تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ليبيا

ما الدور الذي تحاول باريس رسمه لنفسها في ليبيا؟

لقاء بين حفتر والسراج برعاية ماكرون
لقاء بين حفتر والسراج برعاية ماكرون © رويترز

من جديد، عادت التساؤلات بشأن الدور الذي تلعبه باريس في ليبيا، بعد التحذيرات الفرنسية من خطر التدخل التركي في ليبيا على أوروبا. فالفرنسيون يعتبرون التفاهمات الروسية التركية خطرا على مصلحة الاتحاد الأوروبي واستقراره، لا سيما وأن الصراعات تقف على أبواب القارة الأوروبية.

إعلان

وإذا كانت وزارة الخارجية الفرنسية تطالب اليوم، و"بإلحاح"، أطراف النزاع الليبي بوقف جميع العمليات العسكرية والانخراط في المفاوضات، فإن كثيرون يتساءلون عن سبب صمتها طيلة عامٍ منذ بدء معارك طرابلس والمدن الغربية الليبية، وهو ما اعبره كثيرون بمثابة الدعم الواضح للمشير خليفة حفتر.

 في هذا الإطار، يعتبر بعض المتخصصين الفرنسيين في الشأن الليبي، مثل باتريك هيمزاده، أن التقدم الذي حققته حكومة الوفاق بدعم تركي شكّل انتكاسة للفرنسيين وليس للمشير خليفة حفتر وحده. لكن هؤلاء يغفلون أن الرئيس إيمانويل ماكرون، الاقتصادي الذي، لم يؤيد يوما التدخلات العسكرية المباشرة، وهو ما عبّر عنه في عام 2017، خلال خطابه أمام نحو 800 طالب في جامعة واغادوغو ببوركينا فاسو مؤكدا أنه لم يكن ليؤيد التدخل العسكري الفرنسي في ليبيا عام 2011، وموضحا عدم إيمانه بالحلول العسكرية التي لا تأتي ضمن رؤية سياسية وحل سياسي على الأرض. ومن هنا يتأكد لنا أن باريس كانت، ولا تزال، تسعى إلى إصلاح ما تعتبره أخطاء الماضي في ليبيا.

ومن جهةٍ أخرى، وجدت فرنسا نفسها أمام التعقيدات التي تلف الملف الليبي من كل جانب، فحاوت لعب دورٍ يحل الأزمة الليبية ويحفظ الأمن الأوروبي في الوقت نفسه، فبدت وكأنها متذبذبة بين الأطراف الليبية. ففرنسا دعمت الجيش الوطني الليبي والمشير خليفة حفتر وأعطته الشرعية السياسية، من خلال مبادرة باريس لعام 2017، وذلك بهدف السيطرة على الإرهاب في ليبيا ومنطقة الساحل حيث تتواجد القوات الفرنسية. وهو ما يختلف عن الهدف الإيطالي الرامي إلى احتواء موجات الهجرة التي تضرب السواحل الإيطالية بشكلٍ يومي انطلاقا من السواحل التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الليبية.

ومؤخرا، وصل الوضع في ليبيا إلى نقطة حساسة على الصعيد الأمني بالنسبة لفرنسا، حين بدأت تركيا تدخلها المباشر في ليبيا، إثر توقيعها، مع حكومة الوفاق، على اتفاقيتي ترسيم الحدود البحرية والتنقيب عن الغاز والنفط في المياه الليبية. في تلك اللحظة، خرج ماكرون محذرا من خطورة التدخل التركي وارتباطه بمنطقة الساحل الافريقي، لا سيما بعد هروب عدد من المقاتلين الذين نقلتهم أنقرة إلى ليبيا ووصولهم إلى أوروبا، فيما كشفت التقارير الاستخباراتية حينها عن تواصل مقاتلي بوكو حرام مع جماعات مسلحة في مناطق نفوذ حكومة الوفاق وتركيا.

وعرقل الرهان النفطي والغازي في المتوسط مواقف الأوروبيين من المعارك الدائرة في ليبيا. فعلى الرغم من توجيه ماكرون، وبحضور رئيس الوزراء اليوناني، للاتهامات إلى الرئيس التركي بعدم احترام مخرجات مؤتمر برلين وقرارات حظر السلاح، فيما لم يتحدث عن الأطراف الداعمة لحفتر، إلا أن الرئيس الفرنسي كان يعي تماما ضرورة الحفاظ على حدٍّ أدنى من العلاقات مع أنقرة التي يضطر الأوروبيون للتعاون معها في محاربة الإرهاب في الشرق الأوسط وإدارة ملف عودة المقاتلين الأجانب من سوريا.

واليوم مع سيطرة تركيا وحلفائها على محاور غرب ليبيا واقتبراها من منطقة الهلال النفطي وإمكانية إحكام قبضتها على حوض خليج سرت الغني بالغاز الطبيعي، ثم الجفرة وسط ليبيا مع ما تمثله تلك المنطقة من أهمية على صعيد خطوط الوصول إلى طرابلس غربا وبنغازي شرقا وحدود ليبيا وتشاد جنوبا، قد تُضطّر فرنسا لاتخاذ موقفٍ أكثر حزما ووضوحا. فالتحاور مع تركيا ليس بالأمر السهل، على حد تعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بداية وصوله إلى الرئاسة، وهو الذي تحدث أيضا عن الموت السريري لحلف شمال الأطلسي بعد تدخل تركيا ضد الأكراد في سوريا، وعبّر عن انزعاجه من استراتيجية ليّ الذراع التي تلعبها تركيا من خلال الضغط على أوروبا بورقة المهاجرين.

كما تتزامن المعطيات الجديدة في ليبيا مع انطلاق عملية "تاكوبا" الأوروبية التي تضم قوات خاصة للتدخل السريع، تسعى لملئ الفراغات التي لم تسيطر عليها عملية "برخان" في منطقة الساحل. وفي هذا الإطار، لن يناسب الأهداف الأوروبية أن يخسر الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر سيطرته على مناطق الجنوب. ونتذكّر في مارس/ آذار من العام الماضي، حين سيطر الجيش على الجنوب، كيف تحدّث وزير الخارجية الفرنسي مع المشير خليفة حفتر، في مقر القيادة العامة في الرجمة شرق ليبيا، قائلا له بنشوة "كُنّا ننتظر انتصارتكم!". وحينها قام الإعلام الفرنسي بمقارنة الانضباط والهدوء والمدنية التي تحظي بها مناطق سيطرة المشير حفتر، مع الفوضى الطاغية على المشهد غرب ليبيا. والأيام المقبلة سترسم ملامح أكثر وضوحا للدور الفرنسي في ليبيا، مع بعض التنازلات البعيدة ربما عن الرهان على نظام قوي قادر على امتلاك الأرض وقيادة عملية سياسية شاملة.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.