تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كوفي ياميان: "فرنسا ليست بلداً عنصرياً والنضال ضد العنصرية أصبح بمثابة تشريع للطائفية"

وزير الدولة الفرنسي الأسبق لشؤون الاندماج كوفي ياميان في باريس عام 2009
وزير الدولة الفرنسي الأسبق لشؤون الاندماج كوفي ياميان في باريس عام 2009 © أ ف ب
نص : علاء خزام
10 دقائق

قتلت الشرطة الأمريكية منذ مدة رجلاً أمريكياً أسود البشرة يدعى جورج فلويد. لم تكن تلك "الحادثة" هي الأولى من نوعها في البلاد التي توزع رسمياً أرقاماً وإحصاءات تصنف الناس بحسب ألوان بشرتهم وأعراقهم وأديانهم، والتي دارت بين رحاها حرب أهلية طاحنة كان إحدى أبرز ركائزها نظام الفصل العنصري التأسيسي.

إعلان

ومنذ مقتل فلويد، خرجت تظاهرات بالآلاف، في مدن الولايات الأمريكية، تندد بالعنصرية وتعلن أن "حياة السود مهمة" وتصرخ بوقف القتل السهل لفقراء السود. لكن مظاهرات ضخمة خرجت كذلك في عدة بلدان أوروبية، بينها فرنسا، تقودها حركات وتجمعات ومنظمات "راديكالية" بغية إدانة "عنصرية هيكلية" تفترضنها متضمَّنة في قوام الدولة ذاته أو حتى، في النسخة الأكثر تطرفاً، في كون المرء أبيضاً بالولادة.

وبالتوازي مع التركيز المستمر على جانب واحد في الوقائع المعطاة، أي عرق "الضحية"، وتصدّر نخبة اجتماعية مرتاحة مادياً واجهة النضال ضد العنصرية، تتعالى أصوات في فرنسا تضغط في اتجاه تجريم جهاز الشرطة كاملاً وإدانة بياض البشرة باعتباره قامعاً واستعمارياً بطبيعته، من خلال استقدام اصطلاحات أنتجت في أقسام علم الاجتماع في الجامعات الأمريكية التقدمية. إلى جانب ذلك، تتم مهاجمة النموذج الجمهوري العلماني الفرنسي وفق الاعتبارات ذاتها وتنزلق القطاعات الأكثر يسارية في البلاد نحو رفض النزعة الاندماجية الشاملة وتفضيل "صيغة أمريكية" تمييزية إيجابياً

وقد فاجئ وزير فرنسي أسبق أسود البشرة الناشطين المنخرطين في الحملة ضد العنصرية والتي تحولت إلى سيل عاطفي جارف يجتاح العالم هذه الأيام في مقابلة حديثة، خاصة وأن وسائل الإعلام الرئيسية قد تبنت التظاهرات الجارية حالياً باعتبارها "الموقف الصحيح الذي يجب اتخاذه".

مجلة "لوبوان" الفرنسية اختارت محاورة وزير الدولة الفرنسي الأسبق لشؤون الإندماج كوفي ياميان الذي استنكر الجدل الدائر الذي يهدف إلى تطبيع فكرة أن فرنسا دولة عنصرية. ياميان هو أول عمدة أسود ينتخب في فرنسا على رأس بلدية صغيرة في منطقة بروتاني الفرنسي وأول فرنسي من أصل أفريقي يدخل الحكومة بصفة وزير للشؤون الاجتماعية والاندماج خلال رئاسة فرانسوا ميتران. في هذه المقابلة المدهشة والصريحة والمليئة بما يمكن وصفه في الإعلام بالتصريحات النارية التي تصلح أن تكون مانشيتات عريضة، يجب ياميان عن تساؤلات حول "عنصرية" فرنسا المفترضة وأوضاع الفرنسيين من أي أصل عرقي أتوا، ويدافع دون تحفظ عن النظام الجمهوري الذي لم تختره فرنسا بالتفاوض والمهادنة والحلول الوسط، بل عبر ثورة (وثورات) شهيرة.


هل يمكن اعتبار فرنسا عام 2020 بلداً عنصرياً؟

لا، لا، لا! لا في عام 2020 ولا قبل ذلك. ليس لدينا أي مؤسسة أو هيئة أو قانون يدعو إلى الفصل العنصري. بطبيعتها، الجمهورية الفرنسية هي جمهورية شاملة وضامّة. لكن على المرء أن يثبت استحقاقه للحصول على الجنسية الفرنسية. يجب أن يكون أكثر بياضاً من البيض دون أن يكون لديه ما يمكن أن يلام عليه، وأن يعرف الأدب الفرنسي. أن يكون المرء فرنسياً ليس معطى بديهياً.

هل هذا أمر جيد أم سيء؟

أمر جيد! البلد يتمتع بسيادة. هو الذي يضع قوانينه، وهو الذي يعرض تعاقداً على من يريد أن يكون جزءاً من هذا المجتمع. إذا كنت راغباً في أن تصبح مواطناً وأن تمارس التصويت، عليك الالتزام بما يعرضه عليك بلدك. يجب أن يبرهن المرء على استحقاقه الحصول على الجنسية. وصلت إلى فرنسا عام 1964 قادماً من توغو وعمري 18 سنة للدراسة في مدرسة المناجم في باريس، وحصلت على الجنسية عام 1977. لقد تم منحي بطاقة الهوية هذه بطريقة لا تصدق. بعد إجراءات استمرت سنة، تلقيت في صندوق بريدي مغلفاً كتب فيه ببساطة: "من الآن فصاعداً، أنت فرنسي". عندما أصبحت وزير دولة لشؤون الاندماج، أدخلت قانوناً حول إقامة احتفال عند منح الجنسية. بالنسبة إلي، كان من المهم أن يكون لهذه اللحظة حفاوة وأبهة.

ما رأيك في حركات "النزعة العرقية" و"نزعة السكان الأصليين" والتي تتجلى بشكل صاخب في المجتمع الفرنسي؟

كل هذا لا معنى له. أنا مستعد لتصديق أن استقبال العمال المهرة في فرنسا ليس جيداً. لا يأتي أي ماليّ أو توغوليّ أو تشاديّ لغزو فرنسا. كلهم يتبعون مشاريع فردية. ولكن عند وصولهم، تضعهم الجمهورية في محافظات وأحياء يتجمعون فيها. كل هذا لا معنى له. نحن لا نقوم بما هو جيد معهم. علينا أن ندع الناس يستقرون حيث يريدون، وقبل كل شيء أن نجعلهم يختلطون. بعد أن درست الهندسة، ساهمت عدة عوامل في اندماجي بينها زواجي من فتاة من منطقة بروتاني وتعميدي في الكنيسة وطفولتي التي قضيتها في الريف. لا أفهم كيف يمكن لأجانب أن يقرروا إعادة التجمع في ما بينهم باستبعاد مواطني البلد. أنا لا أفهم حركات مثل "المجلس التمثيلي للمنظمات السوداء في فرنسا"، أو "سكان الجمهورية الأصليون". لقد أصبح النضال ضد العنصرية بمثابة تشريع للطائفية Communautarisme. غير أن الجمهورية لا تعترف بالطائفية بل بالأفراد. العنصرية أيديولوجية، موقف يتعارض مع مبادئ الجمهورية. يجب على جميع الفرنسيين الذين يستحقون الجمهورية محاربتها. لكن لا يمكن للمرء أن يكافح ضد العنصرية من خلال معارك خصوصيّة. لا يمكننا العيش سوياً بتنازلنا عن التمازج الاجتماعي والعرقي. بخلاف ذلك، سيواجه بعضنا بعضاً ونتبادل نظرات الارتياب وعدم الثقة، كما هو الحال حالياً. يجب على الأجانب الذين يأتون إلى فرنسا أن يدخلوا تماماً في المجتمع الفرنسي وأن يقبلوا بالقوانين، وأقول بشكل خاص لمواطنيّ المسلمين: قانون الجمهورية فوق قانون الله!

هل قرأت العمود الذي كتبه الممثل الفرنسي عمر سي في مجلة "لوبس" والذي يدين فيه عنف الشرطة في فرنسا والمرتبط بالعنصرية؟

نعم، قرأته وأجد أنه مبالغ فيه للغاية. من المؤسف أن عمر سي ترك نفسه يذهب نحو مثل هذا الجدل. إنه لا يقوم بأفضل مما يفعله إريك زيمور الذي ينفخ على الجمر ويشعل النيران. وإذا ما تابعنا على هذه الشاكلة، فلن ننجح أبدًا في العيش معاً. من الواضح أن هناك عنصريين في فرنسا، ولكن كما هو الحال في توغو أو الجزائر... ونجد عنصريين في جميع المهن. فما الذي سيجعل الشرطة تفلت من هذا الانحراف؟ الشرطة والدرك ليسوا كائنات فضائية. بينهم عنصريون كما في كل مكان آخر. وباعتبارهم الذراع المسلحة للدولة، يجب أن يتلقوا دوراتهم التدريبية دروساً معمقة في أخلاقيات المهنة وأن يكونوا من النخبة. الآن كيف أمكننا التأكيد على أن الشرطة الفرنسية عنصرية؟ يجب التوكيد على خطورة هذا الاتهام.

"في فرنسا، لسنا عنصريين، لكنني لا أتذكر أنني رأيت أبداً وزيراً أسود. رغم أنني أبلغ من العمر 50 عاماً، وشهدت حكومات كثيرة". هل قرأت هذه العبارات التي تفتتح بها الكاتبة فيرجيني ديبانت رسالة بعثتها إلى إذاعة "فرانس أنتير"؟

(يضحك). نعم، قرأت ذلك أيضاً. من المدهش أن فيرجيني ديبانت كتبت هذا، فهي ليست أياً كان. كان عليها أن تعرف أنه قبل استقلال ساحل العاج والسنغال، أصبح العاجي فيليكس أوفوي بوانيي والسنغالي ليوبولد سيدار سنغور وزيرين في فرنسا. كان عليها أن تتذكر أنه، بعد الاستقلالات، وجد في الحكومة على وجه الخصوص أشخاص من إفريقيا مثل روجيه بامبوك ومثلي أنا، ومؤخرا لورا فليسيل أو سيبيت ندياي. هل يجب علينا أن نذكّر أن المتحدثة الرسمية باسم الحكومة ولدت في السنغال؟

هل توجد مشكلة "سوداء" في فرنسا؟

مشكلة، لا أعتقد. حتى لو واجهنا ربما مزيداً من الصعوبات في العثور على عمل وسكن في نفس الظروف مقارنة مع زملائنا البيض. لقد عانيت من ذلك بنفسي عندما كنت أبحث عن سكن في شاتولان في بروتاني عام 1973. قامت زوجتي، وهي سيدة من صميم بروتاني أو بالأحرى بروتانية صافية، بزيارة أولى للشقة، ثم بعد ذلك ذهبت معها فقيل لنا "نحن آسفون، ولكن تم تأجير الشقة بعد زيارتكم الأولى". كم مرة سمعت هذه الجملة!

هل تعتبر أن الاندماج اليوم أكثر صعوبة أو أقل صعوبة من زمنك؟

أعتقد أن الأمر أكثر صعوبة. استقبلت مؤخراً شاباً "ميتيس" من مدينة بريست الفرنسية، وهو رجل صلب يبلغ من العمر 20 عاماً، ذو جسم رياضي قوي. قال لي إنه يعيش بالقرب من باريس في ضاحية إيفري سور سين. فجاوبت أنه ينعم بالتأكيد بالنزهات والسهرات في العاصمة. لكنه أوضح لي أنه يعود مباشرة إلى بيته بعد العمل، فاستغربت. رد الشاب أنه بمجرد خروجه يتعرض إلى إجراءات تدقيق من قبل الشرطة. يصادف أول زمرة من الشرطة، فيتعين عليه إبراز أوراقه، ثم يقطع 500 متر فتطلب منه سرية أخرى أوراقه مجدداً، وهكذا. لذا فقد أسرّ لي بالقولز "أخشى على المدى الطويل من أن أفقد أعصابي وأقوم برفع الشرطي الذي يطلب أوراقي وتحطيم رأسه على الرصيف. ومن ثم سيطلق زميله النار علي. وهذا سيتسبب بسقوط اثنين من القتلى مقابل لا شيء".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.