تخطي إلى المحتوى الرئيسي
إفريقيا ـ فيروس كورونا

"كورونا" لم يتمكن من أجساد الأفارقة لكنه أصاب رئة اقتصادهم

عاملة صحية في نيجيريا أثناء حملة اختبار لفيروس كورونا في أبوجا يوم 15 أبريل 2020
عاملة صحية في نيجيريا أثناء حملة اختبار لفيروس كورونا في أبوجا يوم 15 أبريل 2020 AFP - KOLA SULAIMON

تسيطر افريقيا، حتى الآن، على الوباء العالمي، مستفيدة من كون الغالبية العظمى من سكانها في سن الشباب، بالإضافة إلى أن بلدانها لا تستقبل أعدادا كبيرة من المسافرين الدوليين، باستثناء دول المغرب العربي وجنوب افريقيا التي تُعَدُّ الأكثر تأثرا، مقارنة بدول جنوب الصحراء الكبرى. ويبدو أن الوعي المكتسب من أوبئة الماضي، جعل الحكومات الأفريقية تسارع إلى إغلاق الحدود على الفور وفرض إجراءات الحجر الصحي بدرجات صرامة متفاوتة.

إعلان

 

ومع أن نسبة المصابين فيها أقل بمئات المرات من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن الأضرار الاجتماعية والاقتصادية الواقعة عليها أكبر بكثير من بقية مناطق العالم، بسبب الركود الاقتصادي الغربي المتأثر بالإغلاق وإجراءات الحجر الصحي.

القارة السمراء مرتبطةٌ ارتباطا حيويا بحجم الطلب العالمي وبالتالي أسعار المواد الخام المصدرة، وعلى رأسها النفط، والمعادن والمنتجات الزراعية، مثل البن والفول السوداني والكاكاو. فالمواد الأولية تشكل ثلثي اجمالي صادرات البلدان الأفريقية إلى الاتحاد الأوروبي، والبالغة 160 مليار يورو. وعلى سبيل المثال، تعتمد الاحتياطات من العملات الأجنبية في دولة "غينيا بيساو" على إيرادات صادرات جوز "الكاجو" إلى آسيا وأوروبا، التي توقفت هذا العام، ما سيؤثر على الميزان التجاري للدولة. والآمال الإفريقية معلقة اليوم على انتعاش الاقتصادي الصيني مجددا، ما قد ينقذ صادرات افريقيا من التكدس في مخازن القارة والتلف.

 

سوق قوامها يتجاوز المليار مستهلك، أكثر من نصفهم مهدد بالبطالة

لا يزال التقييم الحقيقي للوباء وتبعاته في افريقيا غير واضح، فالفيروس لديه مساحاتٌ شاسعة للانتشار في قارة يسكنها 1.2 مليار نسمة، يتحركون في أماكن مكتظمة، ويشكل الاقتصاد الموازي المصدر الأساسي لحياة الملايين منهم، ما يجعل أي إجراءات حجرٍ صارمة غير واقعية وصعبة التنفيذ. هذه الحقائق جعلت من خبراء الصحة العالميين يشكون في قيام سلطات الدول الافريقية بالتلاعب بأرقام الإصابات، الأمر الذي دفع بمنظمة الصحة العالمية إلى التحذير من موجةٍ وباء عنيفة قد تضرب القارة الافريقية في ظل غياب أي علاج وقائي.

لكن ما يميز افريقيا، اعتياد شعوبها على التعامل والتأقلم مع كافة الظروف والصدمات، من خلال تضامن أفراد الأسرة والمجتمع. وعلى الرغم من ذلك، يتوقع خبراء الاقتصاد أن تعاني الشركات والعائلات الأكثر هشاشة من الناحية الاقتصادية، مستبعدين حدوث انهيارٍ اقتصادي، حتى مع غياب قراراتٍ غربية بإعفاء افريقيا من ديونها، فتأجيل السداد قد يصدّر المشكلة إلى العام القادم لكنه لن يحلّها. ولهذا السبب يواصل الاتحاد الإفريقي مفاوضاته مع المؤسسات المالية الدولية والدائنين، من أجل الوصول إلى أرضية توافق تحد من آثار الصدمة الاقتصادية.

وإدراكا منها للحاجات العاجلة التي أوجدتها الجائحة، اقترحت الدول المشاركة في مجموعة العشرين بالفعل إلغاء خدمة ديون الدول الإفريقية للإثني عشر شهرا القادمة. لكن هذا المقترح لا يؤثر سوى على نقطتين من الناتج المحلي الإجمالي الأفريقي. وبناء عليه، تعالت الكثير من الأصوات الاقتصادية الأوروبية منادية بسرعة إضافة تسهيلات دفع وقروض ميسرة، إلى مقترح إلغاء خدمة الدين الإفريقي.

وعلى الرغم من الصعوبات الاقتصادية المتوقعة للقارة، إلا أن توقعات صندوق النقد الدولي تشير إلى احتفاظ الاقتصادات الافريقية الرئيسية الثلاث، مصر وجنوب افريقيا ونيجيريا، بنسب نموٍ إيجابية تقدر بنحو 2.8%، وهي نسب تظل أفضل بكثير من الركود المتوقع في فرنسا أو دول أوروبية وغربية أخرى. لكن البلدان ذات مستويات الدخل المنخفض والنمو السكاني المرتفع، تحتاج إلى نسب نمو أعلى بكثير لتفادي الانعكاسات الاجتماعية السلبية على المواطن. كما أن الكثير من دول القارة تعتمد على السياحة، كما هو الحال في مصر والمغرب وتونس وسيشيل وجزر القمر والرأس الأخضر، وهو قطاعٌ يوفر 44% من الوظائف.

وتعد مسألة البطالة من الملفات الأكثر تعقيدا وخطورة، فإذا نظرنا إلى الاقتصاد المغربي، نجد أن حوالي 47% ف من الشركات سجلت انخفاضاً في نشاطها الفصلي بأكثر من 50 في المائة، كما أعلنت 78 % من الشركات السياحية عن لجوئها إلى خفض عدد الموظفين. وأظهرت دراسة أجراها الاتحاد العام لمقاولات المغرب أن الشركات تخشى فقدان أكثر من 165 ألف وظيفة، أي 55 في المائة من مجموع الوظائف.

وعلى الرغم من مخاوف مماثلة في مصر، إلا أن وكالة "ستاندر آند بورز" ثبتتت مثلا التصنيف الإئتماني لمصر عند مستوي B/B ونظرة مستقبلية مستقرة بسبب معدلات النمو الإيجابية، وقدرة مصر علي الوفاء بالتزاماتها المالية، وتحسّن وضع الدين بشكل كبير بفضل برنامج الإصلاح الاقتصادي علي مستوي الدين الداخلي والخارجي، بالإضافة إلى تراجع عجز الموازنة بما يتراوح بين 0.5 و 1% سنويا فضلا عن تحقيق فائض أولي مستدام وتراجع معدلات التضخم الي ارقام أحادية، مع تسجيل انخفاض طفيف في معدلات البطالة.

من جانبه، بدا البنك الدولي أكثر تشاؤما بكثير، متوقعا انخفاض الناتج القومي الإجمالي لأفريقيا جنوب الصحراء من 2% إلى 5% العام الجاري، مع ركودٍ في نيجيريا وأنغولا وجنوب أفريقيا بنحو7%. أما البنك الأمريكي جولدمان ساكس، فتوقع أن تكون أنغولا وزامبيا أكثر البلدان الأفريقية تأثراً بالوباء بنسبة ركودٍ قد تبلغ 9%.

 

آثار متفاوتة بسبب النفط والمعادن

سيكون للتراجع الحاد في أسعار النفط تأثيراتٍ متفاوتة في افريقيا تبعا لنظام الاقتصاد. فدولٌ مثل نيجيريا والغابون وأنغولا وناميبيا وزامبيا وموزمبيق والنيجر وبوستوانا، التي تعتمد عائداتها من العملات الأجنبية على صادرات النفط ومنتجات التعدين، ستعيش أشهرا طويلة من عدم الاستقرار، بينما تستفيد دولٌ أخرى من أزمة أسواق النفط، مثل المغرب وتونس ورواندا وكينيا وأوغندا.

الجزائر من جانبها، كانت قد أعلنت، منذ بداية تفشي الوباء، خطة تقشفية لمواجهة تبعات الصدمة النفطية، تضمنت تخفيض فاتورة الاستيراد من 41 إلى 31 مليار دولار العام الجاري، وتخفيض النفقات العامة 30%، دون المساس برواتب الموظفين. وذلك في وقتٍ يعاني فيه اقتصاد الجزائر تبعية مفرطة لعائدات المحروقات (نفط وغاز)، التي تمثل 93% من إيرادات البلاد من النقد الأجنبي.

ويواجه السودان، الذي يعاني بالفعل من نسب تضخم متوحشة وقيمة عملة وطنية متدهورة، من حاجة ماسة لما لا يقل عن 4 مليارات دولار، بشكل عاجل، لمواجهة تداعيات انتشار كورونا بالبلاد، ما يلقي بعبء إضافي على الموارد المخصصة للموازنة في ظل عجز يبلغ نحو 3 مليار دولار.

العالم بات بحاجة لاستجابة سريعة وسخية من الجميع، بلا استثناء، فإذا كانت مجموعة العشرين أعلنت تكريس خمسة ترليونات دولار، فيما خصص الاتحاد الأوروبي حوالي 500 مليار يورو لإدارة الأزمة الصحية الخالية، ويخطط صندوق النقد الدولي لضخ تريليون دولار على شكل تسهيلات ائتمان سريع، يظل السؤال: هل ينجح العالم في رص صفوفه والبرهنة على تعاضده في مواجهة الأزمة؟

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.