تخطي إلى المحتوى الرئيسي
أخبار العالم

الحرب على كورونا: هل تخوض فرنسا تجربة "مناعة القطيع" ولماذا؟

فيروس كورونا في روسيا
فيروس كورونا في روسيا © رويترز

يقترب الفرنسيون من دخول المرحلة الثانية من فك العزل الصحي، التي تتزامن مع حلول موسم العطلات الصيفية، فيما تتعامل السلطات الصحية بحذر شديد مع رفع الحجر بسبب استمرار وجود احتمالية تفشّي موجة ثانية من وباء كوفيد-19، وذلك على الرغم من التفاؤل الذي يبديه بعض علماء الأوبئة ممن يعوّلون على الوصول السريع إلى "المناعة الجماعية"، أو ما يُعرف بـ "مناعة القطيع"، بفضل العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية. 

إعلان

أيهما أنجع: مناعة القطيع أم سياسة التجويع؟

يأمل المدافعون عن فطرة "المناعة المتقاطعة" في أن يطوّر أفراد المجتمع مناعة طبيعية بعد تعرضهم للإصابة بفيروس كورونا الذي سيسمح لخلايا جهاز المناعة، كالخلايا الليمفاوية مثلا، بأن تغير أحماضها النووية وتفرز مواد مضادة تكبح جماح المرض. ومع الوقت، يساهم انتشار العدوى في ظهور "مناعة القطيع" عند نسبة كبيرة من السكان، ما يقلل من انتشار الوباء داخل المجتمع، مع إمكانية التخفيف من حدة المرض وأعراضه.

وفي هذا الإطار، أظهرت دراسة أمريكية، نُشرت في المجلة العلمية "Cell" وجود عدد كبير من الأشخاص حاملي المناعة ضد فيروس كورونا، بفضل إصاباتهم السابقة بأمراض فيروسية مختلفة، مكّنت أجسامهم من انتاج خلايا تحفز إنتاج الأجسام المضادة لفيروس كورونا المستجد. ولكن تظل هذه الاستنتاجات غير نهائية، مع قلة حجم البيانات التي يعمل عليها العلماء، بالإضافة إلى قصر مدة الدراسات.

من جانبه، اعتبر معهد "باستور" الفرنسي، أن ما توصلت إليه هذه الدراسات "نقطة مطمئنة" لأنها تثبت على الأقل إمكانية مقاومة الأجسام المضادة لخطر انتشار العدوى، وأن تحديد الأجسام المضادة يمكن أن يسرع بإيجاد علاج فعّال، ما يعزز كذلك فرضية "مناعة القطيع". ويُقَدّر المعهد أن بإمكان نحو 70% من الفرنسيين الاستفادة من "المناعة المتقاطعة" عن طريق العدوى الطبيعية أو التطعيم.

وعلى الرغم من التفاؤل الكبير الذي يُظهره بعض العلماء، إلا أن الفرنسيين لا يغفلون خطورة مفهوم "مناعة القطيع" الذي دعت منظمة الصحة العالمية إلى توخّي الحذر عند استخدامه لأنه "يمكن أن يؤدي إلى عملية حسابية وحشية للغاية لا تضع الناس والحياة والمعاناة في مركز تلك المعادلة"، على حد تعبير المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور مايك رايان، الذي أوضح أن مصطلح مناعة القطيع مأخوذ من علم الأوبئة البيطرية، حيث "يهتم الناس بالصحة العامة للقطيع، ولا يهم الحيوانات الفردية، في حين أن "البشر ليسوا قطعانًا".

كما أشارت الدكتورة ماريا فان كيركوف، عالمة وبائيات الأمراض المعدية في منظمة الصحة العالمية، إلى أن العديد من الدراسات التي تم إجراؤها في عدد من البلدان في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، وجدوا أن نسبة منخفضة جدًا من الأشخاص الذين تم اختبارهم لديهم أدلة على وجود أجسام مضادة.

وما زاد من حدة الانتقادات الموجّهة إلى مؤيدي منهج "مناعة القطيع"، هو ظهور دراسة حديثة تشير إلى إمكانية تجدد الإصابة بفيروس كورونا خلال 6 أشهر، ما يخلق مزيدا من الشكوك حول فعالية اختبارات الأجسام المضادة ويفنّد الدفوعات المقدّمة للضغط من أجل إصدار "جوازات مناعة" كدليل على الشفاء من المرض. ولذلك حذرت منظمة الصحة العالمية الحكومات من استخدام "جوازات المناعة" لتخفيف الإغلاق لمجرد أن حاملي الجوازات طوروا أجساما مضادة لفيروس كورونا الجديد، نظرا إلى أن المناعة الواقية من فيروس كورونا قصيرة الأمد.

كبار السن ضحية محتملة لمحاولات تطبيق "مناعة القطيع"

تُضاف إلى ما سبق، حقيقة خطيرة تتمثل في أن كبار السن يشكلون حوالي ربع المجتمع الفرنسي، ويحملون بداخل أجسامهم أجهزة مناعية أضعفها الزمن، ما يزيد من مخاوف المناهضين لتطبيق استراتيجية "مناعة القطيع"، التي لم تثبت نجاعة فعلية وثابتة في السويد، حيث كانت دور المسنين أكثر المتضررين من وباء كورونا، ما دفع الدولة إلى الإقرار بفشلها في حماية كبار السن فيها، وهو الأمر الذي أثار رعب البريطانيين وجعلهم يتراجعون عن اتباع هذه الاستراتيجية التي كان يُرجّحها رئيس الحكومة بوريس جونسون في بدايات ظهور الوباء.

وحتى في المجتمعات الشابة، مثل الهند، أثار نهج "مناعة القطيع" جدلا واسعا تحدثت عنه مجلة "فورين بوليسي"، متكهّنة بتبعاته الخطيرة التي ستكون على رأسها زيادة حالات الاستشفاء ما سيضغط على قدرة النظام الصحي ويتسبب في نهاية المطاف بأعداد أكبر من الضحايا، لا سيما وأن العديد من الشباب الهنود يعانون أمراضا مزمنة وظروفا قاسية يمكن أن تؤدي إلى حدوث مضاعفات خطيرة إذا ما أصيبوا بوباء كوفيد-19.

"مناعة القطيع": فرضية بلا إجماع

إذا كان باحثو معهد "باستور" الفرنسي يشيرون إلى ضرورة أن يكون 65% تقريبا من السكان حاملين للأجسام المضادة، كشرط للسيطرة على الجائحة بواسطة المناعة الطبيعية وحدها، فإن فرنسا لا تزال بعيدة جدا عن هذا الرقم بنسبة إصابات لا تتعدى 5% من المجتمع الفرنسي.

وتنطبق هذه الحقائق على جميع دول العالم التي لم يقترب أيٌّ منها من مستويات المناعة اللازمة لمواجهة المرض، وذلك على الرغم من ملايين الإصابات. ففي ووهان الصينية نفسها، تم اختبار آلاف الأشخاص المتعافين بحثًا عن أجسام مضادة، ووجدت النتائج الأولية أن 2 إلى 3 في المئة فقط طوّروها.

وخَلُص الباحثون إلى أنه بدون لقاح لن تكون "مناعة القطيع" وحدها كافية لتجنب موجة ثانية عند نهاية العزل العام، فهناك طريقتان رئيسيتان لتحقيق مستويات عالية من المناعة لدى السكان: إما وجود ما يكفي من الأشخاص أصيبوا بالفعل وطوّرت أنظمتهم المناعية أجسامًا مضادة للحماية من العدوى المستقبلية، على الأقل في المدى القصير، أو المناعة المكتسبة عن طريق لقاح فعال. ولكن، إذا ما غابت تدابير التباعد الاجتماعي، فمن المتوقع أن تحتاج الدول إلى الاستعداد لارتفاعات مضطردة جديدة وغير مسبوقة للعدوى حتى يتوفر اللقاح على نطاق واسع.

اليوم، تتناقص في فرنسا أعداد الوفيات بفيروس كورونا داخل المستشفيات، كما تراجعت أعداد الإصابات بشكل كبير، حتى في أوساط العاملين في القطاع الصحي الذين كانوا أكثر عرضة للعدوى، ما يرجّح تطوير بعضهم لأجسام مضادة للفيروس، لكنها تظل مجرد تكهنات حتى الآن، ولا يمكن البناء عليها، لا سيما وأن الكثير من الأطباء والعلماء يعتبرون هذا التراجع مجرد تبعات للحجر الصحي الذي عاشه الفرنسيون. بل يذهب البعض، مثل الدكتور ليفي برول، عالم الوبائيات، إلى القول بأن احتمالية استئناف ديناميكيات الوباء مازالت قائمة، الأمر الذي يمكن أن يؤدي، "في أسوأ السيناريوهات"، إلى "إعادة فرض الحجر الصحي".

وما يميز الجدل الفرنسي، اتفاقُ معظم العلماء حول ضرورة التروّي وعدم بناء آمال كبيرة على "مناعة القطيع"، حتّى وإن كانت فرنسا تسير على النهج الصحيح، لأن المناعة المتقاطعة تظل فرضية لا تحظى بإجماع العلماء ولا توجد أية أدلة ملموسة تعززها أو تدعمها حتى الآن.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.