تخطي إلى المحتوى الرئيسي

"اليسار ضد التنوير؟": اللاعقلانية ومعاداة الكونيّة والهوس بالهويات كأساس للتحرر؟

الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926 - 1984)
الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926 - 1984) © أ ف ب

استبقت مجلة "ماريان" الفرنسية التاريخ المقرر لصدور كتاب جديد لأستاذة الفلسفة الشابة ستيفاني روزا بعنوان "اليسار ضد التنوير؟"، 29 شباط 2020، وأجرت معها مقابلة حول موضوعه والذي هو، إن صح التعبير، "موضوع الساعة" داخل الأوساط الاشتراكية والشيوعية والفوضوية: "اليسار"، مع كل ما تحمله هذه الكلمة من التباس وغموض، وعلاقته بالطبقات الشعبية، بما بعد الحداثة، بالأنوار، بسياسات الهوية، بالنزعة الكونية، بالعلمانية... بفوكو، بدريدا، بدولوز... وما شابه.

إعلان

وهذا الكتاب هو "المنشور" الأخير لستيفاني روزا Stéphanie Roza، المتخصصة في الفلسفة السياسية بجامعة باريس الأولى والعاملة في إطار المركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسي. قبل ذلك، شاركت روزا بدراسات في عدة مؤلفات تتعلق بفلسفة الثورة الفرنسية وتاريخ الفكر الجمهوري وأصول الاشتراكية في القرنين السابع والثامن عشر، بالإضافة إلى تاريخ الفكر النقدي وتراث عصر الأنوار. هذا هو إذاً "عطش" السيدة: الاشتراكية والماركسية وعصر التنوير... وبصفة عامة القرنان الثامن والتاسع عشر اللذان يمكن اعتبارهما من نواحٍ عدة قرني العالم الفرنسيان بامتياز: الثورة الكبرى والجمهورية ونابليون العظيم ثم التوسع الامبراطوري وهيمنة اللغة والآداب والفلسفة الفرنسية والثورات والانتفاضات الشعبية العمالية الفلاحية التي لا تحصى. أولهما هو قرن المعلّمين هيغل وروسو الذي مهّد للثاني: قرن التلميذ ماركس "ابن القرن الثامن عشر الفرنسي" كما تسميه روزا في إحدى دراساتها.

واليوم، مع تسيّد معاداة النزعتين الكونية والإنسانية لمصلحة الخصوصيات في أوساط وصفوف اليساريين وتصدرهم "العنيف" والبذيء في أحيان كثيرة للمشهد، ترغب روزا في الانخراط في عملية إعادة الاعتبار لحقوق الإنسان الشاملة "بغض النظر عن..." والتأكيد من موقعها الشيوعي على أن للهوس اللامحدود بالخصوصيات آثاراً شديدة الضرر على كل نضال تحرري ينطلق من موقع يساري مفترض. وتعود أهمية التوكيد على "الموقع" الشيوعي الذي تنطلق منه روزا وغيرها (ويرغبون في الانتهاء إليه)، إلى أنه يحول الاتهامات بـ"اليمين المتطرف" أو بـ"الرجعية"، التي لا يتوانى مناضلو اليسار عن إشهارها على الطالع والنازل، إلى سخافة لا مثيل لها.

تقول ستيفاني روزا: "نحن جميعاً خاصّون. نحن جميعاً نتاج للعديد من التعيينات. لا يمكننا خوض المعارك سياسياً إلا حول الأشياء المشتركة. لا يمكن لكل واحد أن يطالب ويدعي وضعاً استثنائياً لأن الحياة الاجتماعية تصبح مستحيلة". وهذا المقطع يلخص المقابلة أولاً ويشير، ثانياً، فلسفياً إلى الصيغة الماركسية المعروفة والتي ينتج وفقها البشر وجودهم اجتماعياً ويصنعون على الدوام تاريخهم ولكن ليس على هواهم على الدوام. نحن جميعاً "نتاج" produit لعديد من التعيينات déterminations = dé-term-inations، والمقطع terme يعني "الحد والنهاية والشرط" الذي لا يعرف لوناً أو جنساً أو ظرفاً اجتماعياً. الكلية universalité الفلسفية تقتضي تكوّن الكون être (المحدد، أياً كان، الجميع) حتماً بحدود وشروط "خاصة". وكان من الوارد أيضاً أن تُلحق عبارة "نحن جميعاً خاصون" بـ"وبالتالي فنحن جميعاً غير خاصين"، وذلك لأن عمومية التخصيص المطلقة "تتطابق" مع التخصيص العمومي المطلق بدوره: إن الإشارة إلى طابع خاص ومحدد معين يطال "الجميع" يعني انتفاء الحاجة أصلاً إلى الإشارة إليه، باعتبار أن الجميع خاصون بمعنى ما "يخصّهم". المطلق حد على النسبي والعام حد على الخاص والعكس بالعكس وتناقضهما الذي يبدو مانويّاً ومطلقاً وحاداً وقاطعاً ليس في نهاية المطاف على تلك الدرجة من المانويّة والإطلاق والحديّة والقطع.

وإن واحدة من أبرز المخاطر التي يكتنفها تحويل البشر إلى "جماعات" ألوان وأعراق فقط يطلب من كل مُنتمٍ إليها الالتزام بالرأي الواحد والتفكير بنفس الطريقة، هو انحطاط النقاش الديمقراطي داخل مجتمع من المتساوين. أو ما يسميه كريستوفر لاش "بلقنة الرأي" Balkanisation de l'opinion (ويسميه الياس مرقص "الشرقية الكوسمية الفنائية") الذي يرسي مناخاً عرقياً وطائفياً وعدمياً على الجدل الاجتماعي يشبه الحرب الأهلية البلقانية التي لا مجال فيها إلا إلى إفناء الآخر تماماً ولا سبيل ضمن منطقها للتوصل إلى تنازلات وتقاطعات ومشتركات، بل فقط الإعدام المتبادل والحرب الشاملة بلا نهاية. يضيف لاش: "كم من الوقت لا يزال يمكن للروح الحر الناقد والداعي إلى النقاش المفتوح أن يبقى فيه على قيد الحياة في ظل شروط كهذه؟".

نأتي الآن إلى النقد الذي يُوجّه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي الذي فعل كذا ولم يفعل كذا. ليس صحيحاً "بما فيه الكفاية" أن الحزب لم يدافع "بما فيه الكفاية" عن حقوق المستعمَرين أو حقوق العمالة المهاجرة بعد الحرب، بل كان موقفه المعلن أكثر ديالكتيكية بقليل بقدر ما كان بسيطاً! لدينا الشعاران الأثيران على أحزاب العالم الشيوعية في القرن العشرين: يتوجه أولها إلى "الأمم" ويدعوها إلى أن "تمتلك ناصية أمرها" (والذي ترجمناه إلى "حق الشعوب في تقرير مصيرها") ويتوجه الثاني إلى "عمال جميع الأمم" ويدعوها إلى الوحدة (والذي ترجمناه بالطريقة الملتبسة ذاتها إلى "يا عمال العالم اتحدوا"). هنالك أمم، وعلى عمالها أن يحققوا معادلة أن يكونوا nationaux وinternationaux في الوقت نفسه، على طريقة "الوطنية الشعبية" الغرامشيّة. "الوحدة" الستالينة أو الناصرية الجامعة والساحقة خبط عشواء بين ملايين المختلفين مشروع باء وسيبوء على الدوام بالفشل الذريع. ورغم تصريحات شيوعية فرنسية قد تعتبر متناقضة حول فيتنام والجزائر، فإن إعادة التوكيد على نضال الحزب الشيوعي الفرنسي (وشقيقه الإيطالي على وجه الخصوص) في خطه الرسمي في سبيل نزع الاستعمار يقترب بنا من حدود الابتذال. أما موقفه من العمالة المهاجرة، فإن الحزب كان صريحاً في رفضها لما ستجره على العمالة الوطنية من خفض في الأجور وما ستتسبب به من إبراز عوامل الشقاق بين الطبقة العاملة الوطنية والمهاجرة تحرفهما عن مسار توحيد النضال "العابر للأمم". تبقى قضية الـ"بما فيه الكفاية" وهي على الدوام حجة اليسار الطائفي: كل الجهود غير كافية على الدوام ومهما كان ما تم فعله وتحقيقه حتى الآن فهو دوماً ناقص. إن لوم الأحزاب الشيوعية في المراكز الكولونيالية على أنها لا تفعل "المزيد" يشبه مطالبة المركز الكولونيالي نفسه (أو الرجل الأبيض وغير ذلك) بفعل المزيد على الدوام. إنه أشبه باعتبار الحزب الشيوعي الفرنسي نفسه مسؤولاً عن الاستعمار لكونه فرنسياً. للأمم الحق في امتلاك ناصية أمرها، أما كيف ستفعل ذلك وما الذي سينتج عنه فهو شأنها ورهن حكمتها وقدرتها وشجاعتها والظروف المحيطة بها.

في نهاية المطاف، يبدو أن الخط الاشتراكي الناقد لـ"بعض أوجه" التقدم، المناهض للياقة والصواب السياسيين، المعيد ربط أوصاله بتراث التنوير الفرنسي الكوني العلماني الجمهوري، النافض عن كاهله صفة "اليسار" الغامضة، المعترف بإدارة ظهره (إن لم يكن احتقاره) لهموم الطبقات الشعبية والمتحرر من ابتزاز الاتهام باليمينية أو الرجعية أو القدامة أو خدمة التطرف القومي العنصري قد بدأ يتخذ شكلاً وقواماً وانطلقت ضمن أوساطه النقاشات والخلافات العقلانية الإيجابية المفيدة والوديّة والتي ربما تساهم ليس فقط في عدم إفساد القضية بل في (إعادة)تكوينها نظرياً نهائياً على قاعدة الطبقي والاجتماعي ووضعها موضع العمل الفعال.

أستاذة الفلسفة الفرنسية ستيفاني روزا تصدر كتاباً جديداً بعنوان "اليسار ضد التنوير؟"
أستاذة الفلسفة الفرنسية ستيفاني روزا تصدر كتاباً جديداً بعنوان "اليسار ضد التنوير؟" © يوتيوب / fayard.fr

أجرى هذا الحوار الصحافي والكاتب الفرنسي كيفين بوكو-فيكتوار ونشرته المجلة في 25 شباط 2020.

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

ماريان: ليس التنوير بالنسبة لك "تياراً فلسفياً". ما هو إذن؟

ستيفاني روزا: اعتمدت على كتاب صغير ألفه برتراند بينوش Bertrand Binoche بعنوان "اسحقوا السفالة" (La Fabrique, 2018) والذي يوضح فيه أنه لا توجد "فلسفة" للتنوير، لأنه لم يكن لجميع الكُتّاب الخطاب نفسه. بل يختلفون في مواضيع معينة. إن قرن التنوير هو قبل كل شيء قرن من النقاشات، ليس فقط بين التنوير ومناهضيه، ولكن ضمن التنوير كذلك. أعتقد أن فلاسفة التنوير يتشاركون عدداً معيناً من النقاط والكفاحات. ويتعلق الموضوع في الأساس بطريقة في التفلسف، باعتباره كفاحاً نظرياً سياسياً ضد الفكر المسبق، لصالح الروح النقدية وضد التعصب. هنالك "إيتوس" ethos وطريقة لربط النظرية بالسلوك الشخصي بالمعنى الأخلاقي والسياسي.

لماذا يكون التنوير على هذا القدر من الأهمية بالنسبة إلى اليسار؟

اليسار يتجذر في التنوير. إن فكرة جماعية الممتلكات موجودة منذ العصور القديمة، مثل فكرة المساواة، وحتى الملكية الجماعية، حتى لو لم يتم استخدام هذه الكلمة. بالمقابل، فقد ظهرت الشيوعية الحديثة خلال الثورة الفرنسية، والتي لم يكن قد أطلق عليها بعد هذا الاسم، مع بابوف Babeuf، تماماً كما كان الأمر مع النسخ المختلفة من النزعة المساواتية، في حركات مثل "السان كيلوت" أو خلال فترة المجلس، حول روبسبيار وإلى يساره، وسيلفان ماريشال Sylvain Maréchal يصوغ أفكاراً ستؤدي إلى ولادة الأناركية. ولد اليسار في بوتقة الثورة التي تتغذى على التنوير.

سبارتاكوس، توماس مونتزر Thomas Müntzer، الأخوان غراكوس Gracques: ألم توجد محاولات تحررية قبل التنوير؟

لطالما وجد أشخاص انتفضوا ضد القمع. لكنهم لم ينتجوا نظرية عن التحرر في ظل ظروف العالم الحديث. توماس مونتزر هو من معتنقي مذهب الألفية المسيحي. سبارتاكوس لم ينتج أي نظرية محددة، وكذلك الأمر بالنسبة للأخوين غراكوس.

كيف نفسر أن جزءاً من اليسار ينكر اليوم هذا التراث؟

كتابي لا يستنفد كل الأسباب. أنا أركز على النظرية، ولكن هناك أيضاً أسباب تاريخية: سياق نزع الاستعمار، فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الستالينية، إلخ. هنالك أسباب سياسية تشرح لماذا سعى عدد من المثقفين إلى إيجاد طرق أخرى لصياغة رغبتهم في التحرر أو نظريات لـ"تعكير صفو النظام العام". في كتابي، أقوم بتحليل ما غذى في المجال الفكري نظريات أو سفسطات ضد التنوير. لقد وجدت على وجه الخصوص في الترحيب الذي حظي به كل من نيتشه وهايدجر، خاصة في فرنسا، ثم في الحظ المذهل لفلسفات ما بعد البنيوية، مصدراً نظرياً لرفض التنوير.

هل لعب أيار 1968 دوراً كذلك؟ هل تعتبر معركة "اليسارويين" ضد الحزب الشيوعي أحد أسباب ذلك؟

نعم، رغم أنني لم أطور هذا الجانب. تمتع الحزب الشيوعي الفرنسي بهيمنة كانت حتى قبل قليل من أيار 68 لا تطاق بالفعل بالنسبة إلى عدد من المثقفين. تلك هي حالة شخص مثل فوكو. مع بعض الاستثناءات النادرة، يتم نسيان أنه كرس نشاطه السياسي في السبعينيات لمحاربة "اليسار القديم" والتقاليد الاشتراكية بشكل عام وخاصة الشيوعية.

لماذا تعد النزعة الكونية جوهرية من منظور نسوي أو مناهض للعنصرية؟

ليست معاداة العنصرية والنسوية سوى تنويعات تأتي من النزعة الإنسانية. استندت النسويات الأوائل، مثل ماري فولستونكرافت Mary Wollstonecraft، في كتاباتهن المبكرة على "إعلان حقوق الإنسان". وأراد المقاتلون الأوائل المناهضون للعبودية توسيع حقوق الإنسان لتشمل العبيد. في رأيي، إن النسوية ومناهضة العنصرية والنزعة الإنسانية هي الشيء نفسه. حيث يتعلق الأمر بنزعة إنسانية مفهومة جيداً. يصر معادو النزعة الكونية على ما هو خاص بدل ما هو مشترك بين الناس. الأمر المشروع هو المطالبة بحقوق متساوية، وليس حقوقاً خاصة.

لكن ألا ترتبط التمييزات بالضبط بخصوصيات محددة؟ هل تواجه امرأة سوداء، على سبيل المثال، القمع ذاته الذي تعاني منه امرأة بيضاء؟

المشكلة هي أن من الممكن متابعة ابتكار خصوصيات داخل الخصوصيات إلى ما لانهاية. إذا كان الأمر يتعلق فقط بالقول على سبيل المثال: "هناك خصوصية لكونك امرأة وسوداء"، فأنا موافقة. لكن النسويات المؤيدات للنزعة الكونية لم يكن لديهن أبداً مشكلة في هذا. في القرن العشرين، أشارت نسويات مؤيدات للنزعة الكونية أنه في بعض الحالات يكون هناك اضطهاد مزدوج. هذا ليس أبداً من اختراع التقاطعيين intersectionnels. الجديد في الأمر، والذي يبدو لي بمثابة خطوة إلى الوراء، هو تبرير تنظيم منفصل ومطالب منفصلة. في النهاية، لا تواجه النساء السود المثليات جنسياً ما تواجهه النساء السود المغايرات جنسياً. وبالمثل، فإن النساء السود اللواتي يملكن رجلاً واحدة يمثلن حالة خاصة وهكذا. يمكننا أن نتابع على هذا النحو إلى ما لا نهاية. نحن جميعاً خاصّون. نحن جميعاً نتاج للعديد من التعيينات. لا يمكننا خوض المعارك سياسياً إلا حول الأشياء المشتركة. لا يمكن لكل واحد أن يطالب ويدعي وضعاً استثنائياً. الحياة الاجتماعية تصبح مستحيلة.

هل تأخذين عليهم منعهم تشكل جبهة تحرر مشتركة؟

إن هذا لموجود حتى في فكرة التقاطع نفسها. هذا هو ما يوجد بين الناس، لكنه ليس ما هو مشترك. إنها لفكرة مضحكة تلك التي ترغب في التأكيد على ما يفصل بين الناس، بدلاً مما يجمعهم. فوق ذلك، فإن لهذه الفكرة تأثيرات ملموسة حيث تترافق بعدوانية مذهلة من جانب الناشطين التقاطعيين – الذين لا يجب الخلط بينهم وبين المهيمَن عليهم- ليس ضد العنصريين، ولكن ضد مناهضي العنصرية من مناصري النزعة الكونية. إن صراع الأشقاء هذا يستحوذ علينا تماماً ويمنعنا من التقدم.

في عام 1956، استقال إيمي سيزير Aimé Césaire من الحزب الشيوعي الفرنسي برسالة بعث بها إلى موريس توريز Maurice Thorez واتهمه فيها بالعجز عن تولي مسؤولية الكفاح ضد الاستعمار ومناهضة العنصرية. ألم يكن هناك نقاط عمياء في ماركسية معينة تسببت في توليد كل هذا؟

نعم، ذلك مما لا نقاش حوله. لقد أورثنا ستالين مشاكل كبرى. من الواجب بالتأكيد أن يؤخذ السياق بالاعتبار وألا نحاكم بالضرورة بواسطة أعيننا اليوم. لكن بالفعل، لم يدافع الحزب الشيوعي عن حقوق المستعمَرين بالاستقلال، ولا بعد ذلك في السبعينيات، حقوق العمال المهاجرين بقوة كافية. لقد قدم بذلك فرصة لظهور جميع هذه التيارات.

هل تعتقدين أن يسار "التفكيك" ما بعد الحديث -فوكو، دريدا، دولوز- الذي كان أول من شكك في النزعة الكونية فضل بشكل غير مباشر انتصار النيوليبرالية؟

لا أريد أن أمنحهم أهمية سياسية مبالغاً فيها. إنهم يشكلون مشكلة بالنسبة لليسار على وجه الخصوص. في الخارج، ليس لديهم أهمية كبيرة. لكن صحيح أن هناك صلات اختيارية بين النيوليبرالية وبين هذا اليسار الذي ارتوى منها. هناك شكل من أشكال التمركز على الذات في مطالب التقاطعيين لا تكل عن أن تنقسم وتتحدد أكثر فأكثر. وهذا يتماشى بشكل جيد مع النيوليبرالية. هناك الكثير من أوجه التقارب بين الاثنين.

أنت تستنكرين معاداة النزعة التقدمية لدى اليسار. أكثر من كونه نقداً لكل أشكال التحسين الاجتماعي، ألا يكون نقد النزعة التقدمية -لدى سورل Sorel، ميشيا Michéa، ولكن أيضاً أورويل أو سيمون فيل Simone Weil- نقداً لإيديولوجيا ساذجة من شأنها أن ترى في كل جديد تقدماً وأن تعتقد أن مجتمعنا يتحرك بشكل طبيعي نحو أفضل العوالم؟

إذا كان الأمر على النحو الذي ذكرته فقط فأنا موافقة. لكن ليس هذا ما يقولونه. لذلك ينبغي عليهم صقل وتوضيح أطروحاتهم. هنالك لدى ميشيا على وجه الخصوص "التقدم" Progrès، مع حرف أول كبير، والذي ينبغي تعريفه. بالنسبة لسورل، فإن نقده يتغير بحسب الفترات. هناك لحظة في حياته رفض فيها التقدم، لكنه في تلك اللحظة كان يرفض كل شيء: العقلانية، النزعة الكونية، كان معادياً للسامية، إلخ. أعلم أنه في زمن الاحترار المناخي والكوارث الطبيعية، من الصعب القول إن من الواجب علينا أن نستمر هكذا. يجب بطبيعة الحال أن توضع بعض أوجه التقدم الكمي، الصناعي أو الاستهلاكي موضع تساؤل. ليس الهدف بالتأكيد أن نستهلك أكثر فأكثر على الدوام.

بالضبط، ألا يبرر الاحترار المناخي، ولكن أيضاً الاغتراب الرقمي وبعض القوانين الأخلاقية الحيوية والذكاء الاصطناعي وحتى مابعد الإنسانية، اتخاذ مسافة نقدية في مواجهة التقدم؟

في رأيي، يجب التمييز بين التقدم التقني وبين استخداماته الاجتماعية والأخلاقية. بهذا المعنى، ما زلت تقدمية. أعتقد أن التقدم التقني بما هو كذلك يمكن أن يساعدنا، ولكن ليس تحت أي ظرف من الظروف. إن معرفة أفضل في علم الوراثة، على سبيل المثال، يمكن استخدامها لأغراض علاجية. لكننا نحتاج إلى سيطرة سياسية ومواطنية على الجماعة البشرية. لا نملك هذه السيطرة اليوم وهو ما يطرح مشكلة.

أليست الانحرافات متضمنة في التقنية نفسها؟ هل التقنية محايدة فعلاً؟

أعتقد أن التقنية محايدة، ما لم نتحدث عن تقنية بعينها ضارة في ماهيتها. لكنني لا أعرف تقنية على هذا النحو. هذا لا يعني بالضرورة أنه من الواجب الانخراط في جميع الاستخدامات. لكن زيادة المعارف تبدو بالنسبة لي أمراً جيداً.

ألا تحمل كل تقنية في الوقت نفسه منافع ولكن أيضاً إزعاجات للمجتمع؟ لنأخذ مثالاً بسيطاً: الإنترنت. إن فوائده واضحة ولا يمكن إنكارها. ولكن بالتوازي مع ذلك، لا يمكن لهذه الأداة إلا أن تؤدي إلى عملية نزع للاجتماع الإنساني نراها اليوم، خاصة من خلال الشبكات الاجتماعية...

سيكون لدي، أنا التي هربت من وسائل التواصل الاجتماعي، صعوبة أن أخبرك أن هذه الوسائط رائعة. كان لدي انطباع أن فيسبوك يجعلني أكثر غباءً وأكثر عدوانية. أعتقد أن الجميع متفقون على هذا. ولكن ليست التقنية التي تدعم فيسبوك هي موضع الخلاف، بل الطريقة التي قمنا من خلالها بتصميم الشبكات الاجتماعية. أجد من المثير للاهتمام الناس الذين يدعمون فكرة أن من الواجب حذف زر الإعجاب (like) رغم أن هذا يمكن أن يبدو لا معنى له.

هل قطيعة جزء من اليسار مع تراث اليسار علامة على تقادم الصراع يسار/يمين؟ ألا ينبغي إعادة تعريفه؟

المشكلة هي أن كل الكلمات قد ابتذلت من كثرة الاستعمال. عندما كنت أكتب الكتاب، سألت نفسي عما إذا كان ينبغي علي استخدام كلمة "يسار" أو استبدالها بـ"تقليد اشتراكي" -في صيغة المفرد أو الجمع- أو ما إذا كانت عبارة "مشروع تحرر" أفضل. لكن "نسوية"، "اشتراكية"، "شيوعية"، "يسار": كل شيء ابتذل من كثرة الاستعمال! أعني بكلمة "يسار" ما يشير إليه ميشيا في كتبه باسم "اشتراكية". يجب ألا نركز كثيراً على الخلاف حول الكلمات. هناك تقليد تحرر خاص بالمضطَهدين. هذا ما يهمني. وقد اخترت كلمة "يسار" لأنها لا تزال ذات معنى بالنسبة لكثير من الناس.

ما يشير إليه ميشيا هو أن تراث التنوير موجود في الاشتراكية كما في الليبرالية. بالنسبة له فإن على الاثنين الانفصال اليوم وذلك بعد أن شكلاً جبهة مشتركة ضد النزعة المحافظة تحت لواء اليسار. بالنسبة لميشيا، ليس من قبيل الصدفة أن الحزب الاشتراكي أورثنا ماكرون!

بالتأكيد، نحن لسنا ليبراليين! نحن نأتي ببساطة من المصفوفة نفسها، التنوير. من المحتم أن لدينا نقاطاً مشتركة وكثيراً من الاختلافات. يبدو بالنسبة لي أن محاولة تمييز النفس عنهم على جميع الجبهات غير مجدية بعض الشيء أو حتى مدمرة للذات. بالمجموع، نجتمع معاً على حقوق الإنسان. الليبراليون الآن هم بشكل عام مناهضون للعنصرية ونسويون مثلنا. أعتقد أنني أتفق مع ميشيا في انتقاده لبعض جوانب الليبرالية. لقد طوّر ميشيا انتقادات للنرجسية المعاصرة، لميل مجتمعنا ورغبته في أخذنا دائماً أسرع ودائماً أبعد، وما إلى ذلك. رغم ذلك، أختلف معه على التقدم.

كيف يمكن لليسار الجديد الذي تدافعين عنه أن يولد من جديد؟

أنا قادمة من الماركسية. أعتقد أن إرث التنوير الراديكالي، الذي أميزه عن التنوير الليبرالي، يمكن أن يكون لنا بمثابة أساس. هناك الكثير من الموضوعات التي لا يزال يتعين علينا إيجاد إجابات لها: الشبكات الاجتماعية، والتغيرات العميقة في العمل الأجير، إلخ. لكن هذا غير ممكن دون الاتفاق أولاً على أساس مشترك.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.