تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كورونا، الفيروس الأسرع انتشاراً في تاريخ البشرية. فما سرّ سرعته؟

خارطة واحصائيات وفيات وإصابات دول العالم بفيروس كورونا  حتى يوم 11-4-2020
خارطة واحصائيات وفيات وإصابات دول العالم بفيروس كورونا حتى يوم 11-4-2020 © coronavirus resource centre

لا تزال سرعة انتشار وباء "كورونا" المستجد تحيّر العلماء وتؤرق سكان كوكب الأرض. فالفيروس، الذي ظنه الجميع مجرد حالة عابرة سرعان ما يتم احتواؤها داخل حدود الصين، يرتع اليوم في أجساد أكثر من 2,4 مليون مصاب حول العالم، متمتعاً بقدراتٍ فائقةٍ على الانتشار الذي يمكن أن يكون صامتاً وسرياً في بعض الأحيان.

إعلان

تدخل قدرات فيروس "كورنا" الانتشارية ضمن التطورات التي شهدتها الفيروسات خلال العقود الثلاثة الماضية التي اتسمت بتفشي الأوبئة القاتلة وانتشارها السريع، مقارنةً بما شهده العالم خلال القرون الماضية. فالأرض تمتلئ أكثر فأكثر بسكانها، البالغ عددهم اليوم 7,7 مليار نسمة، يعيشون في مساحاتٍ تتقلص يومياً، ما يقرّب المسافات بينهم شيئاً فشيئاً. وبارتفاع هذا التعداد، تزداد معه مخاطر التعرض للعدوى والإصابة بالأمراض.

ويستغل الفيروس المستجد أجساد البشر من أجل البقاء، لأنه لا يستطيع العيش لفترات طويلة خارج الجسم، ما يدفعه للانتشار من شخصٍ إلى آخر بسرعة، بحثاً عن سكنٍ جديد.

وهذا ما يميّز "كوفيد-19" عن أسلافه مثل "إيبولا" و"سراس" اللذين كانا ينتشران بين الأشخاص ذوي الروابط الوثيقة، وأحياناً الحميمة أيضاً، كونهما ينتقلان عن طريق الدم أو سوائل الجسم الأخرى، مثلها في ذلك مثل الكثير من الفيروسات بما فيها تلك التي تنتقل من الحشرات أو الحيوانات إلى الإنسان. كما أن بروتينات فيروس "كورونا" تمتلك قدرةً هائلة على التشبث بخلايا البشر، لا سيما لدى الفئات الأكثر هشاشةً والأقل مناعةً.

فيروس يأنس إلى المواقع ذات الكثافة السكانية العالية جدا

ويستند العلماء والباحثون، في دراساتهم حول سرعة انتشار الفيروس، على قاسمٍ مشترك بين المناطق الأكثر إصابةً وضرراً، أي المدن الكبرى، مثل جزيرة فرنسا (باريس وضواحيها)، ولاية نيويورك الأمريكية، مدينة ميلانو الإيطالية، وقبلهم "ووهان" الصينية، جميعها مكتظةٌ بالسكان ويصعب فيها الالتزام بالمسافات الاجتماعية المناسبة.

فالسنوات العشر الماضية شهدت هجرة مضاعفة نحو المدن، ما جعل أكثر من نصف سكان العالم يعيشون على نحو 1% فقط من مساحة كوكب الأرض، الأمر الذي يفسر منحنيات الإصابة المتصاعدة بـ"دالّة أُسّية"، وسلاسل عدوى لا يكسرها، وفق علماء الرياضيات، سوى امتثال الناس للإجراءات الوقائية المطلوبة.

ولأن الفيروس لا يفرق بين المدن المتطورة والمناطق المهمشة، فقد سجّل معدلات انتشار مرتفعة في قُرى ومناطق فقيرة ومهمشة، تفتقر إلى مصادر مياهٍ نظيفة، وشبكات صرفٍ صحي، وخدماتٍ صحية مناسبة. وهي ظروفٌ تشبه، إلى حدٍّ ما، ما حدث عام 1918، عندما تفشت الـ"انفلونزا الإسبانية" في أوروبا، مع عودة الجنود والعساكر، المشاركين في الحرب العالمية، إلى أوطانهم، حاملين معهم الوباء إلى مناطق لم تكن بنفس مستواها اليوم من العلم والصحة والتغذية السليمة، ما جعل مناعة نحو 100 مليون شخص تنهار أمام الفيروس حينها، في وقتٍ لم تكن فيه وسائل السفر والتنقل قد تطورت ووصلت إلى ما هي عليه في يومنا هذا.

 

وعلى الرغم من نجاح تجربة الإجراءات الصينية، التي خفضت عدد الإصابات المحلية الثابتة إلى الصفر، في فترة يصفها المتخصصون بـ"القياسية". إلا أن بعض الخبراء يعتبرون أنه من المستحيل أن يتم الفصل الكامل بين المرضى والمتعافين حول العالم، في ظل سماوات مفتوحة وإمكانية تواجدٍ للفيروس في الهواء والماء، وحدود يصعب إغلاقها إلى الأبد، وانتشارٍ حُر لأشخاص حاملين للفيروس من دون أعراض. ف

حامل واحد للمرض يمكنه، إذا ما استقل الحافلة أو القطار أو ركب الطائرة، أن ينقل العدوى إلى عشرات، أو مئات أو حتى آلاف الأشخاص في يومٍ واحد، لا سيما وأن شركات الطيران باتت اليوم تنقل ما يقارب 5 مليار مسافر سنوياً حول العالم.

كما أن الكثير من الناس يعملون في مناطق بعيدة عن محل إقامتهم، بسبب تفاوت مستويات المعيشة وقيمة الإيجار من منطقة إلى أخرى، ما يضطرهم إلى التنقل وإمضاء ساعات طويلة يومياً في المواصلات، الأمر الذي يجعلهم عرضةً إما للإصابة بالعدوى أو نشرها بين الآخرين.

 

وعلى صعيدٍ آخر، يطال فيروس "كورونا" كافة مناحي الحياة اليومية، لأنه يمكنه، بعطسة واحدةٍ من مريض داخل محل لبيع المواد الغذائية، أن ينتشر في جميع أرجاء المكان، ليستقر على الأسطح والعلب والأكياس، لساعات أو أيامٍ، قبل أن يستنشقه أنفٌ أو تلامسه أنامل ضحيةٍ جديدة، تنقله معها إلى المنزل أو مكان العمل أو المواصلات، وفق ما رسمه، بتنقية ثلاثية الأبعاد، علماء فينلنديون، مؤكدين على أن النقص الذي شهدته العديد من الدول في مخزونات الأقنعة والقفازات الطبية، ساهم هو الآخر في نشر العدوى بهذه السرعة.

الإنسان لا يستوعب الدروس كما يجب

اللافت أن العالم لم يمتثل لحملات التوعية الغذائية التي انتشرت في جميع وسائل الإعلام خلال السنوات الماضية، فلا يزال الإنسان يميل إلى نمطٍ غذائي عالي السكريات والدهون المشبعة والنشويات واللحوم، يضر بجهاز مناعته ويجعله عرضةً للأوبئة والأمراض. وأكبر دليلٍ على ذلك أن 75% من الأوبئة التي ظهرت مؤخراً تنتشر، حيوانية المصدر، بسبب اقبال المستهلكين على اللحوم بأنواعها، بما فيها النيئة والمجففة والمفسّخة.

كما دفعت معدلات السمنة المرتفعة، والبالغة نحو 40% من سكان العالم، نحو انتشار الحميات الغذائية المعتمدة على اللحوم والبروتينات بشكل عام. وتعدّ السمنة أحد الأسباب التي تفسر تفاوت عدد الإصابات الحرجة والوفيات، وتضع، بالتالي، إجاباتٍ واضحة لارتفاع معدلات الانتشار والوفيات بفيروس "كورونا" في إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية.

 

ويساهم نمط الحياة الاجتماعية بدوره في تحديد سرعة انتشار الفيروس، ففي دول المتوسط، مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وتركيا، ساهمت التجمعات العائلية على موائد العشاء وفي المناسبات السعيدة منها والحزينة، في زيادة حدة انتشار العدوى. وحتى في الدول التي يقل فيها التواصل العائلي، شكّلت مساحات العمل المفتوحة، واجتماعات الأصدقاء وزملاء العمل، في المقاهي والحانات أثناء ما يعرف بـ"الساعات السعيدة" مثلاً، عاملاً محورياً في تسريع انتقال الفيروس.

 

ويظل التحدي الأكبر اليوم، إلى حين التوصل إلى لقاحٍ ناجع، هو التوفيق بين تقليل التفاعل والتواصل المباشرين بين الأشخاص، وحماية عجلة الاقتصاد من التوقف، وهي مسؤولية تقع على عاتق الشعوب وحكوماتها، في ظل استمرار وجود فيروس يصعب التكهن بسلوكياته المتحوّرة وغير المفهومة في بعض الأحيان، وفق العلماء. فالجميع يتوق للعودة إلى حياته الطبيعية، إلا أن العودة لا تزال محفوفةً بالمخاطر ما لم تتم الإجابة عن كل التساؤلات المفتوحة اليوم بشأن قدرات الفيروس الفعلية.

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.