تخطي إلى المحتوى الرئيسي
فرنسا

"السترات الصفراء": قطارُ تغييرٍ ما قد انطلق... فأين يمضي؟

متظاهران أمام عناصر من حفظ النظام في "ساحة النجمة" بباريس خلال "الحركة 18" من تظاهرات "السترات الصفراء" (أ ف ب)
نص : علاء خزام
11 دقائق

بعد أربعة أشهر من بدء التحرك الاحتجاجي الاستثنائي للقطاعات الفرنسية (الريفية) المفقرة، وبعد أربعة أشهر كاملة كذلك من المحاولات المستميتة (المستمرة) لقمعه من قبل أجهزة الدولة المختلفة وتشويه سمعته عن طريق الدعاية الإعلامية المضادة المكثفة، برهن محتجو "السترات الصفراء" مجدداً في سبتهم الثامن عشر (16 آذار/مارس 2019) على تصميم منقطع النظير وإرادة صلبة على المضي في طريق تحقيق مطالبهم واستنكار ما يصفونه بـ"أساليب الالتفاف" التي تمارسها حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون.

إعلان

ما بدا أنه تحرك رافض لدفع الضرائب أو عاشق للسيارة الملوثة للبيئة (الصيغة الأولى التي اعتمدتها الدعاية الخبيثة)، انتقل في ما بعد إلى خطاب ذي صبغة احتقارية مهينة تحدثت عن الريفيين "الذين يدخنون السجائر ويقودون الديزل" (الـ Beaufs كما تسميهم جحافل البرجوازية المدينية المتعلمة) أو "العنصريين البيض" من سكان المناطق البعيدة أو الفاشيين الجدد المحازبين لـ"الجبهة الوطنية" اليمينية المتطرفة، ثم الغوغائيين والعنيفين والعدميين وغير المثقفين...الخ، وذلك على الرغم من أن المشاركة في وقائع الاحتجاج الكبير تبين الآتي: نسمع في ساحات التظاهر النشيد الوطني الفرنسي وموسيقى الأقاليم المميزة بالتوازي مع أغاني الثوار الأناركيين الأممية الشهيرة، ونرى أعلام المناطق الفرنسية الأكثر تضرراً من سياسيات نزع التصنيع والإفقار المتعمد، التي قادتها حكومات اليسار واليمين المتعاقبة، جنباً إلى جنب مع الرايات الشيوعية وصور غيفارا، وتختلط المطالبات الكثيرة المتنوعة التي تتوحد عند "إعادة السلطة إلى الشعب" و"إقرار العدالة الاجتماعية" و"تحطيم النظام الرأسمالي". لا يمكن لتحرك شعبي غير "السترات الصفراء" أن يمثّل بطريقة أفضل ذلك التلخيص الديالكتيكي اللامع الذي اجترحه جان جوريس حول العلاقة المُربكة التي تبدو لنا اليوم للوهلة الأولى علاقة تضاد خالصة بين الأممية Internationalisme والوطنية Patriotisme:

"قليلٌ من الأمميّة يُبعدنا عن الوطن ؛ كثيرٌ من الأمميّة يُعيدنا إليه.

قليلٌ من الوطنيّة يُبعدنا عن الأمميّة ؛ كثيرٌ من الوطنيّة يُعيدنا إليها".

المصلحة الطبقية فوق كلّ المصالح

ومما (لا) يلفت النظر حقيقة هو أن 90% من وسائل الإعلام و95% من المثقفين الفرنسيين (رغم تباينات طفيفة) لا يرون بعين الرضا إلى الانتفاضة "الغريبة" التي ظهرت ونظمت نفسها وارتدت اللون الأصفر وتتابع تحدي سلطة عاتية مدججة بوسائل الترغيب والترهيب وتتمتع بدعم دولي كبير. وهو، أولاً، ليس بالأمر المستغرب فعلاً لجهة تقاطع المصالح الطبقية، في التحليل الأخير وحين تحق الحقائق على الأرض، بين المُلاك الرأسماليين وواجهاتهم السياسية والإعلامية من جهة وبين عالم الصحافة والنقابة والجامعة والثقافة الرسمية الموصوفة "يسارية" من جهة أخرى والتي دعمت بتحفظ وحذر ثم ما لبثت أن تراجعت وشككت ووقفت منطقياً في صف مصالحها الطبقية. فكل صراع شكلي بين الفئتين يسقط حتماً، كما يذكّر ماركس، حينما تطرأ أوضاع تكون فيها الطبقة بكاملها محل تهديد حقيقي.

في مقال مشترك بعنوان "صراع طبقي في فرنسا"، يسرد الكاتب سيرج حليمي Serge Halimi والصحافي بيار رامبير Pierre Rimbert كيف تسببت "السترات الصفراء" وبسرعة هائلة في سقوط كل ادعاءات الراديكالية اليسارية لدى النخبة المثقفة التي لم يتوان بعض ممثليها من "قدماء أيار 1968" عن دعوة الجيش والشرطة إلى إطلاق النار "مرة وإلى الأبد" على "شلة البلطجية الأوباش من اليمين أو اليسار المتطرفين أو من الضواحي تلك التي تعتدي على الشرطة". وهو، ثانياً، ليس بالأمر الجديد حقاً، فوقائع التاريخ (خاصة الفرنسي) مليئة بأمثلة ثورات "أولئك الذين تحت" التي لم يكن لإجهاضها أن يتم فقط بواسطة القمع اليميني (الملكي الأرستقراطي البرجوازي الرأسمالي)، بل كذلك وأساساً بفضل الصمت والمحاباة أو الدعم والتوجيه والرعاية والدعاية "اليسارية" التقدمية المثقفة ضدها. فبالإضافة إلى نموذجي القمع الرهيب لـ"كمونة باريس" وانتفاضة صعاليك الوسط (1907)، نقرأ في مقال حليمي/رامبير ما قاله القيادي الاشتراكي الفرنسي جول غيسد Jules Guesde عام 1900 في تفسير طول عمر الطبقة الرأسمالية، فهي "قسمت نفسها إلى برجوازية تقدمية وبرجوازية جمهورية، إلى برجوازية دينية وبرجوازية حرة التفكير، حتى يتسنى لها على الدوام استبدال أي طرف مهزوم في السلطة بطرف آخر من الطبقة نفسها". وهو، ثالثاً، أمر قريب إلى منطق الأشياء السائدة في هذه البلاد منذ بداية عهد ميتران الظافر الذي شهد تحول عالم الجامعة الماركسي/الماوي/الفوضوي/الأوضاعي situationniste في غالبيته إلى الليبرالية الثقافية، وعالم السياسة الاشتراكية الرسمية وغير الرسمية إلى الليبرالية الاقتصادية، وعالم صحافة الرأي الراديكالية واضحة الانتماء الإيديولوجي إلى الحياد الكاذب اللائق سياسياً.

فيالق الأكاديميين الرسميين المتمرسين

وكان من نتائج التحول الكارثية تلك إنتاج جيش من علماء اجتماع (وتاريخ واقتصاد وسياسة وصحافة) يعتبر "الشعب" مفهوماً متقادماً فوق كونه مريباً يحيل إلى "الشعبوية" ومن ورائها فظاعات الفاشية والنازية والستالينية، وأنه ينطبق حصرياً، حين نكون مضطرين لاستعماله، على سكان الضواحي والأقليات العرقية والدينية و"الملونين" وغيرها من التصنيفات الفئوية. وغني عن الذكر أن كل من يتجرأ ويعارض أو يضع على الأقل موضع الشك أوامر هذا الجيش (وهي أكثر قسوةً حتى من التعاليم الدينية لجهة انتفاء المُبرّر الترانسندنتالي المقدس) سوف يجد نفسه منبوذاً أو معزولاً أو في مواجهة فيالق رومانيّة من الأكاديميين المتمرسين على عَلْك وإعادة عَلْك الانطباعات والهذيانات الإيديولوجية وتقديمها باعتبارها حقائق لا جدال حولها نتجت عن دراسات ومعطيات وتجارب موضوعية. من الجدير التذكير ربما بمثال عالم الجغرافيا إيف لاكوست Yves Lacoste (89 عاماً) الذي قامت ضده قيامة الطبقة المسيطرة المتسترة بستار "التسامح" انتهت إلى وسمه بالعنصرية حين قال بعد دراسته للضواحي التي بنيت لاستقبال العمالة المهاجرة بعد الحرب العالمية الثانية إنها وعلى عكس اعتقاد سائد كانت أفضل بمراحل من أي حي شعبي وعُمالي في العاصمة، أو بمثال عالم الاجتماع أوغ لاغرانج Hugues Lagrange (68 عاماً) الذي صدر له كتاب بعنوان "إنكار الثقافات" (2010) حاول فيه تكملة التفسير الاجتماعي والاقتصادي للعنف في الضواحي باختبار جدارة محتملة للعامل الثقافي أيضاً، واضطر بعد ذلك في المساحات القليلة التي منحت له في وسائل الإعلام إلى تمضية الوقت في دفاع يائس عن نفسه ضد شبهة العنصرية أو اليمين المتطرف أو خدمة مصالح "الجبهة الوطنية" التي أُلصقت به.

نقاش ماكرون الكبير: بلاغة الاستعراض اللفظي

الرئيس ماكرون، من جهته، أطلق منذ ثلاثة أشهر ما أسماه "النقاش الكبير" للرد على المطالب الاجتماعية أو بالأحرى لمناقشتها... أو إن أردنا الترديد خلف محتجي "السترات الصفراء" لتضييع الوقت ريثما يتعب المتظاهرون ويتم التخفف من الضجة الإعلامية التي رافقت صعودهم بالتوازي مع عمل صحافي ممنهج يبتغي بأي وسيلة تكبير صورة مجموعة من "السترات" رفعت شعار النازية أو تمضية ساعات في نقاش "الملمح المعادي للسامية" للمحتجين أو إهدار كل فرصة حقيقية لاستخلاص الدروس المفيدة من الحركة الشعبية. في الأثناء، وإلى جانب عنف الشرطة وتمرير قوانين تقيّد حرية التظاهر عبر احتكام هزلي وغير ديمقراطي إلى سلطة القضاء غير المُنتخبة، يقوم الرئيس بجولات "نقاشات كُبرى" مع رؤساء بلديات المناطق ومع فاعلين اجتماعيين ثم مع مثقفين... الخ تم انتقاؤهم بعناية، يستقبل فيها الأسئلة ثم يعمد إلى الرد خلال ساعات ليقول في نهاية المطاف إن شيئاً لن يتغير. وفي اللحظة التي بدا فيها أن لقاءات الرئيس الطويلة المنقولة على الهواء والتي وظّف خلالها كل استعراض جسدي مشهدي وكل بلاغة لفظية ممكنة تعلمها في مدارس فرنسا الجامعية الكبرى المرموقة تأتي أُكلها في امتصاص صدمة الاحتجاج الذي تقلصت أعداء المشاركين فيه والتضامن الشعبي الواسع معه الذي شهد انخفاضاً طفيفاً، جاءت الحركة 18 مذهلة في راديكالية وعيها لألاعيب السلطة واستثنائية في تصميمها على الاستمرار.

في أي اتجاه تمضي "السترات"؟

في "السبت 18"، استعادت "السترات الصفراء" المبادرة وأثبتت فشل محاولات الإجهاض التي يعتمدها "مجتمع الأفندية" (كما يسميه جان كلود ميشيا) المكون من الحلقات الثلاثة آنفة الذكر: السياسة (الليبرالية) والاقتصاد (الرأسمالي) والصحافة (المهذبة والمحايدة). فالقوى السياسية الرسمية الوحيدة التي تدعم التحرك تجاهر علناً بهرطقة العداء للرأسمالية ("فرنسا العصية" اليسارية والحزب الشيوعي (وتنويعات ماركسية أخرى أصغر وأقل تأثيراً)، وحزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف فقط لا غير)، والفضاء العمالي الوحيد، المرتبط إذاً بالاقتصاد، والذي يتعاطف مع الاحتجاج ويقدم كل مرة مساعدة لوجستية في تنظيمه هي النقابة ("الكونفدرالية العامة للشغل" تحديداً) التي كانت حتى أواخر السبعينات تنظيماً شيوعياً رديفاً قبل استقلالها، والزمرة الإعلامية الوحيدة التي تواكب الانتفاضة الشعبية نقدياً وإيجابياً ومن موقع حَسَنْ النوايا تتكون من مجموعات طرفية مؤدلجة من خارج ملاك الإعلام النظيف أو من الصحافة الراديكالية التاريخية ("لوموند ديبلوماتيك" مثلاً). أي أن الانتفاضة التي تبحث الآن عن تعريف نظري أكثر وضوحاً لنفسها وعالمها "الجديد" الذي تنوي تأسيسه وعن قيادة واثقة وصافية الذهن، يتم تنازعها بشدة بين الطرفين الوحيدين الباقيين في ساحة الفعل السياسي الحقيقي أي المرتبط بمعاش الناس العاديين وإنتاجهم لوجودهم الاجتماعي. كان ميلانشون محقاً حين قال مرةً أن "جميع أولئك الذين في الوسط سيتبخرون وسيؤول الحال في نهاية المطاف إلى مواجهة بيننا وبينهم فقط" في إشارة إلى اليمين المتطرف العنصري.

السؤال الذي يطرحه عديدون اليوم هو حول المدى الذي ستأخذه الحركة الاحتجاجية والأفق السياسي الذي ستطمح في الوصول إليه، خاصة بعد القرارات الأخيرة المفاجئة التي اتخذتها الحكومة في زج فرق من الجيش متخصصة بمكافحة الإرهاب في مهمة حفظ الأمن الداخلي، والتي نبّهت القوى السياسية المختلفة إلى خطورتها لجهة قلة دراية القوات المسلحة بالمهام المنوطة عادة بالشرطة والدرك وأساليب "التعامل" مع التظاهرات المطلبية والاحتجاجات الشعبية الداخلية. أما الأمر الأكيد فهو أن انطلاق الحركة واستمرارها شهوراً يفيد وحده بأن قطار تغييرٍ ما، وإن اضطرته الظروف إلى التوقف طويلاً في بعض المحطات ينزل ركاباً ويصعد آخرين، قد انطلق وانتهى الأمر!

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.