تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الشرق الأوسط

السجن والتعذيب والقتل للمهاجرين في ليبيا، وأوروبا مسؤولة

مهاجرون في طرابلس-رويترز

أكدت منظمات إنسانية غير حكومية ان المهاجرين العالقين في ليبيا يعانون من أوضاع بالغة القسوة، محملة مسؤولية هذه الأوضاع لسياسات أوروبا في مجال الهجرة والاتفاقات التي عقدها الأوربيون مع الليبيون. ووزعت منظمة سي ووتش الألمانية شريط فيديو تم تصويره من الجو، يظهر فيه مهاجر يقوم، في منتصف أيار/مايو الماضي، بإلقاء نفسه في البحر من زورق متهالك، عندما شاهد خفر السواحل الليبيين يقتربون، مفضلا تعريض حياته للخطر عبر محاولة الوصول الى سفينة تجارية، على العودة الى ليبيا.

إعلان

أغلب هؤلاء المهاجرين العالقين في ليبيا من الأفارقة القادمين من دول تعاني من الاضطرابات مثل السودان واريتريا والصومال، وهم مستعدون للمجازفة بكل شيء للخروج من مراكز الاعتقال في ليبيا، البلد الذي يعاني من فوضى أمنية كبيرة.

التعذيب:

ونشرت صحافية أيرلندية شريط فيديو لمهاجرين في سجون سرية تقع تحت سيطرة مهربي بشر، تضمن مشاهد لأعمال التعذيب التي يتعرض لها المهاجرون لإجبار أهاليهم على دفع فديات مالية مقابل إطلاق سراحهم.

ويظهر في شريط الفيديو شاب ملقى شبه عار على الأرض وهو يصرخ من الوجع لقيام رجل بحرق رجليه بآلة لحام، بينما يقوم آخر بتوجيه مسدس الى صدغه، كما يظهر مهاجر آخر وهو معلق بسقف غرفة وقميصه حمراء اللون من الدم، ومسدس مصوب الى رأسه، وفي مشهد ثالث يظهر شاب ملقى أرضا ومقيدا بالحبال وهو يجلد بسوط على رجليه في حين وضع حجر ثقيل على ظهره لمنعه من التحرك.

القتل:

ووصلت مأساة المهاجرين العالقين في ليبيا الى ذروتها ليلة الثلاثاء 2/7 الاربعاء 3/7، عندما قتل أكثر من 40 منهم وأصيب نحو مائة آخرين نتيجة غارة جوية استهدفت مركزا للمهاجرين في تاجوراء قرب طرابلس، واتهمت حكومة الوفاق الوطني قوات المشير خليفة حفتر بالمسؤولية عنها. لكن الأخيرة نفت.

وتفيد أرقام الأمم المتحدة أن خفر السواحل الليبيين أعادوا منذ كانون الثاني/يناير الماضي أكثر من 2300 شخص الى ليبيا، بينما كانوا يحاولون الانتقال الى أوروبا، وتم نقلهم الى مراكز اعتقال.

الدور الأوروبي:

ويؤكد جوليان رايكمان رئيس بعثة منظمة أطباء بلا حدود في ليبيا أن خفر السواحل الليبيين أعادوا بدعم من الاتحاد الاوروبي أكثر من ألف شخص، منذ بدء النزاع الاخير في ليبيا في إبريل/نيسان 2019، إلى الأراضي الليبية، حيث ينقلون الى مراكز اعتقال مثل ذلك المقام في تاجوراء، والذي تعرض للقصف الجوي.

وتفيد أرقام منظمة الهجرة أن ما لا يقل عن 5200 شخص محتجزون حاليا في مراكز اعتقال في ليبيا. في حين لا توجد أرقام حول المهاجرين المحتجزين في مراكز سرية بأيدي مهربي بشر.

ويقدم الاتحاد الاوروبي دعما لخفر السواحل الليبيين لمنع انتقال المهاجرين من الشواطئ الليبية الى ايطاليا. وفي عام 2017 تم التوقيع على اتفاق بين ايطاليا وطرابلس لتدريب وتجهيز خفر السواحل الليبيين. ومنذ ذلك الوقت تراجع كثيرا عدد المهاجرين الواصلين الى أوروبا.

تكدس القتلى:

في نهاية أيار/مايو الماضي قررت عشر منظمات غير حكومية دولية تنشط في ليبيا كسر جدار الصمت حول وضع المهاجرين في ليبيا، ودعت الاتحاد الاوروبي لإعادة النظر سريعا في سياساته إزاء الهجرة، مشددة على أن المهاجرين، ومنهم النساء والأطفال يعانون من عمليات احتجاز اعتباطية، في ليبيا وسط ظروف "فظيعة".

وقال رئيس بعثة منظمة "الإسعاف الأولي الدولي" في ليبيا بنجامين غودان "لتتوقف عمليات إعادة المهاجرين الى ليبيا! الوضع منفلت هناك وخارج عن السيطرة، فالمهاجرون لا يتمتعون بأي حماية قانونية وسط الظروف الأمنية المعروفة".

وتتدخل هذه المنظمة غير الحكومية في ستة مراكز اعتقال وتؤمن مع عدد قليل آخر من المنظمات بعض الخدمات الصحية للمهاجرين.

وتابع غودان في مقابلة نادرة له مع وسيلة إعلامية "الكوارث تلاحقهم وعندما يتم إنقاذهم من الغرق في البحر تنتظرهم معاناة أكبر على الاراضي الليبية"، معتبرا أن "الأوضاع مريعة" في بعض مراكز الاعتقال الرسمية هذه.

ويضيف غودان شارحا ظروف الاعتقال المريعة للمهاجرين "إنهم يعيشون أحيانا مكدسين فوق بعضهم البعض وسط ظروف صحية فظيعة بغياب مياه جارية وأحيانا بدون مياه شرب. لا يتلقون من الطعام سوى النذر اليسير وفي بعض المراكز لا شيء يحميهم من الحر أو من البرد. ولا توجد ساحات خارجية في بعض مراكز الاعتقال هذه، وبالتالي قد لا يرى المهاجرون أبدا نور النهار".

وتمكنت منظمة "هيومن رايتس ووتش" من زيارة عدد من مراكز اعتقال المهاجرين في ليبيا عام 2018 والتقت نحو مئة منهم. وكان تقريرها للعام الحالي مفصلا وضم شهادات "لطريقة التعاطي الوحشية" مع المهاجرين. واتهمت المنظمة التعاون القائم بين الاتحاد الاوروبي وليبيا حول المهاجرين بالمساهمة في وقوع تجاوزات ضخمة للغاية.

يضيف جوليان ريكمان من منظمة "أطباء بلا حدود"، "كثيرا ما يتكدس القتلى بالعشرات في مراكز الاعتقال، بسبب إصابتهم بمرض السل في الزنتان، أو بسبب القصف كما حصل في تاجوراء. إن وجود عدد قليل من العاملين في المجال الانساني الى جانبهم غير كاف لتأمين ظروف مقبولة لهم في هذه المراكز".

وتابع ريكمان "إن الاشخاص المحتجزين لا يزالون يلقون حتفهم بسبب الأمراض والجوع وأعمال العنف والاغتصاب من قبل المليشيات. وكثيرا ما يجدون أنفسهم عالقين بأيدي عناصر المليشيات في مناطق قتال".

وفي إشارة الى خطورة الوضع حضت مفوضة حقوق الانسان في مجلس أوروبا في الثامن عشر من يونيو/حزيران الماضي الدول الاوروبية على تعليق تعاونها مع خفر السواحل الليبيين، معتبرة أن الاشخاص الذين يتم ضبطهم وهو يحاولون الهجرة في البحر "يوضعون في مراكز اعتقال وبالتالي يتعرضون للتعذيب ولأعمال عنف جنسية وللابتزاز المالي".

حتى أن الامم المتحدة نددت في السابع من حزيران/يونيو بالأوضاع "المريعة" السائدة في مراكز الاعتقال هذه. وقال المتحدث باسم المفوضية العليا لحقوق الانسان روبرت كولفيل "لقي نحو 22 شخصا مصرعهم منذ ايلول/سبتمبر الماضي نتيجة اصابتهم بمرض السل وأمراض اخرى في مركز اعتقال في الزنتان".

وباشرت منظمة "أطباء بلا حدود" خلال الفترة الأخيرة تقديم خدمات طبية في مركزي اعتقال في الزنتان وغريان. ووصفت الوضع هناك بـ"الكارثي صحيا"، موضحة أن الاشخاص المحتجزين في هذين المركزين "من اريتريا والصومال خاصة وهم عاشوا أصلا تجارب فظيعة" خلال رحلاتهم قبل وصولهم.

وتؤكد هذه المنظمات غير الحكومية مع المفوضية العليا للاجئين أن الغالبية من آلاف الاشخاص الموجودين في مراكز الاحتجاز هم من اللاجئين، وبالتالي يمكن أن يستفيدوا من امكانية استقبالهم في بلد متطور، لكنهم لا يستطيعون تقديم طلبات بهذا الصدد لدى السلطات الليبية، فيقومون بذلك لدى المفوضية العليا للاجئين في ليبيا وسط ظروف صعبة للغاية.

الاحتجاز يتحول إلى سجن:

يضيف ريكمان في الإطار نفسه "إن عمليات الإجلاء الى خارج ليبيا، الى بلدان أخرى او بلدان عبور، تبقى، اليوم، محدودة للغاية لأنه لا توجد أماكن لهم في بلدان آمنة قادرة على منحهم حق اللجوء"، متحدثا عن شعور كبير باليأس، خصوصا مع بعض الأشخاص الذين مضى على وجودهم هناك نحو عام.

في المقابل، تدافع المفوضية الاوروبية عن التزامها المالي ازاء المهاجرين، مشددة على أنها خصصت منذ عام 2014 نحو 338 مليون يورو لبرامج مرتبطة بالهجرة في ليبيا.

وتعترف ناتاشا برتو من المفوضية الاوروبية بأن الأوربيين تلقوا انتقادات على تعاطيهم مع ما يحصل في ليبيا، مؤكدة أنهم واعون لذلك ويتبادلون المعلومات بشأن ذلك مع المنظمات غير الحكومية، مشيرة إلى أن التعاون الأوروبي مع منظمة الهجرة العالمية والمفوضية العليا للاجئين والاتحاد الافريقي، سمح، خلال الـ16 شهرا الأخيرة، بإخراج 38 ألف شخص من مراكز الاعتقال هذه ومن ليبيا وإعادتهم الى بلدانهم مع برامج عودة طوعية، وكل ذلك بتمويل من الاتحاد الأوروبي.

وتحرص هذه المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية على التذكير بأن المفوضية حثت، مرارا خلال الأشهر القليلة الماضية، الدول الاعضاء على السعي لإيجاد حل لما يحصل اليوم، ففي كل مرة تقوم سفينة تابعة لمنظمة غير حكومية بانتشال مهاجرين في البحر تعارض مالطا وايطاليا استقبالهم، ويتوجب عندها على المفوضية ان تطالب الدول ال28 الاعضاء بإيجاد أمكنة لرسو السفن التي تنقلهم.

أما المتحدث باسم البحرية الليبية العميد أيوب قاسم فإنه يعتبر أن الدول الأوروبية هي التي تعرقل التوصل الى حل دائم للهجرة في البحر المتوسط، لأنها لا توافق على استقبال قسم من المهاجرين وتعتبر نفسها غير معنية بالأمر.

وختم ريكمان بالقول "إن الدول الأوروبية تتحمل مسؤولية سقوط كل هؤلاء القتلى وعذابات المهاجرين"، مضيفا "ما نحن بحاجة اليه هي الأفعال، أي عمليات إجلاء عاجلة للاجئين والمهاجرين العالقين في ظروف خطيرة جدا في ليبيا".

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.