تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بالفيديو: الكائن المجهري الذي حرر الطيور والحيوانات و"سجن" الإنسان

حيوان يعبر الطريق
حيوان يعبر الطريق © رويترز
نص : فائزة مصطفى
6 دقائق

استعادت مياه أشهر البحيرات في العالم لونها اللازوردي، ونزلت الحيوانات البرية لأول مرة إلى شوارع المدن، واستعادت الطبيعة هدوءها وصفاء مناخها، هذه بعض من المشاهد الاستثنائية التي استدعت انتباه البشرية في ظل انتشار الوباء العالمي، إذ قلب فيروس كورونا أدوار المخلوقات وغير مصائرها، فاستردت الثروة الحيوانية كل حقوقها وحرياتها، بينما بات أربعة مليارات إنسان محجورين داخل منازلهم، كما فقد أكثر من مائتي ألف  شخص حياتهم جراء المرض الفتاك.

إعلان

يتطابق المثل الفرنسي القائل: "إن الطبيعة تجد دائما طريقها" مع التغييرات البيئية وسلوكيات الكائنات الحية التي طرأت فجأة نتيجة الحجر الصحي، ومن الأماكن التي تجسد هذا المشهد بحذافيره هي بحيرة "نارتا" الألبانية، الرابضة في مستنقع المياه المالحة في شمال خليج فلورا، وتعد المقصد المفضل لطيور النحام الأنيقة التي تتمتع حاليا بالهدوء في ظل غياب السياح، كما لم تعد مراكب الصيد تبحر في مياه البحيرة، وتوقفت عشرات السفن التي كانت تجوبها يوميا ذهابا وإيابا إلى اليونان وإيطاليا، وأقفلت المصانع المجاورة التي كانت ترمي مخلفاتها في هذه المحمية الشهيرة، خصوصا مصنع للجلد وآخر لزيت الزيتون الذين تسببا بأضرار بيئية جسيمة للموقع الطبيعي. وبالتالي تخلصت بحيرة "نارتا" من النشاط البشري والتمدد الحضري. والملاحظ في خضم هذه التغييرات، هو عودة قوية للأجناس الأربعين من الطيور المهاجرة التي تستوطن هذه الجنة البيئية بجزرها الخضراء الثلاث، وهضابها المزروعة بأجناس نباتية متنوعة.

طيور تعيش طقوس الحب في بحيرة البلقان

أظهر إحصاء أجراه المسؤولون عن هذه المحمية الألبانية أن عدد طيور النحام كان يبلغ 1961 طيرا في كانون الثاني/يناير الماضي، وهاجرت هذه الطيور من إفريقيا وإيطاليا واليونان وإسبانيا وفرنسا، أما اليوم فقد تخطى عددها ثلاثة آلاف في البحيرة الشاطئية تزامنا مع العزل التام الذي تشهد ألبانيا كباقي الدول. ويأمل الخبراء في أن تدفع أجواء السكينة ووفرة الأغذية الطيور إلى التزاوج والتكاثر، وتشجعها على بناء أعشاشها بجوار بحيرة هذا البلد الصغير في منطقة البلقان.

وعلى بعد أقل من مئة كيلومتر شمالا، في متنزه ديفياكا، ينعكس الهدوء أيضا إيجابا على طيور البجع البلقانية. وتشكل هذه الجزيرة الصغيرة الممتدة على 22 كيلومترا مربعا في وسط البحيرة موقع التكاثر الوحيد لهذا الطائر المهاجر في ألبانيا. وهي تؤوي حوالي 85 زوجا متناسلا، أي أكبر عدد من طيور البجع البلقانية تم رصده منذ ثلاثة عقود، وفق مدير المتنزه أرديان كوشي.

كما تنعم العشرات من طيور "أبو منجل" اللماع بحرية التحليق في الشوارع والأزقة التي هجرها البشر. وفي ظل أزمة كورونا، لبست الطبيعة أبهى حلتها في منطقة وقعت في السنوات الأخيرة ضحية الشراهة الشرسة للقطاع السياحي والتمدد الحضري العشوائي. كما يأمل الخبراء في ألبانيا بإعادة التوازن بين التنمية السياحية في هذا البلد الفقير وحماية التنوع الحيوي.

المحار يتكاثر في سواحل الأطلنطي بعد فشل تناسلي

وفي فرنسا مثلا، وتحديدا في المحمية الطبيعةBanc d’Arguin المطلة على المحيط الأطلنطي جنوب غرب فرنسا، فمن المحتمل أن يستغل المحار غياب الإنسان ليتكاثر، بعدما أصيب بالعجز التناسلي بسبب ما كان يسببه له السياح من اضطرابات.

الطيور ذات الياقة المتقطعة هي الأخرى ستعشش فوق الكثبان الرملية، وستتغذى على بقايا النباتات والطحالب والأعشاب البحرية، يقول الخبير الفرنسي في البيئة ماتيو سانيي:" كل المناطق السياحية التي يهجرها الإنسان، قد تتحول إلى مستعمرات للطيور".

ويرى جان ميشيل جيلار، مدير الأبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي، أن انخفاض التواجد البشري في الشوارع والأماكن العامة هو ما يدفع الحيوانات إلى المغامرة باقتحام المدن. لكن يستبعد هذا الخبير استمرار هذه السلوكيات لمدة أطول ويضيف: "بمجرد عودتنا إلى الوضع الطبيعي، من المؤكد أننا سنعود سريعا إلى الوضع الذي عهدناه من قبل".

بينما يرى رومان جوليار، مدير الأبحاث في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي أن اختفاء الإنسان بطريقة مفاجئة هو من منح الحرية لتنقل لحيوانات المتوحشة أو الأليفة في المدن. واستشهد بمثال عن الثعالب قائلا: " هذه الحيوانات تغير سلوكياتها بسرعة كبيرة، فهي تحتل المساحات الهادئة"، ويرى الباحث أن الحيوانات والطيور التي تعيش في الحدائق العمومية، مثل العصافير والحمام والغربان، يمكنها مغادرة أراضيها المعتادة، وإفساح المجال لحيوانات أخرى لتأتي مكانها.

ملايين البشر يكتشفون"أصوات وألوان" الطبيعة لأول مرة

ومنذ إعلان حالة العزل التام في 16 مارس أذار الماضي، أدى شلل حركة المرور على الطرقات إلى غياب الضجيج بنسبة 90٪ على بعض الطرق السريعة في فرنسا مثلا، ويرى الخبراء أن الطيور تتكيف مع الترددات الصوتية وهذا ما سيسمح لها بالعودة تدريجيا إلى التعايش مع المعايير الشبيهة بالحياة في الأرياف. كما أن انخفاض الضوضاء والضوء سيسهل هجرة الحيوانات، وسيعزز التكاثر خاصة وأن موسم تزاوج الثدييات وأنواع الطيور يحدث بين أبريل ويوليو من كل عام.

وفي الوقت الذي لا نعرف بعد تأثير "وباء كورونا" على التنوع البيولوجي، لكن سمحت الظروف المصاحبة للأزمة الصحية للملايين من سكان المدن الكبرى أن يعيدوا اكتشاف الطبيعة، كأن ينتبهوا إلى زقزقة العصافير وصفاء مياه الأنهار، كما عجت وسائل التواصل الاجتماعي بصور وفيديوهات نادرة، مثل صور الخنازير البرية التي شوهدت لأول مرة تتجول في برشلونة الاسبانية، ومغامرة بوم صغير في شوارع العاصمة التشيلية سانتياغو، ولوحظ جمع من الدلافين تتجمع في البحر الأبيض المتوسط، وشاهد سكان البندقية بإيطاليا قنديل الماء يسبح متبخترا وسط مياه نقيّة بين المباني الأثرية... وغيرها من المشاهد التي لم يألفها الناس من قبل.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.