تخطي إلى المحتوى الرئيسي
فرنسا

ما وزن القطاع الثقافي في الاقتصاد الفرنسي؟

الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون رفقة وزير الثقافة لتقديم خطة الحكومة لانقاذ القطاع الثقافي يوم 6 أيار2020
الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون رفقة وزير الثقافة لتقديم خطة الحكومة لانقاذ القطاع الثقافي يوم 6 أيار2020 © رويترز

تضرر قطاع الثقافة في فرنسا كثيرا جراء إجراءات الحجر الصحي التي فرضها وباء كورونا. وما يحز في نفوس كثير من المبدعين في المجال الثقافي وإيصال منتجاته إلى المستهلكين أن الحكومة قد نستهم أو تجاهلتهم في خطط المساعدات التي قدمتها لقطاعات عديدة أخرى انعكست إجراءات الحجر عليها سلبا مما اضطر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الإعلان يوم 6 مايو-أيار 2020 عن بعض معالم الخطة التي تعتزم الحكومة بلورتها في غضون أسابيع لمحاولة إنقاذ هذا القطاع من الاختناق.

إعلان

ومن بعض الإجراءات التي أعلن عنها في هذا الإطار تمديد المساعدات التي تقدمها الدولة إلى العاملين في المجال الثقافي بشكل موسمي إلى نهاية أغسطس –آب عام 2020 وإنشاء صندوق خاص بمساعدة الصناعة السينمائية بشكل خاص والسمعية البصرية عموما. وقد اضطرت الحكومة للتفكير بجدية في مساعدة القطاع الثقافي على خلفية أزمة كورونا لعدة أسباب منها أنه جزء مهم في الدورة الاقتصادية.

منذ عام 1995، تغير وجه الثقافة في فرنسا كما في جل دول العالم بفعل الثورة التكنولوجية وولوج الرقمي مجال الإنتاج والاستهلاك الثقافي بشكل كبير. وقد قلل هذا التأثير من تكاليف الإنتاج، لكنه انعكس أيضا وبشكل سلبي على عائدات المنتوج الثقافي. ففي فرنسا، التي توصف بالاستثناء الثقافي لما توليه من أهمية خاصة للثقافة بمختلف أشكالها، تؤكد التقارير الصادرة عن وزارة الثقافة وغيرها من المؤسسات المعنية حصول تراجع مستمر في عائدات الثقافة. لكن هذا المعطى لا يعكس حقيقة الدور الذي تلعبه الثقافة ليس فكريا فقط وإنما أيضا اقتصاديا. إذ رغم تراجع عائدات المنتج الثقافي المالية في فرنسا خلال   العقدين الأخيرين، لا تزال الثقافة تساهم بما يناهز 2,2 بالمائة في الناتج الإجمالي للبلاد، لتنافس بذلك صناعات فرنسية واعدة، كصناعة السيارات وغيرها، وهي تساهم بأقل بقليل من قطاعات أساسية في فرنسا كالمطاعم والمقاهي والإقامة.

يزيد الناتج الإجمالي الثقافي في فرنسا   عن 44 مليار يورو سنويا، بينما لا تنفق الدولة إلا حوالي 13 مليار يورو لدعم الفعل الثقافي. علما أن الدور الاقتصادي للثقافة لا يقف عند ما تدره من مداخيل مباشرة، بل يتجاوز ذلك بكثير ليمنح للبلاد صورة مشرقة ويعطي دفعة هي الأقوى للمجال السياحي. ففرنسا ليست معروفة فقط ببرج إيفل ولا بمتاحفها التي هي جزء أساسي في الفعل الثقافي، وإنما معروفة أيضا بمسارحها، وعروضها الفنية ومهرجاناتها، وفنونها البصرية وهندستها المعمارية ومسارحها النشطة وأفلامها السينمائية وإبداعات كتابها وغير ذلك من المنتوجات الثقافية. وتثبت جل الدراسات التي تُعَدُّ حول أسباب استقطاب فرنسا لملايين السياح سنويا، أن للبعد الثقافي وللصورة التي تقدمها عن البلاد، دورا أساسيا في اختيار هذا البلد كوجهة سياحية.

الاستثناء الثقافي الفرنسي

ولعل ما يساهم في الحفاظ للثقافة الفرنسية على مكانة هامة في حياة الناس هو ما تبذله الدولة من جهود لدعم الشأن الثقافي عبر نهج سياسة ما بات يعرف بالاستثناء الثقافي، وهو توجه فرنسي نحو الدفاع عن الشأن الثقافي في مواجهة قوانين السوق، ومحاولة الهيمنة الأمريكية على جل ثقافات العالم. ففرنسا تعتبر أن للثقافة دورا أساسيا في بناء المجتمعات، ولا يمكن التعامل معها كمنتوج اقتصادي واستهلاكي فقط، وإنما من الضروري حمايتها بالنظر إلى أدوارها المختلفة وتجاوزها البعد الاستهلاكي في مفهومه الأول إلى أبعاد أكثر عمقا وتأثيرا على المجتمعات. وهي سياسة تنتهجها فرنسا حتى في مواجهة دول الاتحاد الأوربي التي تعتبر أن الدولة الفرنسية تبالغ في حماية قطاع ثقافي شحيح العائدات ومساعدته. لكن فرنسا تُذَكّر بأن القطاع الثقافي ينبغي التعامل معه انطلاقا من كونه منتوجا ثقافيا أولا واقتصاديا أيضا. بمعنى أن حماية الثقافة بما لها من أدوار هامة في تنمية المجتمعات فكريا وفنيا، هو أمر أساسي وواجب على الدولة. وأيضا الاهتمام بالجانب الاقتصادي الذي يشكل سندا أساسيا لاستمرار الفعل الثقافي. وتؤكد وزارة الثقافة في هذا الإطار أن عدد العاملين في المجال الثقافي يقدر عام 2020 بمليون وثلاث مائة ألف شخص، ما يعني أن القطاع يساهم في توفير مناصب العمل، عدا عن مساهمته في الاقتصاد.

وعلى الرغم من كل ذلك، لا تخفي الجهات المختصة تخوفها من التأثير السلبي المتزايد للتكنولوجيات الحديثة على طرق استهلاك المنتوج الثقافي وتحقيق عائدات من ذلك، ما يدفعها إلى البحث المستمر عن سبل حمايته ودعمه وإيجاد مخارج تمكن من الحفاظ للثقافة على مكانتها سواء في العجلة الاقتصادية أو في تنمية المجتمع. ويعول في هذا الإطار على بعض الفروع الثقافية التي تحقق نموا كبيرا، ومن بينها القطاع السمعي البصري الذي لآ يزال يشكل حوالي 30 في المائة من وزن الاقتصاد. إذ تطور إنتاج   ألعاب الفيديو وبيعها بأكثر من 20٪ بين عامي 2015 و2016. كما يشهد مجال التصميم عبر الويب بدوره تطورا هاما، بما فيه تصميم المواقع على الأنترنيت، بالإضافة إلى نمو عائدات الإنتاج التلفزيوني.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.