تخطي إلى المحتوى الرئيسي

"صوماليلاند" المنسية تعود إلى واجهة الأحداث

سوق تجاري في هرجيسا عاصمة "صوماليلاند"
سوق تجاري في هرجيسا عاصمة "صوماليلاند" AFP - EDUARDO SOTERAS

تردد اسم "أرض الصومال" أو "صوماليلاند" خلال السنوات القليلة الماضية، بسبب التجاذبات الدولية والمطامع الاستراتيجية الدائرة حولها، لكن ذلك لا يمنع جهل الكثيرين بوجودها، وهي الجمهورية المعلنة ذاتيا منذ ثلاثة عقود. واليوم، عادت لتحتل صلب أحاديث الناس والتقارير البحثية والإعلامية، بفضل "لقاء المصالحة" الذي جمع رئيسها موسى بيحي عبدي بنظيره الصومالي عبد الله فرماجو، وذلك بمبادرة من الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر غيلي، وبحضور أبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي.

إعلان

وحتى هذه اللحظة، لا يعترف المجتمع الدولي بـ "أرض الصومال" كدولة مستقلة بل يعتبرها جزءا من الصومال، بَيْدَ أن الاقليم يتمتع بنظام سياسي متكامل ومؤسسات حكومية فعّالة وأجهزة امنية وعملة نقدية مستقلة، بالإضافة إلى نجاح هذه المنطقة في النأي بنفسها عن دوامة الفوضى والعنف التي تعصف بالصومال.

 

استقلال من طرف واحد

كانت استثنائية تلك الظروف التي تم فيها إعلان الحكم الذاتي في المحمية البريطانية السابقة "صوماليلاند". فمنذ ستينيات القرن الماضي لم تتوقف محاولات الانفصال، إلى أن تأسست رسميا "حركة تحرير أرض الصومال" في عام 1981 بدعم بريطاني. ثم ما لبثت الحركة أن أنشأت مقرًا عسكريًا لها في المناطق الحدودية الشرقية لإثيوبيا، لتدريب مسلّحيها وتهيئتهم للإطاحة بثالث رئيس للجمهورية الصومالية، الضابط العسكري محمد سياد بري، في عام 1991 عندما شهدت البلاد نزاعا مسلحا بين قوات بري والانفصاليين، ما تسبب في دمار مدنٍ بأكملها وخلّف عشرات الآلاف من القتلى ومثلهم من الجرحى.

وتوقّف الصراع بعد أن عقدت حركة تحرير صوماليلاند مؤتمر"برعو" للمصالحة وتقرير المصير، بمشاركة جميع الحركات التي شاركت في الإطاحة بـ "بري"، ليتم إعلان قيام جمهورية أرض الصومال في 18 من مايو/أيار 1991، من جانب واحدٍ.

وبعد مرور عامين من الفترة الانتقالية بهدوء، قامت الحركة بتسليم السلطة إلى مجلس الشيوخ المكون من أعيان القبائل أصحاب النفوذ الحقيقيين داخل الحكومة والبرلمان بغرفتيه والمجتمع ككل. وهؤلاء هم أكثر المتمسكين بسيادة جمهورية "أرض الصومال" على حدودها المعترف بها دوليًا قبل عام 1960، والواقعة داخل مساحة تبلغ 138 ألف كيلومتر شمال الصومال، يحدها كل إقليم بونت لاند شرقا، واثيوبيا جنوب غرب، وجيبوتي غربا وخليج عدن شمالا.

وعلى الرغم من التنوع الجغرافي والاستقرار السياسي، لم تنجح هذه البقعة من الأرض في الحصول على أي اعتراف دولي، إلا أن العلاقات غير رسمية التي تجمع حكومة صوماليلاند ببعض الدول تواصلت من خلال التدفق المستمر للوفود الدبلوماسية والبروتوكولية الدولية إلى العاصمة "هَرجيسا".

 صوماليلاند، موارد بشرية وطبيعية غير مستقلة

يتجاوز تعداد سكّان أرض الصومال 4 ملايين نسمة من المسلمين السُّنّة يجيدون ثلاث لغات هي الصومالية والعربية والإنجليزية، و80% منهم ينتمون إلى قبيلة "إسحاق" والباقي موزّع بين قبائل القدبيرسي أو السمرون، والغبوييي والهرتي الورسنجلي والدولباهنتي. كما ييُشكّل البدو وأشباه البدو نحو 55% من سكان صوماليلاند، فيما تتركز الكثافة السكانية بنصف مليون نسمة في العاصمة هرجيسا، الواقعة شرق الحدود مع اثيوبيا، فيما تتوزع بقية الأعداد على المدن الكبرى وعلى رأسها مدينة بربرة المطلة على خليج عدن، بالإضافة إلى مدن عيرقابو وبرعو وسيريجابو المتوزعة وسط البلاد.

وإذا كان 70% من اقتصاد صوماليلاند قائما على الزراعة، فإن ميناء بربرة يُعَدُّ وحدَهُ رئة الاقتصاد من خلال الضرائب الجمركية المفروضة على الصادرات التي تتركز في الإبل والمواشي والمنتجات الزراعية والصمغ النباتي والبخور والمواد الأولية اللازمة للعطور. أما بقية القطاعات، كالكهرباء والاتصالات والنقل والمطارات، فتم تخصيصها جميعا. وتعتمد الموازنة السنوية بشكل ملموس على تحويلات الأبناء المغتربين الذين يضخون في مصارف وطنهم نحو نصف مليار دولار سنويا.

والمفارقة أن "أرض الصومال" تمتلك ثروات طبيعية ممثلة في الفحم والنفط، لكن القانون الدولي يمنع الشركات العالمية من التنقيب أو الاستثمار في دولة غير معترف بها، الأمر الذي يحرم البلاد من امتلاك الموارد الكافية لتغطية تكاليف القطاعات الخدمية، كالصحة والتعليم وحتى الدفاع الذي يلتهم 70% من ميزانية البلاد بسبب التأهب الدائم لاندلاع الصراعات في المنطقة.

 

واحة الهدوء الجاذبة للاستثمار الأجنبي

في ظل زيادة مستويات الفقر والبطالة، وارتفاع معدلات الأمية وسوء البنية التحتية، اتخذت العديد من المؤسسات الخيرية والإغاثية، الدولية والعربية، من صوماليلاند مقرّا لمكاتبها نظرا إلى الأوضاع الأمنية غير المستقرة في أقاليم جنوب الصومال، كما تستقبل أرض الصومال عشرات الجنسيات الافريقية والعربية ممن استقرت بهم الحياة في هذه الرقعة المنسية، فيمكن للمتجول فيها أن يلتقي مثلا بالخليجيين والمصريين واللبنانيين وحتى اللاجئين السوريين الفارّين من ويلات الحرب.

ولم يكن أمام سلطات صوماليلاند سوى ميناء بربرة، بوابة الأمل والاستثمار الأجنبي اللازم لإنعاش الاقتصاد وتحقيق مستويات النمو القادرة على خلق فرص عمل ورفع السكان فوق مستوى خط الفقر. فكانت شركة موانئ دبي العالمية أول من وقعت عينهم على الميناء المنسي المطل على خليج عدن، حيث وقعت مع أرض الصومال عقد امتياز لإدارة وتشغيل ميناء بربرة لمدة ثلاثين عاما، مستهدفة تحويله إلى منطقة حرة ومركز تجاري دولي يخدم أكثر من 500 مليون نسمة في 22 دولة في منطقة شرق أفريقيا، الأمر الذي ارتفعت معه أسعار العقارات والأراضي وزادت الرواتب والقدرة الشرائية لسكان المدينة.

لكن المشروع المشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة، تسبب لصوماليلاند في توترات سياسية محلية وإقليمية، بعد أن قرّرت "أديس آبابا"، حليفتها وجارتها الحدودية، سحبت ممثلها الدبلوماسي من العاصمة "هرجيسا"، على الرغم من أنها شريك في اتفاقية ميناء بربرة بحصة نسبتها 19% من عائدات المشروع. كما عارضت مقديشو المشروع واصفة إياه بـ "الانتهاك الصارخ" لسيادة الصومال وأنه تجاوز للسلطة الشرعية التي سبق وأن رفضت محاولات الإمارات الاستثمار في الموانئ الصومالية، ما جعل دبي تلجأ إلى التفاوض المباشر مع أرض الصومال وإقليم "بونت لاند" المسيطر على ميناء "بوصاصو"، ضمن الخطة الإماراتية لبسط النفوذ على المنطقة المحيطة بمضيق باب المندب، في مواجهة نفوذ كل من الصين وقطر وتركيا.

وبعيدا عن عدم التزام الرئيس "موسى بيحي"، العسكري السابق في الجيش الصومالي، بمخرجات مفاوضات إسطنبول التي جمعت سلفه حسن شيخ محمود مع سلطة صوماليلاند، إلا أن هرغيسا مضطرة لإيجاد أرضية توافق تخرجها من الحصار الاقتصادي الذي تفرضه عليها بنود القانون الدولي كونها دولة غير معترف بها حتى الآن. وهذا ما ساهم في استئناف المفاوضات في جيبوتي بضغط من الدول التي تتقاطع مصالحها مع توافق الجانبين الصوماليين، على الرغم من الضغط الشعبي الرافض لأي شكل من أشكال الوحدة مع الصومال بسبب التباينات التي خلقتها العقود الماضية حينما كانت الصومال غارقة في حروبها بينما كانت أرض الصومال تعيش حياة أكثر تحررا وانفتاحا، ما جعل الأجيال الحالية مختلفة كل الاختلاف عن بعضها البعض، على الرغم من التاريخ المشترك واللغة الواحدة والديانة التي توحد الطرفين.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.