تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الحياة الاقتصاد كورونا

"القيمة الإحصائية للحياة" ... أو ما هو سعر حياتك بالدولار؟

ضحايا وباء كورونا المستجد في المكسيك
ضحايا وباء كورونا المستجد في المكسيك AFP - MICHAEL DANTAS
نص : مونت كارلو الدولية / أ ف ب
4 دقائق

لم يعد طرح هذا السؤال يقتصر على الفلاسفة، وإنما يعالجه ويدرسه الاقتصاديون، خصوصا في الولايات المتحدة، منذ أربعينات القرن الماضي، وإن ظل سؤالا كامنا لا يثيره الكثيرون من العاملين في مجالات التجارة والاقتصاد، حتى ظهر وباء كورونا، والجدل حول رفع العزل الصحي ومدى كلفته من حياة البشر مقابل العودة للعمل والإنتاج وإنقاذ الاقتصاد.

إعلان

 

هل نحن أمام الخيار بين الموت والدمار الاقتصادي؟

في السادس من أيار/مايو 2020، وبعد أو أودى الوباء بحياة أكثر من 250 ألف شخص في العالم، أجاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن سؤال عما إذا كانت إعادة إطلاق الاقتصاد الأميركي ستكلف التضحية بأرواح بشر، اعترف ترامب بأنه "من الممكن أن يحدث ذلك"

أدت إجراءات العزل وتجميد النشاط الاقتصادي، بالتالي، إلى ارتفاع البطالة، إذ خسر أكثر من عشرين مليون شخص وظائفهم خلال شهر واحد في الولايات المتحدة، وفي فرنسا يكلف كل شهر من إجراءات العزل ثلاث نقاط من إجمالي الناتج الداخلي، حسب المعهد الوطني للإحصاءات، وقد طرح الخبير الاقتصادي الأميركي دانيال هامرميش في موقع "معهد اقتصادات العمل" (ايزا) الأمر بصورة صريحة، قائلا "هناك تحكيما: خسائر في الأرواح أو خسائر اقتصادية".

بورصة نيويورك
بورصة نيويورك AFP - Scott Heins

وبدأت سلسلة الحسابات الباردة والمخيفة، مثال ذلك، بريس ويلكنسون الذي اعتبر في مقال لمعهد "مبادرة نيوزيلندا" المركز الفكري الليبرالي، أن إنفاق 6.1٪ من إجمالي الناتج الداخلي للبلاد لإنقاذ أرواح 33 ألفا و600 شخص على الأكثر قد يكون مبررا، ولكنه تساءل عن الجدوى في حاول تجاوزت التكلفة هذه النسبة.

ويرى هامرميش أن إنقاذ حياة شخص واحد في الولايات المتحدة يؤدي إلى ضياع 200 وظيفة، ما يعادل أربعة ملايين دولار من الأجور في المعدل، ولكنه يجد أن الرقم مقبول في بلد تقدر فيه "القيمة الإحصائية للحياة" بما بين تسعة وعشرة ملايين دولار.

 

"القيمة الإحصائية للحياة"

هذه القيمة، وإن كان الحديث عنها يتردد كثيرا في وسائل الإعلام والحوارات العامة، إلا أنها قيمة معروفة من قبل كل صانعي القرارات في العالم، وهي محددة بحوالي ثلاثة ملايين يورو في فرنسا، على سبيل المثال، منذ تقرير صدر في 2013 للمفوضية العامة للإحصاءات والاحتمالات.

وتوضح بياتريس شيرييه الباحثة في المركز الوطني للبحث العلمي أنه نظرا لقدرتنا على تحديد سعر لقبعة واقية لركوب الدراجات، وقيمة تعويضات للمهن التي تنطوي على مخاطر... فإن حساب القيمة الإحصائية للحياة يقوم على الجمع بين هذه الخيارات الاقتصادية التي تزيد أو تنقص بشكل طفيف احتمال الموت، وتوصل علماء الإحصاء، بالتالي في فرنسا، إلى رقم ثلاثة ملايين يورو.

في القمامة
في القمامة AFP - NHAC NGUYEN

ويحاول بيار ايف جوفار الأستاذ في "سكول اوف ايكونوميكس" في باريس والمتخصص بالاقتصاد والصحة، تخفيف قسوة هذه النظرة معتبرا أن الرقم يثير الاشمئزاز، بالفعل، إذا ما اعتبرناه قيمة حقيقية لحياة إنسان، بينما ينبغي النظر إليه على أنه أداة لتحديد الموارد لسياسة سلامة الطرق والصحة والبيئة، ويتناسى أن أصحاب القرار يستندون إليه للقيام بخيارات ستؤدي بالفعل لوفاة أعداد معينة من مواطنيهم.

وحتى الأمم المتحدة، ممثلة في منظمة الصحة العالمية فإنها تضع تقييما للنفقات الصحية وفق مفهوم "سنة حياة بصحة جيدة"، أي أن كسب سنة حياة إضافية يجب ألا يتجاوز ثلاث مرات من إجمالي الناتج الداخلي للفرد الواحد.

 

من أين جاء هذا المفهوم لقيمة الحياة؟

تعود بداية هذه الأبحاث إلى الحرب الباردة، عندما بدأ الجيش الأمريكي يبحث استراتيجية لتوجيه ضربة جوية إلى الاتحاد السوفييتي في نهاية أربعينات القرن الماضي، وتوصل معهد "راند كوربوريشن" الذي يقدم النصح للجيش الأمريكي، أن إرسال عدد كبير من الطائرات البدائية لإغراق الخصم سيكون "أكثر ربحا" من حيث التكلفة، لكن هيئة الأركان شعرت بالاستياء بسبب حساب "كلفة" ارواح الطيارين في عملية كهذه.

ويبقى السؤال عن كيفية تقدير هذه الكلفة؟ وهل ينبغي الاستناد إلى مستوى الدخل الفردي لكل من الأشخاص المهددين أو الضحايا، وهو المعيار الذي استخدم لأقرباء ضحايا اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001، ولكن ذلك يعني أن قيمة رجل أعمال أو مضارب في البورصة هي أكبر من قيمة عامل بسيط أو موظف صغير؟ ولكن الجديد يكمن في أن وباء كورونا كشف أن هذه المهن البسيطة، كممرضة أو عامل نظافة أو عامل في متجر للأغذية أو جامع للقمامة، والتي يحصل العاملون فيها على أدنى الأجور في التجارة والقطاع اللوجستي والصحة العامة، هي الأكثر أهمية خلال الأزمة، وأن القائمين بها تصدوا لأدائها بصورة أدت لإنقاذ حياة الكثير من البشر.

طبيب مرهق في إحدى مستشفيات الضاحية الباريسية كولمار
طبيب مرهق في إحدى مستشفيات الضاحية الباريسية كولمار AFP - SEBASTIEN BOZON

في نهاية ستينات القرن الماضي، ظهرت محاولة أخرى لتخفيف قسوة هذه الأسئلة الوجودية التي يطرحها الاقتصاد الليبرالي، وطرح توماس شيلينغ الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد عام 2005 السؤال بشكل مختلف، وبدلا من القول "كم تساوي الحياة؟" اقترح أن يكون السؤال "كم يكلف خفض خطر الموت؟"، وهنا فرضت فكرة "حياة إحصائية" نفسها وهي الأكثر استخداما لكن الخبراء يعترفون بأنها ليست مثالية.

في الدول الفقيرة من غير الوارد التفاوض حول "تعويض عن الخطر"، فهل يعني هذا أن الحياة هناك لا تساوي شيئا؟

يبقى أن خبراء الاقتصاد، وبعد أن يطرحوا حساباتهم الباردة هذه ومبدأ "القيمة الإحصائية للحياة" يسارعون للاختباء وراء السياسيين مؤكدين أن أي رقم لا يمكن أن يحل محل المسؤولية السياسية.

ويمكن ان يذهب بعضهم مثل بيار ايف جوفار للقول "هل نريد أن يكون هذا الحساب واضحا ومثبتا ومعروضا أم أن يبقى ضمنيا وخفيا؟ هذا ما يطرح رهانات أخلاقية".

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.