تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيمانويل ماكرون على باب "شارلي إيبدو": النجدة! النجدة!

"تهديدات ضد الرئيس. ماكرون يطلب حماية شارلي إيبدو" - عدد 23 كانون الثاني 2020
"تهديدات ضد الرئيس. ماكرون يطلب حماية شارلي إيبدو" - عدد 23 كانون الثاني 2020 © مونت كارلو الدولية

صدر العدد الجديد من صحيفة "شارلي إيبدو" الأسبوعية الأربعاء 22 كانون الثاني 2020، وركز على عنف الشرطة الفرنسية في مواجهة المظاهرات ومحاكمة القس الفرنسي السابق المتهم بالتحرش الجنسي بالأطفال برنار برينا بالإضافة إلى مواضيع ورسوم متنوعة تتعلق بالعلمانية والدين وحرية التعبير.

إعلان

الغلاف يصوّر الرئيس ماكرون ينزف بعد أن ضُرب بشدة زاحفاً على بطنه ومحاولاً نقر باب حصين لشارلي إيبدو. يقول الرئيس "لقد أحضرت شوكيت" (وهو نوع من الحلويات الفرنسية). كل ذلك في إشارة إلى ليلة "هروب" الرئيس وزوجته من أحد مسارح العاصمة حيث كانا يقضيان الأمسية، بعد أن علم متظاهرون ومحتجون بوجودهما فيه وحاولوا اقتحام المسرح. الرئيس الغارق في مشكلات سياسية لا تحصى وتقابل إصلاحاته بالإضرابات والاحتجاجات بات، بحسب شارلي إيبدو، مهدداً، حاله كحالها وهي الواقعة تحت الحراسة الشرطية بسبب التهديدات الإرهابية.

الصفحة الأولى مخصصة بالكامل للسخرية من عناصر الـ CRS (فرق الأمن الجمهورية) التابعة للشرطة الوطنية والمكلفة بحفظ النظام العام والتي تتهم تاريخياً بعنفها الشديد وكان لها "أيامها" الكبيرة خلال انتفاضة أيار 1968، حتى أن الأمر وصل بالعمال والطلبة في تلك الأيام إلى نعتها بـ CRSS في إشارة إلى وحدات "فافن إس إس" النازية. تتهم الشرطة الفرنسية منذ بداية احتجاجات "السترات الصفراء" نهاية عام 2018 وصولاً إلى التظاهرات المناهضة لتعديل أنظمة التقاعد باستخدام متصاعد للعنف الشديد وغير المبرر وذلك في ظل صمت السلطة التنفيذية. جدير بالذكر أن احتجاجات السترات الصفراء أوقعت 11 قتيلاً وأكثر من 4400 جريحاً بينهم 24 مصاباً في العين و5 أشخاص فقدوا أذرعتهم، بالإضافة إلى أكثر من 12 ألف حالة اعتقال تمت محاكمة 2000 بينهم، وهي حصيلة هائلة لم تشهدها البلاد منذ أيام الاحتجاجات الكبرى عام 1968.

فرنسية تخاطب عاملاً مضرباً: "غيّر عملك!"

مدير النشر في الصحيفة الرسام RISS، أحد الناجين القلائل من المجزرة الإرهابية التي طالت كادر الصحيفة عام 2015، دافع في مقاله الافتتاحي المعنون "غيّر حياتك المقرفة" عن حركة الإضراب التي تشل وسائل النقل العامة في فرنسا واعتبر أن المواطنين يبدون تفهماً كبيراً لحيثيات الإضراب رغم الصعوبات اليومية التي يواجهونها في تنقلاتهم. لكن RISS توقف عند لقطة تلفزيونية لسيدة من مستخدمي المترو تنتقد نقابياً من عمال النقل بسبب "الإزعاج" الذي يسببه الإضراب للمواطنين. وبعد مجادلة قصيرة، قالت السيدة بلا مبالاة: "غيّر عملك!"، وهي صيغة تعبر بحسب RISS عن عدم الاكتراث بمصير الآخرين، ولا تعترف بأن هناك مهناً لا يرغب أحد في ممارستها لأنها مرهقة وغير مجزية اجتماعياً. وأضاف RISS أن الديمقراطيات الحديثة فشلت في إلغاء فكرة وجود طبقات عليا وطبقات أدنى من عقول الناس وأن المسؤولين في هذه البلاد يعتبرون حياة شباب لم يقوموا بدراسات عالية غير ذات قيمة. وتابع RISS قائلاً "لم يتغير شيء ولن يتغير أي شيء. فقط تم استبدال الماركيز والكونتات الناظرين من عرباتهم إلى الفلاحين ورؤوسهم منخفضة تواضعاً وإجلالاً بالطبقات الوسطى العليا التي تتنقل بواسطة وسائل النقل العام ولا تشعر بالحرج حين تعرف أن وصولها إلى المتاجر الكبرى من أجل التسوق يتم على حساب صحة الآخرين". وختم RISS " على مر السنين، تم اجترار فكرة أن الطبقات الاجتماعية لم تعد موجودة، وأن الطبقة العاملة قد اختفت، وانتهى بنا الأمر إلى الاعتقاد بأن هذا صحيح. حسناً ولكنهم لا يزالون هنا، وستستمر الاشتباكات بين مختلف الفئات الاجتماعية طالما أن ازدراء الآخرين يمثل أساس مجتمعنا".

Laure Daussy، الصحافية في شارلي إيبدو، تحدثت في مقال حول العلمانية في قطاع التعليم الفرنسي عما اعتبرته صراعاً داخلياً بات مكشوفاً بين مناصري علمانية جمهورية حاسمة وبين الداعين إلى علمانية فئوية أو طائفية تتكيف مع مطالبات بالخصوصية الثقافية. وتطرقت دوسي إلى مثال "رابطة التعليم" الفرنسية وهي أقدم فيدرالية فرنسية متعلقة بالتعليم تضم 30 ألف جمعية والتي كشفت معلومات شارلي إيبدو أن نائب رئيسها استقال بعد خلاف حول هذا الموضوع مع رئيس الرابطة. ويعود الخلاف أساساً إلى مذكرة للرابطة تتعلق بـ"الخدمة الوطنية الشاملة" تقول "إن من غير الواجب أن تغذي مقاربة مانعة (تعتمد على المنع) كثيراً منطق الاعتراض على حرية الضمير. إن من شأن هذا أن يجعل قطاعاً من الشباب يشعر بالإقصاء"، وهي الجملة التي وجد فيها نائب الرئيس المستقيل "مجاملة بالنسبة إلى المطالب الهوياتية". يضيف نائب الرئيس أن الخدمة الوطنية "ليست عطلة بل خدمة وطنية يجب خلالها تطبيق كافة معايير التزام الحياد الديني والفكري من قبل الشباب". وتساءلت دوسي عن رأي الجمعيات المكونة للرابطة بكل هذه النقاشات خاصة وأن جميع قراراتها تتخذ من قبل مجموعة صغيرة في أعلى هرم الرابطة.

تقنيات "التلقيح بالمساعدة" المسماة PMA في فرنسا والتي يدور حول تشريعها بالقانون جدل واسع لأسباب كثيرة بينها تلك المتعلقة بأخلاقيات مهنة الطب وكذلك لأنها يمكن أن تفتح سوقاً كبيراً تسيطر عليه رؤوس الأموال الكبرى يجري فيه تأجير الرحم من قبل نساء غالباً ما سيكن فقيرات لمصلحة الأثرياء. المهم أن "شارلي إيبدو" التي تدعو إلى عدم التسرع في السير في اتجاه التشريع دون حساب العواقب جميعاً، قررت بضربة واحدة أن تسخر من رجال الدين المسيحي المتهمين بالتحرش الجنسي بالأطفال (ورجال الدين يعترضون على تقنيات التلقيح تلك) وأن تعلق على قضية التلقيح بالمساعدة فرسمت كاهناً يقول "نحن لا نرغب بالتحرش بأطفال من أمهات قد وقعن في الخطيئة".

نشرت "شارلي إيبدو" أيضاً رسماً لرسام الكاريكاتير الجزائري المعروف علي دليم يعلق على مشروع القانون الجديد الذي يرغب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في إقراره لمكافحة العنصرية في البلاد وخاصة على الشبكات الاجتماعية. ويتعلق الأمر في أحيان كثيرة بالأفارقة وخاصة المهاجرين من دول جنوب الصحراء والذين يعبرون الجزائر. نتذكر أيضاً الجدل والتعليقات العنصرية على وسائل التواصل الاجتماعية في حق ملكة جمال الجزائر لعام 2019 خديجة بنحمو ذات البشرة السوداء، وكذلك حين يتعلق الأمر بلاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم مزدوجي الجنسية أو بمعتنقي الديانات والطوائف الدينية المختلفة. علي دليم رسم متظاهراً جزائرياً خلال الاحتجاجات الأخيرة وقد ضُرب وكسرت يده من قبل عناصر الشرطة يقف أمام شخص أسود البشرة. يقول هذا الأخير: "أريد أن تتم معاملتي مثل أي جزائري". فيرد المتظاهر المعنّف: "هل أنت متأكد؟".

مغن من بنغلاديش: بعض مفكري الإسلام جهلة!

أوردت الصحيفة أيضاً خبراً اعتقال مغن تقليدي من بنغلاديش يغني بأسلوب "القوالي" أي الموسيقى الدينية الصوفية السائدة في جنوب آسيا، في الهند وباكستان وغيرها. المغني شاريات ساركر الذي يغني، بحسب الصحيفة التي رسمته تحت الخبر، أغنيات دينية صوفية إجلالاً لله، اعتقل من قبل السلطات البنغلاديشية بتهمة "إثارة الحساسيات الدينية للمسلمين" بعد أن هاجم من وصفهم بـ"بعض المفكرين الإسلاميين الجهلة الذين يؤولون القرآن بشكل سيء فيعتبرون الموسيقى حراماً". يبدو أن ساركر قد يواجه بسبب هذه التهمة عقوبة سجن قد تصل إلى 10 سنوات.

على مدى صفحتين كاملتين، يسرد Félix، رسام شارلي، سير المحاكمة التي جرت الجمعة 17 كانون الثاني 2020 ضد القس الفرنسي Bernard Preynat المتهم بالتحرش بعدد كبير من الأطفال المشاركين في نشاطات الكشافة في منطقة ليون. عنون Félix "الأب برينا يخسر نجمة"، في إشارة ساخرة إلى خبر ظهر في اليوم نفسه ويقول بخسارة سلسلة مطاعم الطاهي الفرنسي الشهير من مدينة ليون Paul Bocuse نجمة في قائمة تصنيف الجودة. رسم فيليكس جميع المشاركين في سير المحكمة، القس السابق، محامو الدفاع هيئة المحكمة والقضاء، الدفاع والمتضررون والمدعية العامة والشهود وجميعهم يسردون ما وقع خلال المحاكمة التي انتهت بطلب الادعاء العام إيقاع عقوبة السجن ثماني سنوات على القس السابق. يشتبه بأن Preynat قد تحرش جنسياً بقاصرين بين عامي 1971 و1991 (15 سنة) بمعدل يقدر بقاصر إلى 3 قاصرين كل أسبوع. سيصدر القرار النهائي في هذه المحاكمة التي تتابعها وسائل الإعلام الفرنسية بدقة في 16 آذار 2020.

خصصت شارلي إيبدو مادة لقائها الأسبوعي لموضوع الإضراب وإصلاحات الرئيس ماكرون التي يصفها كثيرون بـ"النيوليبرالية"، والتقت مع "جورج" وهو موظف في صندوق النقد الدولي وعضو في تجمع أطلق على نفسه اسم "المندسون"، يضم متخرجين من مدارس فرنسا الكبرى التي ترفد مواقع القرار المهمة بالنخبة القيادية في البلاد والتي يعتبرها كثيرون حليفة للرئيس ماكرون. هذه المجموعة تعلن أنها غير راضية عن قرارات ماكرون الخاصة بالخصخصة وتعديل نظام التقاعد وترفض ما تسميه "الحداثة النيوليبرالية" وترغب في إحياء "روح التضامن" الذي يمثله نظام دولة الرفاه الاجتماعية التي وضع أسسها المجلس الوطني للمقاومة الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية. قال جورج إن معظم العاملين في صندوق النقد الدولي يدعم بحماس حزب الرئيس ماكرون حتى أن بعضهم يشهر دعمه للرئيس حتى على حسابه المهني في موقع لينكدين. وعبر جورج عن خيبته من انعدام كل قدرة على التعبير عن الرأي ضمن هذه الأوساط إذا لم يكن الشخص داعماً للرئيس ولكنه متفائل في الوقت ذاته من الصدى الذي يحدثه التجمع الذي أطلقه مع زملائه وبات يستقبل كثيراً من طلبات للعضوية. ولفت جورج الانتباه في لقاءه مع "شارلي إيبدو" إلى ما يميز إيمانويل ماكرون عمن سبقوه من الرؤساء الفرنسيين، فقال إن ماكرون يدّعي دوماً أن إصلاحاته "عادلة" وأنها حتى في صالح الأكثر حرماناً، بينما ما يحصل في الواقع هو منح امتيازات جديدة لرأس المال من خلال تخفيض الضرائب على الثروات، معتبراً أن هنالك نوعاً من النفاق لم يكن موجوداً لدى من سبقوه. ختم جورج ملمحاً إلى تجربة السترات الصفراء: "علينا، حتى يتم سماعنا، أن نعرف كيف نرتدي ستراتنا".

النشرة الإعلاميةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.