تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميشال أونفري: حول شعب "السترات الصفراء" الصغير والرأسمالية كأفق غير قابل للتجاوز

الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري في باريس 8 تشرين الأول/أكتوبر 2018
الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري في باريس 8 تشرين الأول/أكتوبر 2018 © أ ف ب

نشر الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري مؤلفاً جديداً على شرف "السترات الصفراء" مشغولاً على شكل أفكار يومية دوّنها خلال أيام التحرك الشعبي الذي انطلق في 17 تشرين الثاني 2018 ولا تزال فصوله مستمرة، تتواتر شدتها، صعوداً وهبوطاً، تبعاً للظروف المحيطة وموازين القوى والعوامل المختلفة. وأونفري، بين مثقفين يعدّون على أصابع اليد الواحدة، "فهم" سريعاً طبيعة ومصدر وأسباب الانتفاضة ولم يلبث يدافع عنها ضد "الدولة الماستريختية"، التي تنتسب إلى المعاهدة الأوروبية الشهيرة الموقعة عام 1992.

إعلان

يوميات الكاتب الفوضوي، الذي يدّعي تراحماً فكرياً مع خط برودون ومن خلفه الجيروندية السياسية في الثورة الفرنسية، جاءت بعنوان "عظمة الشعب الصغير" (منشورات ألبان ميشال) تدافع دون قلق أو تردد عن التمرد غير المتوقع الذي أطلقه "الشعب الصغير" أو "الشعب المعتّر البائس"، "الشعب الذي هو مَنْ تحت" (le Peuple qui est ceux-d’en-bas)، في وجه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون المتميزة عمن سبقها لجهة الذهاب إلى أبعد حد ممكن في مشروع "تغيير فرنسا". يعترض الشعب إذاً، بحسب أونفري وآخرين، على محاولات ماكرون تحويل البلاد إلى "start-up nation"، ليس تراثها وخصوصيتها مهمّين إلا بالقدر الذي يمكن معه قياس عوائدهما اقتصادياً، وتحويل نفسه ومن سيخلفونه إلى مديرين عامّين تنفيذين لهذه الشركة التي كان يطلق عليها يوماً اسم الأمة الفرنسية.

اختار أونفري الابتعاد عن المركز اليعقوبي القامع الذي تمثله باريس والاحتماء بالريف ككاتب مستقل ومنظّم لمحاضرات في "الجامعة الشعبية"، التي أسسها في مدينته "كاين" عام 2002 بعد الصدمة التي شكلها وصول مرشح اليمين المتطرّف إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، تتناول هذه الجامعة مواضيع تتعلق بتاريخ الأفكار والفلسفة والموسيقى والفنون وغيرها، مع تركيز دائم على "مناهضة" الاتجاه السائد المتعارف عليه داخل هذه الأطر. هكذا، كانت كذلك حلقات برنامج خصصته له إذاعة "فرنسا ثقافة" واستمر لعدة سنوات اقترح فيه أونفري "تاريخاً مضاداً للفلسفة" ينفض عبره الغبار عن منسيين ومُقلّل من شأنهم من قبل كُتّاب التاريخ الرسمي. هو، وفق نفسه، اشتراكي، فيدرالي، تعاوني، ريفي، من أنصار التسيير الذاتي والخط الصاعد من تحت إلى فوق. آنتي-ماركس، أنتي-روبسبيار، أنتي-الله... باعتبارها جميعاً صوراً للنعيم الموعود الذي يتحول دوماً سيطرة فكرية بلا حدود، إرهاباً دموياً، وتغييباً للعقل والإرادة والحرية.

يمكن أن نضيف أنه، دائماً بحسب تعريفه لنفسه، تحرري، أبيقوري (البساطة ومتع الحياة الصغيرة كشرط لتمام الذات)، ضد الثورة (بأل التعريف) ومع ما يسميه الثورات (بالجمع): يقيم خطته الثورية على أساس مضاعفة المبادرات "الفردية" والتعاونيات المحليّة، هنا وهناك وفي كل مكان، على شكل انفصال متصاعد عن الأطر الاقتصادية والاجتماعية والروحية التي تفرضها النيوليبرالية يؤدي في نهاية المطاف إلى "الثورة". من الأصغر فالصغير إلى الكبير فالأكبر، من القاعدة إلى القمة، ستجد المقاومات الصغيرة (micro) المتنوعة والمتكاملة طريقها إلى قلب النظام بهدوء ودون إشعال أية نيران، من خلال راديكالية سلمية وموادعة سيتنبه رأس المال لوجودها حين يكون وقت الالتفاف عليها قد فات.

هذا من جهة!

من جهة أخرى، يبدو ميشال أونفري على طرف النقيض من كل ما ذكر: برودون، الشعب الصغير، الله، الثورة، الاشتراكية... الخ. لا شك أن قلمه الغزيز سيجعل من الصعب تتبع خطواته الفكرية وانتقالاته المعرفية، لكن لا ريب أيضاً أن إطلالاته التلفزيونية ومداخلاته الإعلامية التي تكاد تكون شبه يومية يمكن أن تشكل ملخصاً رائعاً للتناقض الأونفري. فهو يبدو على قدر هائل من "الراديكالية" و"المطواعية" في الوقت نفسه، من ادعاء الانفصال عن عالم الصحافة الموبوء إلى الحضور بانتظام ضيفاً على أكثر المنابر صراحة في عدائها لـ"الشعب الصغير" ؛ من الانتساب إلى الفكرة الاشتراكية بتنويعتها البرودونية – الكامويّة Camus إلى "الاعتراف" بنهائية التشكيلة الرأسمالية باعتبارها الأفق الوحيد الممكن ؛ من مناهضة "تسليع كل شيء" الذي تمارسه دول الإيديولوجية الليبرالية (وأحياناً يقول النيوليبرالية) إلى الانخراط في تمجيد هيدونيّة بلا حدود ؛ من تقريع السوق الحر "الذي يبيع الحياة والموت والجسد والنفس" وإيديولوجية أيار 68 التي بررت ذلك فلسفياً إلى الوقوع في فخ أفكار هذه الإيديولوجيا بالذات وخاصة مفهومها للفرد الساعي وراء مصالحه وللدولة الضرورية الراعية لمبادرات الأفراد.

ويدور في فرنسا نقاش جاد داخل الأطر الاشتراكية الراديكالية حول أهمية وضرورة المشاركة في البرامج واللقاءات الحوارية على التلفزيون وقبول دعوات القنوات المختلفة. فبينما يعتقد أنصار الحضور بأن من شأن ذلك إسماع صوت النقد الجذري للنظام الرأسمالي وإيصال الأفكار إلى داخل بيوت لن يتحرك أصحابها بالضرورة لحضور ندوة وسماع الأفكار نفسها، يصر أنصار المقاطعة على أن الأثر الإيجابي المفترض المكتسب من قبول دعوات إلى جانب "خبراء محايدين إيديولوجياً" لا يقارن بالضرر الذي يقع على أصحاب النقد الراديكالي ولا بالفوائد الرمزية التي تجنيها وسائل الإعلام السائدة من وراء ذلك حين تدعي ديمقراطية مزعومة تتيح المجال للجميع ليعبروا عن أفكارهم، بينما يتم في الوقت نفسه، سحق أطروحاتهم على الهواء مباشرة، وإظهارهم بمظهر الحالمين غير الواقعيين أو المتطرفين.

اختار ميشال أونفري الحضور الكثيف، دائماً وفي كل مكان ممكن، تلفزيوناً وإذاعة وصحافة مكتوبة، بكافة تنوعاتها الإيديولوجية (ما عدا الماركسية واليمينية المتطرفة). مفترضاً، على ما يبدو، أن بإمكانه اختراق الرواية الرسمية التي تقدم فيها وطرح أفكار مختلفة، وذلك على الرغم من أنه يتم تذكيره غالباً بأنه يقول رأيه دون حجر أو رقابة وأن عليه، بالتالي، التزام الهدوء وعدم الإساءة إلى كرامة "الديمقراطية التمثيلية" المقدسة وينتهي في بعض الأحيان (رغماً عنه؟) إلى إقرار ذلك والاعتراف به ضد "كوبا وفنزويلا والصين"... الخ كما يراد منه أن يقول بالضبط. إلى جانب ذلك، هنالك بحسب المعارضين لمنح وسائل الإعلام هذه المزية حجة من طبيعة معنوية تقول بأن التواجد المنتظم لابد وأن يؤثر على المدى المتوسط والطويل على صاحبه محولاً إياه إلى مخلوق نرجسي غير ديمقراطي متمركز حول نفسه و"أفكاره"، كما هو حال وسائل الإعلام تلك.

ولكن ذلك ليس الناحية الأهم في مسار وسلوك الكاتب الاشتراكي المعني، بل بالتحديد قضية الموقف من الرأسمالية وطرق النضال ضدها وأهداف هذا النضال. فالرأسمالية، بالنسبة لأونفري، نظام موجود منذ وجد التبادل، ولا يعود هنالك بالتالي من فرق يذكر بين المشاع والإقطاع والبرجوازية، فكلها أنظمة "رأسمالية" تقوم على التبادل. واستناداً إلى هذه المقدمة الحاسمة، تكون النتيجة المنطقية الشكلية هي أن لا جدوى بل لا سبيل أساساً إلى مناهضة الرأسمالية أو محاولة القفز فوقها، ويصبح أونفري، والحال هذه، داعية جديداً لرأسمالية ذات وجه إنساني، أو أقل ظلماً وجوراً، دون أن يضع ولا مرة واحدة أسس النظام نفسه موضع شك: هكذا هو الحال منذ البداية ولا بد من التأقلم معه وتخفيف نتائجه السالبة.

واعتماداً على الصيغة المنطقية الأونفرية القدريّة fatale تلك، ستتحدد كذلك الوسائل الممكنة والمتاحة لما يسميه "التعامل مع الواقع" الذي يدفعه على ما يبدو إلى "قبول الواقع" إيجابياً والتنازل عن كل رؤية استراتيجية تضطر فعلاً للخضوع إلى الواقع المذكور في لحظة أو لحظات معينة لكن دون أن "تفقد الشمال" كما يقول الفرنسيون، في إشارة إلى البوصلة، للدلالة على من لا يحيدون عن الهدف المحدد حتى ولو اضطرتهم معطيات خاصة إلى "خيانة" فكرتهم الاستراتيجية مرحلياً، وهو الأمر الذي لا يتم بالمناسبة اعتباطاً أو كيفما اتفق بحيث يفتح المجال لكل الخيانات الممكنة القابلة للتبرير وفق مقولات "الواقع" و"منطق الواقع" التي تتخذ بالتالي بعداً دينياً متعالياً.

يقول أونفري "أعتقد أننا تنازلنا عن السياسة النظرية، بمعنى الأفكار الكبرى التي تنتج منها مشاريع للمجتمع، لصالح سياسة براغماتية وتجريبية بأفضل معنى: نجرب فإما أن ينجح ما نجربه أو يفشل بالإضافة إلى أخلاق وعدالة وديمقراطية مباشرة وحفاظ على الكوكب". الإيديولوجيات انتهت بالنسبة لأونفري ومن الواجب نسيانها كلياً والانطلاق إمبيريقياً ومواجهة الواقع مرحلياً وعلى المدى القصير. لكنه يعتقد أيضاً أن "الرأسمالية موجودة منذ أن وجد التعامل، منذ ما قبل التاريخ (...) ولا أظن أننا قادرون على إلغاءها". فهي بالتعريف "نمط إنتاج الثروة" على العموم، شيء لاإيديولوجي -فوق أو قبل إيديولوجي- وذلك بعكس ما تفترض الماركسية من أن ولادة التشكيلة الرأسمالية ارتبط تحديداً بالانتصار الذي أحرزته البرجوازية الصناعية في أوروبا. يوجد بالنسبة لأونفري رأسمالية ما قبل التاريخ ورأسماليات إقطاعية ومصرية قديمة ويونانية ورومانية وغيرها ثم رأسمالية أوروبية... إلخ. ثم وبما أننا سنظل على الدوام ننتج الثروة، لن نتمكن من تجاوز "المرحلة النهائية" من التطور الرأسمالي التاريخي.

في افتتاحية كتابه الجديد، يبدأ أونفري بهجوم على الماركسية محاولاً على ما يبدو متابعة ما لم يستطعه أستاذه برودون في مواجهة ماركس. يقول أونفري بخفّة: "التاريخ يعيد نفسه. ولكن سيكون من غير المجدي والسخيف تأييد الأسطوانة الماركسية المشروخة التي وفقاً لها فإن ما يبدو أول مرة في شكل تراجيديا يعود دوماً في شكل كوميديا. فكر خاطئ لأغنام حقيقية، كسل فكري وسهولة خطابية". ولكن، إذا كان أونفري يعيب على ماركس تعصباً مفترضاً لفكرته الخاصة عن الاشتراكية، فإنه برده للتحليل الماركسي من العتبة وبطريقة تقترب من الهذيان المتعصب نفسه، يسلك سلوكاً غير تراكمي لا ينتبه إلى أن الماركسية حلقة إضافية ودفعة كبرى إلى الأمام في تاريخ الحركة الاشتراكية الأممية. سبق للشعبويين الروس أن قبلوا تماماً وكلياً التحليل الماركسي للدينامية الرأسمالية ورفضوا في الوقت نفسه اقتراحات ماركس جميعها للشكل الذي سيتخذه عالم ما بعد الرأسمالية، الاشتراكي ومن ثم الشيوعي، وخاصة كما فهمها وطبقها البلاشفة.

على أي حال، وكما اعتبر ماركس مرةً بالنسبة إلى برودون، فإن الأمر حتى وإن لم يكن متعلقاً بأصالة فعلية في المحتوى، يمكن الترحيب بخطاب أونفري على الأقل بسبب الطريقة الجديدة والجريئة التي يقول بها أشياء معروفة تماماً. تجني الطبقة العاملة فائدة من وجود أونفري في ذاته، يرفع صوته الحاد والحاسم دفاعاً عنها، وليس من وجود لذاته، إي بالنسبة لوعيه عن نفسه والمشروع الذي يطرحه، والذي قد لا يكون في نهاية المطاف سوى مساهمة إضافية في خفض سقف "حلم عُمّالي" بتجاوز الرأسمالية تماماً وتخيّل عالم كامل مختلف أشد الاختلاف راديكالياً radix-alis!

هنا مقابلة مع ميشال أونفري لمجلة "ماريان" الفرنسية أجراه الصحفي والكاتب كيفين بوكو فيكتوار ونشر في 18 كانون الثاني/يناير 2020.

-----------------------------------------------------------------------------------------------

ماريان: كتبت تقول إن حركة "السترات الصفراء" هي عودة لمكبوت الدولة الماستريختية. بأي معنى؟

ميشال أونفري: تتكون الدولة الماستريختية من جميع الدول التي انضمت إلى الأيديولوجية الليبرالية منذ معاهدة ماستريخت في عام 1992. وهي تريد تدمير الدول ذات السيادة من أجل إقامة الليبرالية على أراض مدعوة إلى أن تتسع رقعتها في ضوء هدف بسيط حدده جاك أتالي Jacques Attali بوضوح: الحكومة العالمية لنخبة تعرف ما يجب فعله لفعل ما هو جيد (السوق الحرة وتسليع كل شيء، الحياة والموت، بما في ذلك الجسد والروح...) ضد الشعوب التي جعلها حمقاء أولئك الذين يتهمونها بالحمق بغية مصادرة سيادتها. تفرض هذه الدولة الليبرالية، وهي بما يتجاوز الحد، كما نعلم، الفقر: عدد أكبر من الفقراء، يزدادون فقراً، وعدد أقل من الأغنياء، يزدادون غنىً. ذلك هو البؤس الذي يُسمع صوته في حركة "السترات الصفراء": هذا الشعب الصغير يطلب الرحمة من أولئك الذين يستغلونه، ويذلونه، ويصادرون كرامته، وسيادته، وينهبونه، ويفرضون عليه الضرائب، ويهينونه منذ عقود من ممارسة سلطة مطلقة. تم تقديم التصويت بـ"نعم" على معاهدة ماستريخت باعتباره الدواء الشافي من جانب الاشتراكيين والشيراكيين: عمالة كاملة، صداقة بين الشعوب، ازدهار اقتصادي، نمو مشترك، ونهاية للحروب. بعد سنوات، حصلنا على بطالة معمّمة، مناخ حرب أهلية، هجرة غير خاضعة للرقابة، اقتصاد هابط، وعنف لم يعد بإمكان ما تبقى من الدولة مواجهته. أصحاب "السترات الصفراء" هم أكثر الضحايا تضرراً من هذا النظام القوي مع الضعفاء والضعيف مع الأقوياء.

برأيك، الحل السياسي الوحيد هو إذاً في الخروج من الاتحاد الأوروبي واليورو؟

إنه أولاً وقبل كل شيء استعادة السيادة الوطنية التي بدونها نكون خدماً وعبيداً وتابعين. إن تحوّل كلمة "سيادة" إلى شتيمة يخبر حول درجة الخنوع التي يرغب الحاكمون في إخضاع المحكومين لها! أي ديكتاتور هو ذلك الذي أطلق علانية وبشكل كلبي مشروعاً كهذا؟ لا أحد.

طالما أن فرنسا محاصرة من خلال جهاز ماستريخت هذا، فلا يمكنها في الواقع اتباع سياسة أخرى غير سياسة الليبرالية. وهي ليست ليبرالية القرن الثامن عشر، التي كانت زيادةً في الحريات ضمن نظام من الحكم المطلق، ولكن هذه الليبرالية التسلطية التي تحوّل كل شيء إلى واقع مادي بهدف بيعه بشكل أفضل، وتفرض نفسها من الأعلى، بواسطة الإقناع، بواسطة البروباغندا، و، إذا لم يكن ذلك كافياً، فبواسطة القوة.

لا يمكن أن تكون كلمة أوروبا الأخيرة هي نسختها الماستريختية! من شارلمان إلى هتلر، مروراً بنابليون، كانوا كثراً أولئك الذين يريدون أوروبا. جان مونيه Jean Monnet، الذي لم يتوقف عن العمل على نسخته الرأسمالية الأمريكية، ليس إلا مجرد تنويعة على ذلك. إنها أوروبا التي احتفل بها ميتران حين أدرج رفات هذا الرجل الذي لا ينصح بعشرته في البانتيون (مقبرة عظماء فرنسا). اقترح ديغول أوروبا أخرى، من المحيط الأطلسي إلى جبال الأورال، أوروبا الأمم. هي أوروبا خاصتي. وهي تفترض، فعلاً، خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي Frexit.

أنت راضٍ عن حقيقة أن حركة "السترات الصفراء" رفضت كل متحدث رسمي باسمها وكل تنظيم هرمي. ولكن ألا يشكل ذلك نقطة ضعفها؟ ألم تثبت الحركة عجزها عن هيكلة نفسها، وفي النهاية أليست محكومة بأن تتلاشى أو أن يتم استغلالها؟

لم أكن راضياً عن ذلك حيث أنني دعوت بالعكس إلى تنظيم داخلي تحت طائلة تلاشي الحركة! في الفصل المعنون "التمرد وما بعده" (وعنوانه الفرعي يعطي الكتاب عنوانه: عظمة الشعب الصغير)، أطرح سؤال "كيف يمكن التنظيم؟" وأجيب على ذلك في حوالي عشر صفحات... لا يعقوبيّة ولا عفوية ولا تبعية، بل منطق المجالس ومجالس المجالس، المنطق البرودوني. أرفض التنظيم المفروض من خارج الحركة والذي، علاوة على ذلك، أظهر أنني كنت محقاً في خشيتي منه فقد كان ذلك بداية نهاية الحركة مع الاستغلال الذي مارسته حركة "فرنسا العصية" والحزب الشيوعي والنقابات وأحزاب اليسار، دون أن ننسى استغلال أحزاب اليمين. لم يكن التلاشي بديلاً عن الاستغلال: لقد تلاشت الحركة بسبب وقوع محاولات استغلالها.

بالنسبة إليك، يرفض "السترات الصفراء" كلاً من ميلانشون ولوبان، اللذين ينتمي كلاهما إلى النظام. في الانتخابات الأوروبية الأخيرة، صوّت ما يقرب من نصف الفرنسيين الذين أعلنوا أنهم "قريبون من السترات الصفراء" لصالح قائمة "التجمع الوطني" (اليمينية المتطرفة) بقيادة جوردان بارديلا. ألا تتحول مارين لوبان في نهاية الأمر إلى ممثل "الكتلة الشعبية"؟

إنك ترتكب خطأً متكرراً لدى الصحفيين، وهو أيضاً خطأ علماء السياسة وغيرهم من أصحاب السلطة، والذي يتمثل في نسيان أن أكبر الفائزين في الانتخابات الأوروبية الأخيرة لم يكونوا ناخبي مارين لوبان، بل، دعني أذكركم، الـ49٪ من الأشخاص الذين لم يصوتوا، أي 23 مليوناً و613 ألفاً و645 شخصاً ؛ والـ1.17٪ الذين صوتوا بورقة بيضاء، أي 551 ألفاً و724 ناخباً ؛ والـ1.10٪ من أصحاب التصويت الباطل، أي 525 ألفاً و111 ناخباً. ولكن أيضاً كل الذين صوتوا للأحزاب الصغيرة - مثل حزب الكلاب والأسماك الحمراء... الناس الذين امتنعوا عن التصويت، الذين صوتوا أبيض أو تصويتاً باطلاً، أو أيا كان، المقتنعين بأنه لا طائل من التصويت، كانوا يفوقون بكثير أولئك الذين ذهبوا للتصويت. هذه هي نتيجة الانتخابات الأوروبية في أيار 2019! وليس على الإطلاق ما علقت عليه وسائل الإعلام مدعية بأن لوبان حلت أولاً، ماكرون في المرتبة الثانية، لكن ماكرون محق في القول إن الخسارة بفارق ضئيل كهذا يعني أنك الأول!

مارين لوبان ليست بالتالي ممثلة التصويت لـ"سترات صفراء"، لكنني أفهم أن من مصلحة النخب جعل الناس تعتقد بمثل هذا الشيء: إن هذا التضليل يندرج ضمن منطق شيطنة "السترات الصفراء" بواسطة جنود الدولة الماستريختية الصغار.

أنت تدافع عن الديمقراطية المباشرة "على جميع المستويات" والمستوحاة من برودون. هل تعتقد أن ذلك ممكن حقاً في بلد مثل فرنسا ذي ثقافة يعقوبية؟

إنه وبالضبط لأننا في بلد يعقوبي ولأن هذه المركزية الباريسية يرجع تاريخها إلى عهد فيليب الجميل، وهي مستمرة وصولاً إلى ماكرون، فإن من الواجب النظر في إمكانية جمهورية أقاليم ومناطق تحريرية على أساس مبدأ صاغه برودون بالفعل في كتابيه "في المبدأ المُفَدرل" و"في القدرة السياسية للطبقة العاملة". لكن هذه النظرية وهذه الممارسة تم تقليصهما من قبل اليعاقبة الرئيسيين الذين هم الماركسيون، الذين لم يتراجعوا أمام أي شيء بغية فرض قانون-العنف خاصتهم وحشو صناديق الاقتراع والترهيب وحملات التشهير أثناء عمليات التصويت التي شهدتها انتخابات "الأممية".

جميع المرشحين للانتخابات الرئاسية الأخيرة كانوا يعاقبة، وخاصة ميلانشون، ولوبان كذلك. بالإضافة إلى ذلك، فإن السياسيين الذين يتحدثون عن الجيرونديين يفعلون ذلك أملاً في أن يكونوا قادرين على تحقيق مكاسب في الإقليم ثم يتصرفون بعد ذلك كيعاقبة في منطقتهم – أفكر بجان بيار رافران Raffarin أو آلان جوبيه Juppé. الثورة الفرنسية غير معروفة جيداً. وحين تكون كذلك، فهي، إلى جانب تساقط الكليشيهات حولها، في معظم الأحيان ثمرة التأريخ الماركسي، إذاً اليعقوبي - أفكر بألبير ماتييز Mathiez وبألبير سوبول Soboul... الجيرونديين هم أهل هذا التاريخ المساكين. عندما يتعلق الأمر بهم، غالباً ما يتم تقديمهم من وجهة نظر خصومهم.
تنبع ثقافتنا اليعقوبية من المخطط المسيحي، فهي تعيد تنشيط المنطق التوحيدي. إله واحد في السماء، مكان واحد للسلطة: العاصمة، الرأس بالمعنى الإيتيمولوجي، أي باريس. أراد الجيرونديون أن يكون وزن باريس 1/83 من أصل التمثيل الوطني. قطع روبسبيار وصحبه رؤوسهم في باريس. هذه الثقافة نفسها، التي أفسدتها الماركسية اليعقوبية، تتجاهل التقاليد التحررية للاشتراكية الفرنسية - برودون، سيباستيان فور Sébastien Faure، هان راينر Han Ryner، جان غراف Jean Grave. أعتقد بالفعل أن هذا الخيار قادم. وهذا ما قلته قبل الانتخابات الرئاسية في نص على شكل برنامج بعنوان "نزع استعمار الأقاليم".

حالياً، في 31 كانون الأول 2019، تبدو حركة "السترات الصفراء" ميتة إلى حد ما، وتعارض حركة اجتماعية قوية ماكرون وتشل البلاد. ألا نشهد أخيراً عودة للنضالات الاجتماعية الكلاسيكية تقودها النقابات وهي الوحيدة القادرة على إطلاق وقيادة الإضراب العام؟

اليوم، يبدو أن النقابات تطيع القاعدة أكثر مما تطيع القاعدة النقابات... هذه الحركة جارية حالياً. سنرى ما ستؤدي إليه، ووقتها سيسمح لنا ذلك بالحكم. على الرغم من الفوضى المعممة في فترات الأعياد هذه، فإن الحكومة تراهن على التعفن حتى بداية كانون الثاني 2020، يوم 7، موعد استئناف المفاوضات. لكن لنذكر أنه كانت هناك بالفعل مفاوضات استمرت عامين مع... النقابات! ما الذي فعلته هذه النقابات لمدة عامين سوى إظهار أنها لم تحصل على شيء وأنها لم تحقق شيئاً ولذا فقد أعلنت الإضراب؟ الإضراب العام، ليس الحال على هذا النحو. لكن غضب "السترات الصفراء" لا يزال دون تغيّر.

 

أيضاً: الفيلسوف جان كلود ميشيا في "رسالة حول السترات الصفراء": اليسار حليف ماكرون خلاف ما يعلن!

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.