منذ القرن السابع عشر وينطبق بالضرورة أيضاً على الرأسمالية الكلاسيكية) يركز اهتمامه أساساً على "الجسد" ويتجه إلى الفرد باعتباره "ذاتاً" من الواجب ضبطها وتوجيهها وتقنين حركاتها وسكناتها وفقاً لهوى القائد الملهم أو صاحب المصنع وبواسطة قوى القمع الضاربة كثيفة الحضور (وهو ما حللّته ببراعة سياسات ميشال فوكو الحيوية)، فإن نظام النيوليبرالية الحر يركز أولاً (وأخيراً؟) على "روح" الفرد الذي بات ينظر إليه كـ"مشروع" من الواجب ترقيته وتحميسه وترغيبه وزيادة فعاليته وشد أنظاره باستمرار حتى تنزع "روحه" وحدها، أكثر فأكثر، إلى ضبط نفسها بنفسها تلقائياً ولا يعود من حاجة، إذاً، لأي تدخل عنيف من قبل السلطة.

والظاهر أن فوكو نفسه كان قد تنبّه إلى هذا التغير في أواخر أيامه نهاية الثمانينات ولاحظ تحول سياساته الحيوية biopolitique إلى مقولة لا تأخذ في الحسبان الانتقال الاجتماعي والسياسي الخطير الذي كان يحدث من الجسد إلى الروح، من البيولوجي إلى البسيكولوجي، وتالياً، منطقياً، من الـ Bio إلى الـ Psycho. يقول الفيلسوف الألماني بيونغ شول هان Byung-Chul Han إن "الحافز، المشروع، المنافسة، النزوع إلى الأمثلة والمبادرة تشكل جميعها جزءاً من تقنية السياسة البسيكولوجية psychopolitique للهيمنة المميزة للنظام النيوليبرالي". من النظام السلطوي "الغبي" ثقيل الحركة والقمعي répressif الذي يفرض جبراً طقوساً للطاعة والولاء غالباً ما تكون من طبيعة فيزيولوجية جسدية، إلى النظام "الذكي" smart power الخفيف والإباحي permissif الذي يجعل الناس يُخضعون أنفسهم بأنفسهم إلى طقوس هيمنة يعتبرونها، بالعكس، أدواتٍ للتعبير عن حرياتهم. يتابع هان: "الـ smart power ذو المظهر الليبرالي والمرحِّب، هذه السلطة التي تستحث وتثير الرغبة، أكثر فعالية من السلطة التي تُلزم، تهدد وتحظر. رمزها هو زر Like. يُخضع المرء نفسه للهيمنة حين يستهلك ويتواصل، وحتى حين يضغط على زر Like. النيوليبرالية هي رأسمالية الـ Like".

بعبارة أخرى، إذا كان المجتمع البيولوجي الشمولي التقليدي يمنع ويحظر ويحدد "من فوق" الخطوط الحمر ويعاقب منتهكيها بصرامة واضعاً نفسه في مواجهة مكشوفة مع معارضيه، فإن وريثه مجتمع النيوليبرالية البسيكولوجيّة المعاصر، بالعكس، يتيح ويحفّز ويحض على زيادة الاتصال والكسر المتوهم للخطوط الحمر محولاً الجميع إلى أدوات في استراتيجية إخضاع جماهيري ينظر إليها الجمهور بحد ذاتها باعتبارها ممارسة ناجزة للحرية. يضيف هان: "إن تقنية السيطرة النيوليبرالية لا تمارس أي إكراه من طبيعة انضباطية (...) السياسة البسيكولوجية الليبرالية طافحة بالإيجابية. وبدلاً من التهديد، تعمل تلك السياسة من خلال تحفيزات إيجابية دون أن تستخدم "جرعات دوائية مُرّة"، بل الـLike. تقوم بتملّق الروح عوضاً عن خلخلتها والتسبب في شللها عن طريق الصدمات الكهربائية. تعمد إلى إغرائها وتعاملها بحذر بدل أن تعارضها. تسجل بأناة طلباتها وحاجاتها ورغباتها، بدل أن "تُبرمجها". وبمساعدة التوقعات، تتمكن من استباق الأفعال (...) عوضاً عن التصدي لها وإعاقتها. السياسة البسيكولوجية النيوليبرالية هي سياسة بارعة، smart، تسعى إلى الإرضاء والإشباع بدل القمع".

ليس غريباً إذاً، أن يهتم الماركسيون بعلم النفس والتحليل النفسي بالضبط منذ مطلع سبعينات القرن الماضي وأن تشهد الفترة ذاتها أيضاً بداية الهجوم الأشد على هذين المنهجين، أي في تلك السنوات التي عرفت الانتقال الحاد من رأسمالية الإنتاج المادية الانضباطية (الصناعية أساساً) إلى رأسمالية الأداء الثقافو-روحيّة البسيكولوجية (الخدمات). لا غرابة أيضاً من تزويج لاكان مع هيغل، أوليس هذا الأخير فيلسوف الروح؟ رغم "تطليقه" للماركسية بمعنى ما من المعاني، فإن اهتمام جورج طرابيشي الكبير بالتحليل النفسي قد يكون كذلك نابعاً من إحساس لاواعٍ بأن أوانه قد حان اليوم أكثر من أي وقت مضى وبأن القرن الواحد والعشرين هو قرن علم النفس.

في المقابل، هناك أمر في فكر جيجك يمكن التعليق عليه باقتضاب ويتعلق بكونه لم يحلل أو يبحث أبداً بالطريقة العميقة ذاتها "فكرة التقدم" وأصولها ومدى صلاحيتها ولا زال يطلق على نفسه لقب "تقدمي" في مواجهة "رجعيين" مفترضين.

ينتسب التقدم في جذوره ومنطلقاته الفلسفية إلى عصر الأنوار ولحظته السياسية الأكثر راديكالية (الثورة الفرنسية)، أي إلى نهاية النظام القديم الأرستقراطي الإقطاعي المؤلف من ملك مسيحي ورعية مؤمنة مطيعة وما بينهما من طبقات الامتيازات الزراعية والعسكرية والعائلية... الخ، وإلى بداية هيمنة النظام الجديد التقدمي البرجوازي الفاتح الذي لا حدود (ثقافية أو وطنية) تمنعه نظرياً من التمدد والانتشار وذلك في ظل سيادة "شكلية" للمواطن ومدرسته الجمهورية. وكان لتطبيق مقولة التقدم أكبر الأثر في نقل جماعات بشرية كاملة فعلياً خطوة كبيرة، واضحة وثابتة، "نحو الأمام" في سعيهم للانعتاق ونيل الحرية (وهي حتى اليوم فعالة للغاية في سياقات العالم العربي مثلاً)، غير أنها تتحول باضطراد إلى إيديولوجيا أو دين يزدري الهويات الوطنية وينظر بعين الريبة إلى كل حنين إلى الماضي مهما صغر ويعاقب بوصف "رجعي" و"ماضوي" و"عتيق" و"محافظ" وغيرها كل من لا يقبلون بالهيمنة المطلقة لمنتجات السوق العالمية وهي بالتعريف بلا حدود. بعبارات الفيلسوف الفرنسي "المنشق" جان كلود ميشيا "كان لا بد من أن يأتي وقت، من الواضح للغاية أننا ضمنه اليوم، يصبح فيه من الصعب أكثر فأكثر أن نسمع وراء الاعتقاد الذي كان تحررياً فيما مضي ويقول "من غير الممكن إيقاف التقدم" شيئاً آخر بخلاف الفكرة المهيمنة اليوم وتقول "من غير الممكن إيقاف الرأسمالية والعولمة".

ومما لا شك فيه أن جيجك بمعارضته الدائمة لـ"أوامر ونواهي" اليسار الليبرالي التقدمية إنما يقول، وقد قالها فعلاً في إحدى المرات، إن من الواجب بالنسبة إلى بعض الصعد إيقاف التقدم والالتزام ربما بخط محافظ، أي يحافظ على مكتسبات البشر حتى اليوم ولا يعمد، هكذا بإطلاق، إلى قبول ودعم أي صيرورة تحدٍ أو ازدراء للتقاليد أو الأخلاق أو الحدود أو غيرها. بعبارات إنجلز هذه المرة، التي نقلها ميشيا في كتابه "عقدة أورفيوس"، فإن "وراء الإنسانية الكاذبة للحداثيين تختفي بربرية تجاهلهم لأسلافهم". بمعنى آخر، يمكن لجيجك أن يكون كإنجلز الشاب، نوعاً من "أناركي محافظ" Anarchiste Tory كالذي قدمه ووصفه وتمثّله الاشتراكي جورج أورويل طوال حياته.

لكن ما هو غير مفهوم في المقاربة الجيجيكيّة، يكمن أولاً في الإيحاء بأن أنصار "التقدم" يشكلون معسكراً في معركة إيديولوجية ما في وقت تفقد فيه لفظة "التقدم" يوماً بعد يوم كل معنىً تحررياً وتصبح ممثلةً لأسوأ ما في الرجعية والنزعة المحافظة، أي الرقابة على حرية التعبير. وإذا كان التقدميون المفترضون (أي الشيوعيون المؤمنون بصراع الطبقات واليساريون غير المؤمنين بصراع الطبقات) يشكلون "معسكراً"، فضد من؟ ضد الرجعيين أم المحافظين أم كليهما؟ جيجك نفسه محافظ بمعنى من المعاني كما قلنا. المشكلة الثانية المستقاة من الأولى وتنبع منها، هي في تحديد جيجك لـ"الرجعيين" حين يعتبر أن ترامب وأمثاله بينهم. غير أن خطاب وممارسات الرئيس الأمريكي تفيد بأنه لا رجعي ولا تقدمي ولا محافظ، ولا أي شيء آخر (مبدئياً)، سوى أن يكون تعبيراً هزلياً، فظاً وسوقياً، عن انحطاط "المجتمع المفتوح الإيجابي" الذي يحاول اليساريون فرضه بقوة العولمة والذي يحتقر إلى أبعد حد الطبقات الشعبية "المتجذرة وغير القادرة على الحركة والعنصرية بطبيعتها". كل ذلك على الرغم من التوصيف الدقيق الذي وضعه جيجك نفسه للفلسفة التي تتأسس عليها كل السياسات التقدمية اليوم عبر نموذج جيل دولوز الذي تقول أطروحته "أن الرأسمالية لم تتجاوز إقليمها الجغرافي بشكل كاف وأن منطق رأسمال يرغب في إعادة الأقلمة حتى لو كان ميله الآخر إلى تجاوز الأقلمة، أي إلى الاختراع والاعتراف بالإمكانيات الجديدة، يسير في الاتجاه الصحيح". يضيف جيجك: "أعتقد، لأسباب سياسية بحتة، أن هذا الوهم موجود لدى دولوز وغواتاري، ونيغري على وجه الخصوص، بأن الرأسمالية المعاصرة هي بالفعل الشيوعية تقريباً. يمكننا أن نسمى ذلك بـ"التسريع": يكفي تسريع الحركة والتخلص من العقبة الأخيرة التي هي شكل الربح".

فيما عدا هذه الملاحظة "المتسرّعة"، يبقى جيجك واحداً من أكثر وجوه الفكر النقدي المعاصر راديكالية... وأكثرها مرحاً أيضاً، فهو يكتب ويتحرك ويتحدث ومئات الأفكار تتطاير من جنباته ومن بين شفتيه في ارتجال "ديالكتيكي" مثير لا يشبه شيئاً قدر ما يشبه موسيقى الجاز المجنونة والفوضوية ولكن المنظمة أشد التنظيم عبر خط رئيسي تلتقي حوله الخطوط الفرعية السائرة كل في طريقها بحيث لا يكاد يجمعها جامع.

تقدم "مونت كارلو الدولية" ترجمة للقاء طويل (12500 كلمة في النص الإسباني) أجراه الصحافي وأحد مؤسسي أسبوعية "Perfil" الأرجنتينية خورخي فونتيبيتشيا مع جيجك ونشرته الصحيفة في 9 أيلول/سبتمبر 2018:

سلافوي جيجك: الاستبداد (قد يكون) مستقبل العالم والثورة التقليدية جنون! (1 من 3)

selfpromo.newsletter.titleselfpromo.newsletter.text

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.