تخطي إلى المحتوى الرئيسي
أخبار العالم

المهاجرون في عرض البحر: كورونا من أمامهم والحرب والأتراك من ورائهم فأين المفرّ؟

مهاجرون في البحر المتوسط
مهاجرون في البحر المتوسط © فرانس 24

مع بدء انقشاع سحابة وباء كورونا المستجد، عاد شبح مأساة المهاجرين غير الشرعيين، الجاثم على منطقة المتوسّط. فجميع المنظمات غير الحكومية وسفن الإنقاذ العاملة في البحر المتوسط كانت قد علقت عمليات إنقاذ المهاجرين في منطقة البحث والإنقاذ، منذ بداية انتشار الجائحة، تاركة قوارب الموت تواجه مصيرها وعلى متنها مئات اليائسين، وربما بعض المندسّين الفارّين من جرائمهم.

إعلان

كما أدت إجراءات مكافحة الجائحة إلى تعطل حركة الخطوط الجوية والمطارات حول العالم، ما دفع بمفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة إلى تعليق كافة رحلات إعادة التوطي، .لتصل الأزمة الإنسانية اليوم إلى "مستويات غير مسبوقة" وفق تقديرات جمعية SOS Mediterranean المدنية الأوروبية لطلبات الإنقاذ البحري.

وطالبت الجمعية، في أحدث بياناتها، بإنزال نحو 425 مهاجر، في مكان آمن، بعد أن تقطّعت بهم السبل خارج المياه الإقليمية المالطية على أربع سفن سياحية خاصة مستأجرة من قبل حكومة مالطا. ودعت الجمعية الدول الأوروبية إلى إعادة إنشاء آلية منسقة لنقل الأشخاص الذين تم إنقاذهم في وسط البحر الأبيض المتوسط، عوضا عن استخدامهم كورقة مفاوضات سياسية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي، وبحسب الجمعية، تواصل تلكؤها في إيجاد حل لهذه الأزمة.

 من جانبه، كان فنسان كوشتل مبعوث المفوضية الأممية السامية لشؤون اللاجئين قد حذر من وقف عمليات الإغاثة البحرية وتباطؤ البلدان في إنقاذ الأشخاص وإنزالهم من السفن، مشيرا إلى أن "75% من المهاجرين الآتين من ليبيا فقدوا عملهم خلال تدابير الحجر مما سيدفعهم إلى اليأس" حيث زاد عدد سفن المهاجرين التي تنطلق من ليبيا بنسبة 290%.

المشاهد متكررة والنتيجة واحدة

في مشهد سابق مشابه، طلبت منظمة حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش) من مالطا السماح لأكثر من 160 مهاجرًا تقطعت بهم السبل في البحر الأبيض المتوسط ​​بالنزول إلى الجزيرة التي استقبلت، بداية العام الحالي 2020، ما يقرب من 1400 مهاجر، بمعدل زيادة بلغ 438% على أساسٍ سنوي، وفق بيانات الحكومة المالطية، وذلك بسبب قربها من ليبيا وندرة الرقابة على الخط المؤدي إلى شواطئها، خلافا لما هو الحال في الخط المؤدي إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية.

 ومع قرب استنئناف الجمعيات والمنظمات الإنسانية لمشاركاتها في عمليات الإنقاذ، تتجه الأنظار إلى مصير الخلافات الأوروبية حول ملف الهجرة في المتوسط. فسبق وأن واجه إطلاق المهمة الأوروبية "إيريني" اعتراضات وتحفظات من داخل الاتحاد الأوروبي بسبب الخلافات حول أولويات القضايا الرئيسية. وكانت أولى نتائج الخلاف، إعلان مالطا عن عدم التزامها بأية عمليات عسكرية ضمن عملية "إيريني" البحرية رافضة إنزال المهاجرين في موانئها.

وتقف الدول الأوروبية في موقف لا تحسد عليه أمام معضلة لا تجد لها حلّا، وانقسام حاد تعمّقه المخاوف من القادم المجهول. فمن جهة يتوجب على الدول الأعضاء الإيفاء بالتزاماتها الأخلاقية والإنسانية، فيما تؤكد التقارير الأمنية إمكانية تفجّر الأوضاع الأوروبية الداخلية وخطورة الوضع في ليبيا ودول الساحل الإفريقي.

كما لا يملك الأوروبيون الكثير من الخيارات فيما يخص الاعتماد على خفر السواحل الليبي التابع لحكومة الوفاق والذي يواجه الكثير من الانتقادات في طريقة تعاطيه مع ملف الهجرة. فقد وثقت منظمة الهجرة الدولية، عدة مرّات، اعتراض دوريات تابعة لخفر السواحل الليبي لقوارب مهاجرين كانوا في طريقهم إلى أوروبا، وأعادتهم إلى ليبيا، ليتم بعدها إيداعهم في مراكز الاحتجاز الموجودة غرب البلاد. وفي هذا الإطار، أكدت المنظمة، أن عمليات المغادرة من الساحل الليبي ارتفعت بشكل ملحوظ مؤخرا، بالتزامن من انخفاضٍ مقلق في موارد البحث والإنقاذ في المتوسط، ما أدى إلى اختفاء العديد من القوارب والزوارق في عرض البحر. وطالبت منظمة الهجرة الدولية الاتحاد الأوروبي بإنشاء بدائل سريعة وآمنة عن إعادة الهاجرين إلى ليبيا الغارقة في الفوضى والحرب.

ويستهجن البعض عدم التفات الأوروبيين إلى الانتقادات التي وجهتها منظمات حقوقية، إقليمية ودولية، للاتفاقيات والعقود الموقعة بين الاتحاد الأوروبي وخفر السواحل الليبي ومجموعات مسلحة ليبية أخرى، معتبرة أن تلك الاتفاقات وضعت المهاجرين تحت رحمة المجموعات المسلحة، داخل مراكز احتجاز مكتظة تفتقر إلى البنى التحتية المناسبة.

وحتى عندما تكشّف قصور مهمة "صوفيا" العسكرية البحرية عن احتواء أزمة الهجرة، استبدلها الأوروبيون بعملية "إيريني" التي تتعامل مع التصدي لمهربي البشر في البحر المتوسط على اعتباره "مهمة ثانوية"، وفق تصريحات قائد العملية الأدميرال الإيطالي فابيو أغوستيني، الذي أوضح أن السفينة الفرنسية المشاركة بالمهمة لديها قدرة كشف جوية وبحرية تمكّنها من المساعدة على منع صادرات النفط غير المشروعة، مشددا على ضرورة تهيئة خفر السواحل الليبي والبحرية من أجل مكافحة الاتجار بالبشر.

المهاجرون عبر المتوسط، ورقة ضغط تركية جديدة

بدأ القلق يتعاظم في أوروبا منذ توقيع تركيا لاتفاقيات ترسيم الحدود والتعاون الأمني مع حكومة الوفاق الليبية، والتي شرعنت للأتراك نقل الأسلحة والمقاتلين إلى الموانئ والمطارات الليبية. وفور بدء التحركات العسكرية التركية في ليبيا، نهاية العام 2019، تجاوزعدد المهاجرين الذين دخلوا إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط حاجز الـ 107 ألف شخص، بينهم أكثر من 14 ألف سوري، لتصبح الحدود الليبية الأوروبية الفك الثاني من الكماشة التي تطبقها تركيا على أوروبا، من أجل ممارسة ضغطها المتواصل بورقة المهاجرين، كما فعلت مع فك الكماشة الأول المتمثل في بحر أيجة والحدود مع اليونان.

واستغلت تركيا غياب الاتحاد الأوروبي عن المشهد الليبي وانشغاله بأزمة فيروس كورونا المستجد، ليستيقظ الأوروبيون على ورطة انحسار نفوذهم على أبواب حدودهم الجنوبية، وسط تأثر الدور الأوروبي بمواقف الدول الفردية من الأطراف المحلية والإقليمية الفاعلة في ليبيا.

وهنا لا يمكننا إغفال تصريحات الصحوة التي جاءت على لسان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان متحدثا عن المخاوف الأمنية الأوروبية من وجود مرتزقة على بعد نحو 200 كم من الحدود القارة العجوز. وفي إعرابٍ مماثل عن القلق لما يجري في المتوسط، أعلن جوزيف بوريل، الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، نائب رئيس المفوضية الأوروبية أن دول الاتحاد الأوروبي لا تريد المشاركة في المناقشات مع تركيا حول قضية الهجرة إذا أصرت أنقرة على استمرار أعمال التنقيب غير القانونية بمنطقة شرق المتوسط، مطالبا تركيا بأن تدرك أن إعلانها عدم إيقاف المهاجرين واللاجئين الساعين إلى دخول أوروبا يمثل ضغوطا كبيرة على الحدود الأوروبية.

يأتي هذا في وقت رصد فيه موقع "إتيمال رادار" الإيطالي تعزيز تركيا لجسرها الجوي إلى مدينتيْ طرابلس ومصراتة، وإرسالها رحلات شحن عسكرية ضخمة في الآونة الأخيرة، على متنها أسلحة ومرتزقة.

كما كشف تقرير لموقع "إنفستغايتف جورنال"، قيام تركيا بالتحايل على "المرتزقة" السوريين الذين تنقلهم إلى ليبيا مقدمة لهم الإغراءات المادية وممنّية بعضهم بإمكانية التسلل نحو أوروبا، فيما تخفي عنهم طبيعة الحرب الليبية والمخاطر التي تنتظرهم، مستغلة فقرهم وبحثهم عن فرصة جديدة بعد الخسائر التي لحقت بهم في سوريا وخوفهم من المحاسبة على انخراطهم في المجموعات الإرهابية.

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد كشف، في يناير/كانون الثاني من العام الحالي 2020، عن نجاح عشرات المرتزقة السوريين في الوصول إلى أوروبا، بعد أن أرسلتهم تركيا إلى ليبيا من أجل القتال إلى جانب قوات حكومة فايز السراج. وأوضح المرصد أن عصابات تهريب البشر استغلت رغبة المرتزقة في عدم العودة إلى تركيا أو سوريا، لترفع تكلفة رحلة تهريب الشخص الواحد من مدينة الزاوية غربي طرابلس إلى إيطاليا، من 700 دولار إلى أكثر من 1300 دولار، ما شكّل مصدرا جديدا للدخل بالنسبة للجماعات الخارجة عن القانون، والتي لم تنجح الحكومة المعترفة بها دوليا في التعامل معها والسيطرة عليها.

من جانبها، شنت مجلة «سبكتاتور» البريطانية هجوما عنيفا على أنقرة متهمة إياها باستغلال "آلاف السوريين الفقراء" في القتال لحسابها في ليبيا، مقابل منحهم رواتب مالية يصل إجماليها إلى خمسة ملايين دولار شهريا على الأقل، ووعود بإعطائهم الجنسية التركية، ونقلهم إلى أوروبا بعد أن تضع الحرب أوزارها.

ما الحل إذا؟

في ظل هذه المعطيات وتباين منهجية التفكير بين المنظمات الإنسانية والحقوقية من جهة، والجهات الأمنية والاستخباراتية والسياسية من جهةٍ أخرى، يصعب التكهن بشكل الحل الممكن لأزمة المهاجرين غير الشرعيين عبر المتوسط، وسط استمرار الحروب الطاحنة ووباء "كورونا"، لتبقى المعاهدات ومذكرات التفاهم الخاصة بهذا الملف مجرد "حبر على ورق" لا تؤثر على حال المهاجرين وأزمتهم في ليبيا، حتى وإن سيطرت حكومة الوفاق على أغلب الساحل الغربي للبلاد بدعم من تركيا. كما سيضطر الأوروبيون، ما لم يحلّوا المسألة الليبية، إلى مواجهة الانتقادات المتواصلة التي تتهمهم بانتهاج سياسات عنصرية فيما يتعلق بالهجرة التي حولت البحر المتوسط، بحسب منظمة "ميديترانيا سايفنغ هيومانز"، إلى مقبرة للمهاجرين بدلا من أن يكون مكانا لتلاقي الحضارات.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.