تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مجتمع

هل تنجو القُبلة من كورونا أم بَايْ بَايْ للقبلة والتقبيل؟

تبادل القبلات
تبادل القبلات © أرشيف

أثارت جائحة كورونا المستجد النقاش داخل العديد من المجتمعات حول طريقة حياتنا وعاداتنا وسلوكياتنا بما فيها تلك التي كانت تعتبر بسيطة وربما تلقائية. القبلة إحدى الأشياء التي تغير حالها بعد حلول الفيروس ووقوفه حاجزا بين الناس، ما جعلها أمرا محرما على كل من لا ينشد الإصابة بالعدوى.

إعلان

فمنذ بداية انتشار فيروس كورنا المستجد، دعا الأطباء والمختصون الناس إلى تجنب القبل بكل أنوعها، كوسيلة أساسية للوقاية من العدوى. فهل يقضي فيروس كورنا المستجد على عادة السلام عبر القبل؟ وما هي أصول هذه العادة التي نجدها منتشرة في الكثير من المجتمعات وغير مقبولة في أخرى؟

يؤكد البروفيسور ديفيد لو بريتون، مؤلف كتاب "العواطف العادية، أنثروبولوجيا العواطف" أن السلام عبر القبل في فرنسا كان مخصصا أساسا لأفراد الأسرة والمقربين جدا وللنساء خاصة، لكن بعد أحداث مايو / أيار 1968 في فرنسا، حدث انقلاب في التقاليد وحدث تحرر من الكثير من التقاليد والأعراف، ولم يعد السلام عبر القبل يتم بين النساء فقط، بل أصبح الرجال أيضا يسلمون على النساء عبر تبادل القبل، دون أن يكون لذلك بالضرورة مغزى آخر غير التحية الودية.

فالقبل بدورها تشكل جزءا من تاريخ الشعوب ومن مراحل تطورها. وقد خضعت بدورها للكثير من التغيرات بتغير سلوكيات المجتمعات وعاداتها وطبقاتها الاجتماعية. ففي القرن الخامس قبل الميلاد، كتب هيرودوت عن تقليد السلام عبر القبل الذي كان سائدا آنذاك، حيث أكد أن شكل القبلة كان يخضع للوضع الاجتماعي الذي يعيش فيه الشخص، فكان يمكن للناس من نفس الفئة الاجتماعية أن يسلموا على بعضهم البعض عبر تلامس الشفاه، بينما كان يتوجب على من هم من فئة اجتماعية أدنى أن يسلموا على "أسيادهم" عبر تقبيل الأرض أمامهم أو أرجلهم أو أحذيتهم. وقد كان اليونان يطلقون على القبل أسماء اعتبارا لأنواعها، ومنها القبلة أوسكيلوم osculum التي تتم بين الأشخاص من نفس الفئة الاجتماعية، وقبلة صايفيوم saevium وهي القبلة المثيرة، وقبلة باييزيوم baesium وهي التي تتم بين أفراد الأسرة الواحدة.

أما في العصور الوسطى، فكانت القبل تتم أساسا كعقد بيعة للسيد. وتطورت في مجتمعات لتشمل أفراد الأسرة وغيرهم، ثم تراجع الإقبال عليها مع منتصف القرن الرابع عشر بعد ظهور الأوبئة من قبيل الطاعون الأسود. لكن القبل سرعان ما وجدت لنفسها مكانا داخل المجتمعات بعد القضاء على تلك الأوبئة.

ولعل تاريخ القبل مع الأوبئة وتراجعها خلالها لتعود كممارسة يومية مرتبطة بتقاليد مجتمعات معينة، هي التي دفعت بالكثير من الباحثين الأنثروبولوجي ين وعلماء الاجتماع إلى التأكيد أن جائحة كورونا سوف لن تقضي على عادة السلام عبر القبل عند المجتمعات التي تعتمدها كوسيلة للتحية، إذ قد تعود هذه العادة إلى سابق عهدها.

ويؤكد الخبير في الدماغ، رودولفو ييناس أنه جد واثق من أن القبلات والعناق ستعود بعد مرور الجائحة، ولن يترك العزل الصحي ومبادئ التباعد الاجتماعي أي أثر على وظائف الدماغ ارتباطا بهذه العادة. وارتأى الخبير الكولومبي أن أربعة أو خمسة أشهر بعد مرور الجائحة، كافية كي ينسى الناس آثارها على أدمغتهم وعاداتهم كما حصل مع أوبئة أخرى عرفها الإنسان من قبل.

لكن، هل ينشد كل الناس عودة تبادل القبل عند السلام بشكل كما كان الأمر يتم منذ أقل من ثلاثة أشهر؟ وهل تلقى عادة القبل استحسانا من الكل؟ أم أن هناك من لا يتقبلها إلا على مضض أو يرفضها علنا أو ربما يتحجج بالمرض كالرشح وغيره لتجنبها؟

تؤكد الكثير من التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي أن عادة السلام عبر القبل وخاصة بين الرجال والنساء سلوك مقبول من قبل الكثيرين لكنه يثير، مع ذلك، تحفظ آخرين لكون القبل قد تكون ناقلة للأمراض أو للعرق أو غيرهما، كما تعد سلوكا يعكس نوعا من الحميمية في العلاقة حتى لو لم يكن الأمر كذلك. وجاء في تعليقات على تويتر أن من أفضال كورونا، إيقاف عادة القبل عند السلام ولو إلى حين، بينما أكد آخرون أنهم سيستمرون في عدم السلام بالقبل حتى بعد مرور الجائحة، وأعرب غيرهم عن أسفهم لفقدان هذه العادة، ولو خلال هذه المرحلة لكونها كانت تعكس نوعا من الدفء في العلاقات بين الناس.

ويبدو أن جائحة كورونا ساهمت في عولمة بعض أشكال السلام التي أخذت محل السلام بالقبل وحتى المصافحة، ومنها تلك التي تم تداولها على نطاق واسع على شبكات التواصل الاجتماعي مثل السلام بملامسة الأحذية اليمين مع اليمين المقابل، ثم اليسار مع اليسار المقابل، حتى غدت هذه الطريقة منتشرة بشكل كبير. بينما تطورت في إيران طريقة جديدة لإلقاء تحية تتمثل في دفع قبضة مغلقة نحو قبضة الشخص الآخر دون ملامسة، ويكتفي آخرون بالإيماء بقبلة عن بعد أو بإشارة باليد.

 

 

   

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.