تخطي إلى المحتوى الرئيسي

100 عام على ولادة السكرتير الأسبق جورج مارشيه: آخر الشيوعيين الفرنسيين "الوطنيين"

جورج مارشيه يلقي خطاباً في المؤتمر الثامن والعشرين للحزب الشيوعي الفرنسي في باريس
جورج مارشيه يلقي خطاباً في المؤتمر الثامن والعشرين للحزب الشيوعي الفرنسي في باريس © أ ف ب
نص : علاء خزام
5 دقائق

حلت في 7 حزيران 2020 الذكرى المئوية لولادة السكرتير العام الأسبق للحزب الشيوعي الفرنسي جورج مارشيه الذي طبع الحياة السياسية الفرنسية، خاصة خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، بمواقفه وأسلوبه الفريد وكان علامة فارقة لمرحلة شهدت تحولات كبرى في تاريخ اليسار الفرنسي وكانت فاتحة لبداية الانهيار الشعبي المديد الذي يعيش الحزب نتائجه اليوم.

إعلان

لعل أكثر ما يتذكر من خلاله الفرنسيون جورج مارشيه هو الحوار التلفزيوني الذي خاضه مع صحافيين عام 1980 وظهر خلاله كشخصية جامحة وواثقة وكاريزمية، قليل الثقة بعالم الصحافة وذو حس فكاهة وسخرية عاليين. الرجل الذي قاد حزباً كان جماهيرياً في حينها بين عامي 1972 و1994، بات يعرف منذ ذلك الوقت برجل التصريحات النارية واللاعب الذكي على فنون الصورة والأداء والخطابة الإعلامية.

طلعاته الإعلامية من نوع "اخرس يا كباش" (متوجهاً إلى الصحافي جان بيار الكباش) و"إنه لمن المزعج للغاية النقاش معكم" (للصحافي آلان دوهاميل) و"ليليان، احزمي الحقائب، سنعود إلى باريس" (مخاطباً زوجته خلال عطلة صيف كانا يقضيانها في كورسيكا وبعد سماعه واحداً من خطابات الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران)، وغيرها الكثير دخلت التراث السياسي الفرنسي وخاصة بعد أن فرض التلفزيون (والإعلام عموماً) في حينه نفسه لاعباً رئيسياً في المعادلات السياسية.

مارشيه في استديوهات إذاعة "أوروبا 1" مجيباً على أسئلة الصحافيين عام 1980
مارشيه في استديوهات إذاعة "أوروبا 1" مجيباً على أسئلة الصحافيين عام 1980 © أ ف ب

لكن السكرتير الأسبق للحزب الشيوعي كان أكثر بكثير من شخصية إعلامية! فقد تحوّل هذا العامل السابق، المولود لأب من عمّال مقالع الحجارة وأم ترملّت بعد الحرب العالمية الثانية، إلى سكرتير عام للحزب القوي للغاية (في الستينات كان واحد من كل أربعة فرنسيين يصوت للحزب الشيوعي الفرنسي) آملاً في تمثيل الطبقات العاملة. يبدو أن كل ذلك قد اختفى اليوم، رغم ما يقوله جيرارد ستريف، مؤلف سيرة شخصية عن مارشيه نُشرت عام 2017، من أن الرجل لا زال يتمتع بشعبية كبيرة في الأوساط الشعبية التي تشعر بحنين له.

تحولت شخصيات الحزب بعد مارشيه إلى ما يشبه موظفين سياسيين يبنون، كما الأحزاب الأخرى، سيرة سياسية خاصة تمنحهم امتيازاً للترقي في المناصب والوصول إلى القيادة. لكن جورج مارشيه ينتمي إلى جيل من الشيوعيين، بات نادراً اليوم، لطالما انتمى أو تفاخر بانتمائه أو ابتكر لنفسه انتماءً عمالياً وشعبياً.

ولد مارشيه لعائلة متواضعة في مقاطعة نورماندي (شمال غرب) وكان أولاً عاملاً في صناعة الطيران شغوفاً بالميكانيك والمعادن. انضم إلى الحزب الشيوعي عن طريق النقابات في وقت كان فيه الحزب يجند ويبث دعايته المكثفة في كل مكان في مصانع البلاد واضعاً لنفسه أولوية "تثويرهم" أو حضهم على الثورة. وستلفت شخصيته الصريحة وحزمه ونشاطه الفائق نظر قيادات الحزب الشيوعي، وخاصة سكرتير الحزب العام في ذلك الوقت موريس توريز لأن مارشيه "لم يتلوث" كباقي الشيوعيين الفرنسيين بالموافقة على المعاهدة السوفيتية الألمانية النازية إرضاءً لموسكو.

مارشيه مع عمال مصانع "رينو" المضربين في أيار 1968
مارشيه مع عمال مصانع "رينو" المضربين في أيار 1968 © أ ف ب

غير أن نقطتين "سوداوين" ستبقيان في أرشيف مارشيه وهما أنه لم يشارك في المقاومة التي خاضها الحزب ضد الاحتلال النازي وأنه انتقل للعمل بين 1942 و1944، أي في عز الحرب، في مصانع ألمانيا لإنتاج الطائرات المقاتلة. سيبرر مارشيه ذلك فيما بعد بالقول إنه تم ترحيله قسراً من ألمانيا قبل أن يهرب ويلجأ إلى منزله في نورماندي. ومع ذلك، فقد حاول الحزب بواسطة أحد كتابه اللامعين (جان كانابا) ابتكار أسطورة أن مارشيه كان في ألمانيا للتجسس على النازيين لصالح السوفييت.

على أي حال، صعوده على رأس الحزب عام 1972، رغم أنه لم يكن المرشح المفضل للسكرتير العام الأسبق فالديك روشيه، يعود ربما إلى عاملين على الأقل: أولهما أنه لم يكن بسبب "عماليته" محسوباً من بين مفكري الحزب، الأمر الذي دفع إلى الاعتقاد بسهولة ضبطه وتسييره والاستهانة به، والثاني هي قوة حضوره أمام الكاميرات وفي وسائل الإعلام وصورته كعامل ملتزم للغاية ومكرس بالتمام لقضية الحزب. لتبدأ بذلك مسيرة قيادية استمرت 22 عاماً وشهدت مراحل صعبة بينها التحالف التاريخي بين الشيوعيين والحزب الاشتراكي ودخول الحزب إلى الحكومة، ثم انهيار التحالف وخسارة الحزب قواعده بالتدريج لمصلحة ارتفاع في أسهم اليمين المتطرف، والغزو السوفياتي لأفغانستان ثم انهيار الاتحاد السوفيتي وانحسار الحزب وتراجعه إلى مصاف الأحزاب الصغيرة.

مارشيه وميتران وفابر، التحالف الثلاثي الذي أنتج البرنامج الاشتراكي الموحد لعام 1972
مارشيه وميتران وفابر، التحالف الثلاثي الذي أنتج البرنامج الاشتراكي الموحد لعام 1972 © أ ف ب

جسد مارشيه حزباً كان يدافع عن النزعة العمالية ويرفع شعار الشعبية والوطنية في الوقت نفسه ويحاول إثبات إمكانية تأسيس "اشتراكية بألوان فرنسا"، وهو ما وصفه المحامي والشيوعي السابق ريجيس دو كاستيلناو بأنه كان "أداة لاندماج الطبقة العاملة الفرنسية في الأمة". معادلة الانتماء الوطني والأفق الأممي للطبقة العاملة ما فتئت تشغل القياديين والمفكرين الشيوعيين حول العالم (وخاصة في الغرب) وهي تبدو اليوم قد حسمت من قبل الحزب الشيوعي لصالح أممية تتهم بأنها ناقصة، تدير ظهرها لهموم الطبقة العاملة المحلية ولا تأخذ في الاعتبار من مشكلات البلاد سوى تلك المتعلقة بالمهاجرين أو الأقليات أو النضالات الفئوية التي صعدت إلى السطح السياسي وحصدت كل الاهتمام مع أحداث أيار 1968.

ليس غريباً بالتالي أن يكون موقف مارشيه من انتفاضة 1968 الطلابية موقف المندد بـ"الثورة البرجوازية الكاذبة التي يقودها الأناركي الألماني كوهن-بينديت"، وذلك في مقال شهير نشرته جريدة الحزب في ذلك الزمن. ولكن كذلك، وفي ظل الأزمات الحالية الكبرى التي تضرب البنيان السياسي والاقتصادي الأوروبي والتي شهدنا أنموذجاً عنها خلال أزمة كورونا، لا تزال لمواقف مارشيه أصداء اليوم. ففي عام 1977، حذر السكرتير الأسبق في إشارة إلى الاتحاد الأوروبي: "نريد أن نكون سادة في بلادنا. لا نريد أن يتم وضع سياسة فرنسا في مكان آخر غير باريس. نريد الاستقلال والسيادة". وفي عام 1981، قاد مارشيه حملته الرئاسية تحت شعار "لننتج فرنسياً"، في إشارة إلى النزعة الحمائية التي رغم أنها تحظى بشعبية كبيرة اليوم إلا أن من يدافع عنها بات اليمين المتطرف الفرنسي.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.