تخطي إلى المحتوى الرئيسي
فرنسا

الانتخابات الأوروبية: يسار فرنسا الشعبوي في شرك إيديولوجيا 1968

ميلانشون متوسطاً بيار لوران، السكرتير السابق للحزب الشيوعي الفرنسي، وكليمنتين أوتان العضوة المؤثرة وإحدى رموز النضال الفئوي في "فرنسا العصيّة" (أ ف ب)

رغم الضجيج الإعلامي الكثيف الذي أعقب ظهور نتائج الانتخابات الأوروبية في فرنسا وركز على "صعود اليمين المتطرف" و"خسارة الرئيس" و"النصر الأخضر"، إلا أن الحدث الأهم بلا منازع كان التقهقر "المفاجئ" لحركة "فرنسا العصيّة" اليسارية وارتدادها إلى مرتبة الحركات غير الوازنة (أقل من 10%) بعد انتخابات رئاسية (2017) كادت تصعد برئيسها جان لوك ميلانشون إلى أعلى هرم السلطة الجمهوري.

إعلان

وباعتبار أن اليمين المتطرف يعرف منذ ثمانينات القرن الماضي ارتفاعاً مطرداً في أوساط الناخبين اليائسين والعاجزين حيال الرأسمالية المعولمة وأن نتائجه جاءت قريبة من نتائج الرئاسيات، ولجهة أن ما يسمى "حزب الرئيس" ليس حسب خصومه الكثر إلا توليفة "وسطيّة" مؤقتة مصطنعة صيغت على عجل لتأمين استمرار تمثيل مصالح النخب المالية الحاكمة، وبما أن "الأوروبيين الخضر" قد وصلوا حدهم بجمع شمل صوت اليساريين البرجوازيين (سكان المدن الشباب) الخائفين على مستقبل أبنائـ"ـهم" في ظل ضخ خطابي كارثي حول البيئة والمناخ، وطالما أن من النافل الحديث اليوم عن الكتلتين الجمهوريتين التاريخيتين اللتين تسيران بثبات نحو الفناء (اليمين الديغولي والاشتراكيين الديمقراطيين)، فإن الحركة الشعبوية اليسارية (أسباب ظهورها والخضة التي تعرضت لها) هي ما يستحق أن يتم التوقف عنده، لأن ذلك "في ذاته" يقدّم إجابات عن الأمور السابقة المطروحة جميعاً.

مأزق الشعبوية اليسارية الأوروبية

كيف جرى ما جرى لحركةً انطلقت من الأوساط الراديكالية (الشيوعيين و"جبهة اليسار" والوطنيين الاجتماعيين) في لحظة فارقة عرفت ازدهاراً للفكرة الشعبوية؛ يقف على رأسها قيادي محنك ذو نبرة عالية وخطاب غاية في البلاغة (بالمعنى الأولي شديد النجاعة في ميدان السياسة والذي يحيل إلى اللغة والمفردات)؛ أدارها فاعلون أدركوا أن القارة تعيش أزمنة "لينينيّة" مؤاتية (شرط إمكان انتقال سياسي ما الآن وهنا) بالتوازي مع الخلاص من وهم "الوصول إلى السلطة بأعلامنا الحمراء" والذي ليس إلا حلماً طفولياً مُرضياً للذات المستقرة العاجزة؛ حققت نتيجة خيالية منذ سنتين فقط وتدعم جهاراً نهاراً "السترات الصفراء"، أي التحرك الأهم على الإطلاق بالمعنى الطبقي الذي تشهده فرنسا منذ انتفاضة أيار 1968 العماليّة؟ كيف جرت أمور شبيهة أيضاً لشعبويي أوروبا اليساريين (بوديموس وسيريزا مثلاً) الغارقين في الفوضى والتآكل الداخليين وانحسار التأثير والتخبط الإيديولوجي؟ ولماذا، كذلك، لن تنجح النسخة الأمريكية الأقرب (ساندرز) في إحراز اختراق في الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة؟ الجواب في الإيديولوجيا اليساروية التي ستقدّم هنا كـ"مبدأ أول إغريقيّ" لكل الشرور يتوقف خلاص البشرية على مواجهتها.

ميلانشون بين الراديكالية الشعبيّة وإيديولوجيا الهويات على وقع "السترات الصفراء"

سمحت "فرنسا العصيّة" وأخواتها الغربيات على مدى السنين القليلة الماضية، وبعد أن كانت تقدّم نفسها بوصفها حركات ما بعد فئوية تسعى إلى ضبط المشهد السياسي حول القضية الطبقية، بتسرب النضالات اليساروية الفئوية الطائفية إلى صفوفها ما لبثت أن احتلت واجهة المشهد طاردة الأصوات الشعبوية وعامدة إلى تخريب الانتصارات التي كانت تلك الحركات تراكمها باستعادة التيمات والتوصيفات ما بعد الحديثة الأمر الذي جعلها تبدو شبيهة باليسار الديمقراطي وأفقدها، في الحالة الفرنسية، أكثر من نصف المصوتين. ولن نضيع الوقت في إدراج أمثلة هي بالمئات على تغلغل الخطاب العنصري المعاكس والفئوي إلى داخل "فرنسا العصيّة"، بل سنكتفي بواحد فقط من أحدثها شديد الدلالة: فبعد ساعات على إعلان نتيجة الحركة المخيبة للآمال (6.3% مقابل 19.5% في رئاسيات 2017)، نشرت ناشطة "يسارية" تعتبر نفسها "معنصرة" عيّنها أحد نواب الحركة الرئيسيين مساعدة له في البرلمان تغريدة ركيكة حانقة متسلطة وبذيئة تقول: "فلتذهب فرنسا والفرنسيون لمضاجعة أمهاتهم. بلد عنصريين". هكذا، مع استثناءات قليلة، أصبح حال الحركة التي يطالب اليوم ناشطوها الفئويون برأس ميلانشون نفسه باعتباره مسؤولاً عن الخسارة بـ"خطابه الانقسامي الكاره"... الناشطون الذين يتميزون "تاريخياً" بطبيعة الحال بأدب جمّ ولياقة معروفة!

ميلانشون وفريق "فرنسا العصيّة" ليلة إعلان نتائج الانتخابات الأوروبية 2019 (أ ف ب)

في عام 1969، تلقى بيير باولو بازوليني رسالة من 5 كلمات بعثها إليه طالب يساري يدعى سارينو وتقول: "بيير باولو، أنت رجعي ومحافظ". رد الكاتب والسينمائي الشيوعي المكروه حينها بسبب تجرؤه على معاندة الهبّة "الثورية" للطلاب الشباب "ذوي الشعر الطويل" وتمسكه بضرورة تضمّن كل ثورة تحرر بضعة عناصر "محافظة" بالتالي:

عزيزي سارينو، على عكس مرسل الرسالة السابقة، يبدو لي، وبغض النظر عن أخطائك الإملائية، أنك طالب. ربما تكون طالباً توقف عن الدراسة، أو طالباً لا يعرف شيئاً. لا يعرف مثلاً أنه إرهابي (...). لم أكن رغم ذلك لأرد على رسالة ذات نبرة قطعية جازمة كرسالتك لولا أنها تقترح عليّ مقارنة مع الرسالة السابقة التي أرسلها كارليتو. كارليتو فاشي، ومع ذلك فإنه قليل الثقة بنفسه، متواضع، ويطلب مني المساعدة في العمق ("أين هو الضوء؟!"): أما أنت، فيساري، يساري متطرف، الأكثر يساريّة بين الجميع، ولكنك فاشي: إنك فاشي لأنك أحمق، متسلّط، وغير قادر على رؤية الواقع، إنك عبد لبضعة مبادئ تبدو لك غير قابلة للزعزعة ولكنها أصبحت إيماناً.

مجتمع روبنسون كروزو: ضلالة تبسيطيّة

لا تغني كلمات بازوليني الغاضبة عن الدراسة الدقيقة لأسباب النجاح والفشل والتبصّر في مناهج العمل وأساليب التنظيم والنقد والتغيير حين تستدعي الضرورة، كما أنها لا يجب أن تلقى ترحيباً زائداً عن الحد يكرّس التشاتم قاعدة لتصارع الأفكار ويعفي الذات السياسية من كل تشكك صحّي بالمبادئ وخطط الفعل. رغم ذلك، فإنها لا يمكن إلا أن تثلج الصدر!

ذلك أن التيار الذي تدينه النظرة البازولينية المبكرة الثاقبة، منذ لحظته الأولى وحين كان لا يزال ذا ملمح ثوري مناهض للمؤسسة، بات "مؤسسة" بدوره لكنها تتمايز عن المؤسسة المحافظة ذات التقاليد "العريقة" من حيث بنيتها ومبتغاها. تجل المؤسسة المحافظة على وجه العموم تراتبية اجتماعية غير مادية معينة يقع الرجال (رب الأسرة، الكاهن، أستاذ المدرسة، ضابط الجيش... الخ) في قلبها وتتدرج في توزيعها للسلطة وفق نظام انضباط مُحكم قليل الانشغال بالتعبير العلني عن أوامره ونواهيه: من "المفترض" مسبقاً ودون اللجوء إلى القول أن يعرف أفراد الأسرة (والجيش والجماعة الدينية أو المدرسية... الخ) مهامهم وواجباتهم وممكنات تصرفهم، وهم حين يشتطون من وجهة نظر الأستاذ أو الأب أو غيره، فإن نظرة واحدة تكفي ليفهموا ويتراجعوا وإلا فالعصا. أما المجادلة وعرض وجهات النظر والنقاش، فليست، في مجتمع محافظ، من القيم المحببة، وهي حين تتم ممارستها علناً خلال غداء يوم الأحد مع العائلة مثلاً تثير فوراً حالة من الاضطراب والقلق وانعدام الوزن... والصمت، وقد تنتهي في كثير من الأحيان، وبحسب مستوى الجدارة التي يبديها "الولد العاق"، بالاعتراف به فرداً جديداً في دائرة القرار. وكما أن حضارات البحر المتوسط لا تعرف الطفولة وتولد بالغة راشدة نتيجة الإرث التاريخي السابق المتراكم، فإن أفراد المجتمع المحافظ كذلك يعبرون سريعاً إلى البلوغ مع ما يفترضه ذلك من مسؤوليات هائلة أولاً ومن تمثّل مجموعة من القيم كالاستحقاق والصبر والروية والتحكم بالذات بشكل أساسي ثانياً.

(يروي شيوعيون فرنسيون عن أجواء أسرهم في الأربعينات والخمسينات أنه لم يكن يسمح لليافعين، في عائلات تنام وتقوم على خطاب الثورة والتغيير الشامل والإنسان الجديد الحر... الخ، بالكلام إلا إن كان "لديهم شيء مهم يقولونه"، ولا يعود ذلك فقط إلى انصياع مفترض لمبادئ مجتمع محافظ موروثة فحسب، بل كذلك إلى الموقع المميز الذي يرغب الفرد في تمثله بالنسبة إلى إطاره الإيديولوجي الاختياري المحدد: فالشيوعيون يجب أن يكونوا الأفضل والأذكى والأكثر اتقاناً وتفانياً بما يخدم صورة حزبهم، ورجل الدين يجب أن يتكلم بهدوء وبلغة عالية تنضح حكمة ووقاراً، وأستاذ اللغة الفرنسية يجب أن يكون أقرب إلى عالم في اللسانيات وعارفاً فذاً بتاريخ الآداب، وكاتب المحكمة المتواضع على قدر كبير من الدراية الحقوقية والخطابية، والتاجر محترماً ومتفهماً وبليغاً في مقاربة الزبائن، أما السياسي حينها فهو شيء مشترك يجمع في الآن ذاته مواصفات مؤرخ وعالم اجتماع وفيلسوف بالإضافة إلى معرفة وافية بالدروس الميكيافيلية).

أما المجتمع الذي رغبت واستطاعت جماعات التمرد الطلابي أواخر الستينات تثبيته فهو، رغم نواة اعتراض حميدة على "النظام"، متمركز فقط حول تدمير البطريركية الأبوية وخلخلة التراتبية الاجتماعية وسيادة الحريات الجنسية (لنتذكر أن دانييل كوهن بنديت تظاهر في البداية مطالباً بـ"القدرة على الدخول إلى مساكن الطالبات")، يقوده الشباب البوهيمي "الفنان" المتخفف من أثقال الكلام الرزين وأخذ الحياة على محمل الجد والالتزام بأي أمر ما عدا الركض إلى ما لا نهاية خلف الطموح الشخصي وتحقيق الذات الفردية. نسخٌ لا نهائية من روبنسون كروزو "الرجل الذي صنع نفسه بنفسه" بالعودة إلى "الطبيعة الطبيعية" دونما حاجة إلى أي تراكم سابق من أي نوع أو إلى أي تعلم من أي جهة (لسان حاله المغرور: ومن يعلمني؟ ولماذا؟ ومن يعتقد نفسه ذلك الذي سيعلمني؟ أنا رب نفسي!)، ينطلق من ذاته وينتهي إليها لا يحد أفقه شيء. روبنسون، الذي يجد نفسه وحيداً على جزيرة مجهولة، هو تعبير مبكّر (نشرت الرواية عام 1719) عن عزلة الفرد الحديث بعد تحطيم الروابط الاجتماعية التقليدية في مجتمع برجوازي مثالي يقوم على "وهم ساذج" لا تاريخي ولا اجتماعي حول سيادة الـ self-made-man المنتج لذاته. بعبارات ماركس في مقدمته العامة لنقد الاقتصاد السياسي (1857)

ينتمي الصيّاد وصيّاد السمك الوحيد والمنعزل (...) إلى تصورات القرن الثامن عشر الروبنسوني ضيقة الأفق والتي لا تعبّر مُطلقاً، باعتقاد مؤرخي الثقافة، عن مجرد رد فعل تجاه الإفراط في التعقيد وعودة إلى حياة الطبيعة التي أُسيئ فهمها (...) (هي) في الواقع، استباق لـ "المجتمع البرجوازي" (...) الذي تسود فيه المنافسة الحرة (ويبدو فيه) الفرد منفصلاً عن الروابط الطبيعية (...) التي تجعل منه في العصور التاريخية السابقة عنصراً في تكتل بشري محدد ومحدود. لقد تصوّر أنبياء القرن الثامن عشر، (...) هذا الفرد (...) كمثل أعلى idéal كان قد وجد في الماضي (...) لا يرون فيه تتويجاً تاريخياً، بل نقطة انطلاق للتاريخ (...) شيئاً طبيعياً، يتوافق مع مفهومهم للطبيعة البشرية، وليس كنتاج للتاريخ، بل كمعطى للطبيعة. لقد تمت مشاركة هذه الضلالة حتى الآن من قبل كل حقبة جديدة. (جيمس دنهام) ستيوارت، الذي يعارض من عدة نواحي القرن الثامن عشر ويولي باعتباره أرستقراطياً اهتماماً بالتاريخ، نجا من هذا التبسيط (...) ليس الإنسان (...) حيواناً اجتماعياً فحسب، بل هو كذلك حيوان لا يستطيع أن ينعزل إلا في المجتمع.

غير أن ماركس وحتى حين يذكر إيجابياً ناجياً آخر من "الضلالة التبسيطية" معاصراً لستيورات رغم أنه ليس أرستقراطياً ولا خصماً لـ"القرن الثامن عشر" هو "البرجوازي" جان جاك روسو، فإنه يفعل ذلك بخفر وبالتحديد حين يتعلق الأمر بـ"العقد الاجتماعي"، غير أن روسو في نص آخر "غريب" وعظيم حول الفرد والدولة والفضيلة (1757)، قد تدفع قراءته إلى حد اتهام ماركس سخريةً بالسرقة الأدبية، يقرّر أن

من المستحيل إطلاقاً أن يولد إنسان ويعيش ويحافظ على نفسه ضمن المجتمع دون أن يأخذ أي شيء منه (...) دعونا لا نعتبر أنفسنا مثل أولئك البشر البدائيين والخيالين الذين لم يكونوا في حاجة إلى أي أحد باعتبار أن الطبيعة وحدها قد وفرت كل شيء (...) الرجل الاجتماعي أضعف من أن يكون قادراً على الاستغناء عن الآخرين، فهو يحتاج إلى كل شيء منذ لحظة ولادته وحتى وفاته، غنياً أو فقيراً، لم يكن باستطاعته العيش إن لم يحصل على أي شيء من الآخرين (...) لسنا مدينين بعضنا لبعض كأفراد، بل كأعضاء في المجتمع الذي ندين له بكل شيء (...) في حالة الطبيعة، لا يوجد إلا الضروري، وكل الزخم الذي نراه بيننا ليس أبداً مجموع أعمال الأفراد، بل نتاج العمل العام الذي ينتج بمئة ذراع تتحرك بتناسق أكثر مما يستطيع إنتاجه مائة رجل بشكل منفصل.

دانييل كوهن بنديت مرشحاً على قائمة الخضر في الانتخابات الأوروبية لعام 1999 (أ ف ب)

ماركسيو ما بعد 68: غطاء فكري للرأسمالية المعولمة

وليس تثبيت هذين الشاهدين بأي حال من الأحوال دعوة إلى عودة (مستحيلة) إلى الأرستقراطية المتأخرة أو البرجوازية المبكرة، غير أن المرء سيُدفع دفعاً، كما كان حال ماركس، إلى تثمين نظام الاستحقاق والقيم والتقاليد التاريخية الأرستقراطي ونظام مركزية العمل والبلاغة الأدبية الجمّة لبرجوازية القرنين السابع والثامن عشر من جهة، مقارنة بانحطاط البرجوازية اليساروية المعاصرة الحاكمة وسفاهتها اللفظية وميلها الاستبدادي وشنّها للحملات الأخلاقوية وإقامتها للمقاصل السبرنيّة ووسمها لمخالفيها بـ"جرائم فكرية" سخيفة كالرجعية والقدامة والماضوية، عدا عن عجزها المستديم عن إنتاج قامات ثقافية كبرى مثل روسو وفولتير أو حتى بنجامان كونستان مبدع التأويل السياسي السلبي للفظتي "رجعية" و"محافظة". إضافة إلى ذلك، وكما يذكر كريستوفر لاش، فإن المشروع اليساروي البرجوازي المعاصر برمته ينحصر في فرض (وليس اقتراح أو عرض أو مناقشة) "برنامج تعليمي أو صيرورة اجتماعية (أو كليهما) قادرة على انتزاع الأفراد من سياقاتهم المألوفة، وإضعاف روابط القرابة والتقاليد المحلية والإقليمية وجميع أشكال التجذر في المكان (...) باعتبار أن تصفية الجذور هي الشرط الأساس لتحقيق التنمية والحرية (...) والاعتقاد بأن المقتلعين من جذورهم فقط من يستطيعون الوصول إلى الحرية الفكرية والسياسية".

ومن هنا تعويل أنطونيو نيغري ومايكل هاردت وغيرهما مثلاً على المهاجرين المقتلعين الذين ستستبدل بهم القطاعات الريفية الغربية المتجذرة وغير القادرة على الحركة والمحكومة بعجزها عن تحقيق الثورة والأسيرة داخل أوهامها الوطنية. إن الاقتلاع والابتعاد عن الموطن الأصلي بتقاليده وثقافته إن وجدت سيكسب، وفق هذه النظرية الغريبة التي يكذبها الواقع يومياً وفي كل مكان، المهاجرين وعياً سياسياً أعلى من ذلك الذي يملكه عمال البلد المضيف. غير أن النتيجة المنطقية للانجرار وراء هذه الفرضيات لن تكون سوى تقديم الغطاء الفكري: أولاً، للصيرورة الرأسمالية التي تدفع إلى تنقل اليد العاملة عبر الحدود الوطنية وتفضل بينها تلك التي تهاجر لاعتبارات اقتصادية مفهومة، وثانياً، لزيادة التوترات بين العمال أنفسهم ولسيادة نظريات "الاستبدال الكبير" و"المؤامرة على العرق الأبيض" التي ترفع يومياً في أرصدة أحزاب اليمين المتطرف.

حتى أن هذه النظرية الغريبة التي كانت إلى وقت قريب تتحاشى ذم العمال الغربيين "البيض" بشكل مباشر وتختبئ خلف مبررات انحسار أعدادهم وضعف تنظيمهم وانعدام قدرتهم على الاحتجاج، باتت لا تتحرّج من تقريعهم علناً ونعتهم بأقذع العبارات وذلك بالضبط في اللحظة التي نظموا فيها أنفسهم وخرجوا إلى ساحات الاحتجاج. فمثلاً، وفي كتابه الجديد الذي لم يُثر عنوانه العنصري الصادم أي نوع من أنواع الانتقاد ويقول "لا تثقوا بالبيض، سكان الشاطئ" (2019)، يتحسر "أستاذ" الفلاسفة الماركسيين الفرنسيين الأحياء آلان باديو من أن مسألة "السترات الصفراء" قد حلت محل مسألة "المهاجرين" في قائمة اهتمامات الرأي العام، وذلك قبل أن يسارع فوراً وفي الصفحة الثانية إلى تقرير أن المسألة الأولى هي نقيض المسألة الثانية. فـ"السترات الصفراء"، بالنسبة لباديو، "احتجاج ذو ملمح شعبي، لكن نظرته السياسية غامضة، خجولة (...) قومية، منسوجة من شائعات كاذبة، والقوة المنظمة الوحيدة التي تمثله فعلاً في الفضاء البرلماني هي اليمين المتطرف".

ثم يتابع في أماكن متفرقة باللهجة الحكيمة العارفة نفسها توبيخ الاحتجاج الذي "لا يعرض أي شيء"، "لا قوام سياسي له"، "ليس حاملاً لمستقبل مساواتي"، بل هو فقط تعبير عن "الإهمال الذي يتعرض له عالم ريفي قديم، هَرِم، طرفي وكولونيالي في الآن ذاته" في فرنسا التي ليست إلا "معطىً لا مستقبل له (...) إمبريالية صغيرة في طور الانحطاط". هكذا يحلّ باديو مسألة "السترات الصفراء" في أربع صفحات (كارهة) لينتقل بعدها في الصفحات الأربعين الباقية إلى الحديث عن المهاجرين وضرورة الاستقبال وقيمة الضيافة (دريدا) وأهمية التسامح، وليذكّر من عليائه "أن ما يهم حقاً هو أن وطننا هو العالم" وأنه "لا وجود لسياسة معاصرة إلا مع أولئك الذين يأتون إلينا ويمثلون البروليتاريا العالمية المرتحلة". قبل صدور الكتيب العجيب، كان الفيلسوف التقدمي المبدع قد حضّر نصاً امتنعت حتى صحيفة "لوموند" اليسارية الليبرالية عن نشره ينتقد الحركة الاحتجاجية "الرجعية" التي تتسم بـ"الغياب المعترف به للفكر العام والرؤية الاستراتيجية (و) الإبداع السياسي". إن هذا كلّه فعلاً لمن عجائب مادية تاريخية تتناسى عامدة قصة "صديقنا الخلد العجوز الذي يعمل جيداً تحت الأرض ثم يظهر بُغتة"!

من الواضح أن باديو لم ير ذلك الشاب "بشير" المتظاهر مع "السترات الصفراء" حين سألته صحفية وهي تغمز من قناة اسمه وأصوله "لماذا اخترت التظاهر مع السترات الصفراء؟" والذي قد يعني "لماذا لا تتظاهر مع إخوانك من مسلمي فرنسا من أجل حقوقكم الخاصة؟". فكان الجواب الذي يقطعه بين الفينة والأخرى إطلاق القنابل المسيلة للدموع "لا يتعلق الأمر بـ"السترات الصفراء" بل بالشعب... هنا ستجدن فاشياً يتظاهر إلى جانب شخص أسود، ومسلماً إلى جانب مسيحي أو يهودي... لا يهم... ليس الأمر متعلقاً بـ"سترات صفراء" أو عرق أو... أو... هنا الشعب بأكمله".

بشير (RT)

إيديولوجيا اليسار الطائفي: البنى بديلاً للمجتمع

تجد هذه التخرّصات الواهمة التي تم التعبير عنها سياسياً في أيار 68 منطلقاتها الفكرية في التيار البنيوي الذي انطلق وانتهى مع كوكبة من أرفع مثقفي فرنسا في القرن العشرين، أي ليفي ستراوس في الخمسينات ودريدا في التسعينات مروراً بفوكو ودولوز وسواهما، وأراد بكيفية ما إعلان موت الإنسان وإحلال البنى أو "الفرديات التاريخية" (أرخبيل أو أجزاء معزولة من البشرية) محل المجتمع ووضع النزعات الثلاث الإنسانية والكونية والعقلانية معاً وفي ضربة واحدة موضع شك عميق باعتبارها منتجات للهيمنة الغربية.

وبالحديث عن فرنسا منتصف القرن العشرين، كانت القوتان الواقفتان حجر عثرة أمام دخول البلاد سباق التدمير الذاتي الكوني المسمى بـ"الرأسمالية المعولمة" هما الحزب الشيوعي، القوي بقواعده الشعبية والعمالية وظهيره السوفياتي، والنزعة الديغولية اليمينية الوطنية المحافظة التي استماتت في محاولة الحفاظ على فرنسا خارج دائرة النفوذ الأمريكي بكل معانيه. ولذا فقد كان الخلاص من "بطل التحرير" الفرنسي هدفاً ثميناً بالنسبة للمخابرات الأمريكية لأنه سيعني "السماح بإنعاش مشروع الاندماج السياسي الأوروبي"، فحاولت بما أوتيت من وسائل تحطيمه عبر تمويل خصومه في كل مكان وصولاً إلى محاولات اغتيال وانقلاب عسكري باءت جميعها بالفشل. ومن الجدير بالذكر والدافع على التأمل في الآن ذاته، أن اللفظ الذي يلخّص الباراديغم الذي أفضى إلى دولة الرفاه الوطنية الفرنسية المستقلة والسيّدة التي ناهضت لزمن طويل بروباغندا "الانفتاح والازدهار والانتعاش والنمو والتقدم والتحديث... الخ" الأمريكية لم يكن شيئاً آخر سوى "الغولو-شيوعية" Gaullo-communisme! إذاً، وفيما عدا الرئيس/الجنرال/الأب الذي أضعفته السنون و"حلفاؤه" الشيوعيون الموسومون بالجمود الفكري والستالينية وبضع مفكرين قليلي التأثير متناثرين هنا وهناك، لم تواجه "الثورة المضادة" اليساروية البرجوازية (بحسب تعبير ميشال كلوسكار) أي مقاومة تذكر بل جرفت معها قطاعات كاملة من عوالم الصحافة والثقافة والفكر والسياسة عملت بجد: أولاً، على تغييب وتمييع الانتفاضة العمالية التي تتابعت فصولها بعد انقضاء اللحظة الطلابية الباريسية (التي حظيت وحدها بكل الدعم والتغطية) ولم تنته نهائياً إلا في عام 1972، وثانياً، على تذرير المجتمع بتحويله "بنى" متخاصمة معزولة (نساء ومثليون وملونون ومسلمون... الخ) لا يجمعها لا علم ولا حدود ولا رموز ولا ظروف وطنية مشتركة، تنهش بعضها بعضاً طلباً للحقوق ويقف القانون (وبالتالي القاضي غير المنتخب) حائلاً أمام حرب الجميع ضد الجميع وثالثاً، على اختراع تبسيطات مفاهيمية حول "شعب اليمين" و"شعب اليسار" من البرجوازيين والجدران الصينية التي تفصل هذه العالمين الذين يعيش أعضاؤهما في توافق تام كل على حدة مع مبادئه الخاصة بالتوازي مع رفض وكراهية واحتقار الطبقات الشعبية المعزولة والمتروكة لمصيرها في الوسط.

وبما أننا بدأنا ببازوليني واصفاً "إرهاب" اليسار الجديد، فسننتهي أيضاً مع هذا الشاهد الفذ على حقبة النصف الثاني من القرن العشرين التي شهدت التغيرات التاريخية الكبرى التي نعيش نتائجها اليوم. ففي نص من عام 1974 بعنوان "فاشيةُ معادي الفاشية" يمكن الاستفادة منه في تفسير الفشل الحالي لليسار الشعبوي وفي اقتراح ما يشبه خطة عمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ضمنها، يقول بازوليني

لم نفعل شيئاً حتى لا يوجد فاشيون. لم نفعل سوى إدانتهم بمغازلتنا لضميرنا ونقمتنا؛ وكلما زادت نقمتنا عجرفة وسفاهة وقوة، زادت راحة ضميرنا. في الحقيقة، كان سلوكاً فاشياً تجاه الفاشيين (وأتحدث بشكل خاص عن الشباب): أردنا بلا رحمة وتسرّع أن نعتقد أنه كان من المقدر عليهم أن يكونوا فاشيين بسبب عرقهم (...) وأنه من غير الممكن فعل أي شيء حيال ذلك (...) لقد كنّا نعلم جميعاً في وعينا الحقيقي أنه حين "يقرر" شاب من هؤلاء أن يصبح فاشياً، فإن ذلك أمر عارض صرف وليس سوى تصرفاً لاعقلانياً ولا أسباب له؛ أن كلمة واحدة كانت ربما ستكفي حتى لا يؤول الأمر إلى هذه الحال. لكن لم يحدث أن تحدث إليهم أو تحدث لهم أي واحد بيننا على الإطلاق. لقد قبلناهم فوراً باعتبارهم ممثلين حتميين للشر المطلق، في حين أنهم ربما لم يكونوا سوى (أفراد) ألقوا بأنفسهم بتهوّر في هذه المغامرة الرهيبة وبكل بساطة بسبب اليأس.

يوتيوب (criterioncollection)

يوتيوب (criterioncollection)

يوتيوب (criterioncollection)

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن