تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حتى الجنرال ديغول لم يسلم من المظاهرات المناهضة للعنصرية

الجنرال ديغول خلال خطاب في باريس عام 1951
الجنرال ديغول خلال خطاب في باريس عام 1951 © أ ف ب

تتهدد مخاطر التخريب تماثيل واحدة من أهم الشخصيات المؤثرة في تاريخ فرنسا والعالم، هي شخصية الجنرال شارل ديغول، بسبب الأجواء المشحونة التي تعيشها فرنسا على خلفية خروج مظاهرات منددة بـ"العنصرية وعنف رجال الشرطة"، مما حرّك ذاكرة التاريخ، قبل أيامٍ من الذكرى الثمانين لأول خطاب أطلقه ديغول من لندن في 18 يونيو/حزيران عام 1940، ليؤسس من خلاله للمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي.

إعلان

حملاتٌ على التماثيل وأسماء الشوارع

وفي خضم الحملة ضد العنصرية، طالت أعمال التخريب تمثالا نصفيا للجنرال ديغول في مدينة "أومون" شمالي فرنسا، وآخر في ضاحية "سين سان دوني" شمال باريس، ليتفاجأ المارّة برأس ديغول وهي مغطاة بطلاء برتقالي وبجملة "تاجر رقيق" مكتوبة بنفس الطلاء على قاعدة التمثال.

وأثناء مظاهرة لرابطة "الدفاع الأسود" المتضامنة مع عائلة أدما تراوري، حاول المتظاهرون أمام الجمعية العامّة استهداف تمثال جان باتيست كولبير، الوزير الفرنسي الذي شرّع الرق في المستعمرات الفرنسية امتثالا للمرسوم الملكي المتعلق بالقانون الأسود والصادر عن لويس الرابع عشر في مارس/آذار من عام 1685.

الجدير بالذكر أن هذه الحوادث ليست الأولى من نوعها، ففي مدينة "ليل" شمال فرنسا، حيث يقع تمثال الجنرال فيدرب، ثارت حفيظة ائتلاف "فيدرب يجب أن يسقط" إثر أعمال ترميم التمثال عام 2018، التي اعتبروها إهانة لشعوب المستعمرات القديمة، فهو الذي غزا السنغال واستعمرها في القرن التاسع عشر.

وفي دوردوني، غرب فرنسا، انطلقت حملة تحت شغار "تفكيك بيجو" تستهدف نزع تمثال الجنرال توما بيجو الحاكم العام للجزائر إبان الحقبة الاستعمارية. كما لم ينفذ بجلده "جول فيري" مؤسس "المدرسة للجميع"، وأحد منظري التوسع الاستعماري الفرنسي، والذي أنشأ المحمية الفرنسية في تونس. فمئات المؤسسات التعليمية تحمل اسمه اليوم، وتنتشر صوره وتماثيله في أنحاء فرنسا، لا سيما في حديقة "تويلري" الشهيرة في باريس.

ويبرز بين الرموز التي تثير غضب البعض، نصْبُ المارشال جوزيف غالييني، الذي كان موضوعا في ساحة "أنفاليد" الباريسية حتى أواخر عشرينيات القرن الماضي، حين استهدفته مجموعة من مناهضي الاستعمار قبل نقله إلى ميدان فوبان في عام 1937. وكان لغالييني دورٌ محوري في توسيع الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، وعُرِفَ عنه أساليبه الوحشية ووقوفه وراء مذبحة مينالامبا في مدغشقر، والتي ساهمت في ترسيخ العبودية والرق على الجزيرة.

وانطلاقا مما سبق، بدت الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية في الماضي، راسخة في العقل الباطن الحاضر، ومُطارِدة للوعي العالمي المعاصر، وهو ما يفسّر قيام شبابٍ في مقتبل العمر باستهداف تماثيل موضوعة في الأماكن العامة لشخصياتٍ، مثل ديغول وغامبيتا، يصفونها بـ"رموز العنصرية"، مُعَبّرين بذلك عن غضبهم من التكريم والأوسمة الممنوحة لشخصياتٍ ضالعةٍ، بشكلٍ أو بآخر، في الرق والاتجار بذوي البشرة السوداء وجرائم ضد الإنسانية.

إعادة صياغة التاريخ بدلاً من محوه

في رد على تلك الوقائع، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن "الجمهورية لن تمحو أي اسم أو أي أثر لتاريخها"، رافضا مناقشة الماضي الفرنسي، ومؤكدا "عدم التهاون في مواجهة العنصرية ومعاداة السامية والتمييز". واعتبر الرئيس الفرنسي أن النضال النبيل يمكن أن يكون مضلِّلا عندما يتحول إلى طائفية أو إعادة كتابة مثيرة للكراهية أو مغالطة للماضي". ويُفسّر البعض موقف الرئيس وكلماته غير الحاسمة، بمحاولته عدم الخوض في ملفاتٍ حساسة من شأنها أن تفتح الباب أمام سجال لا ينتهي حول الجرائم ضد الإنسانية وعواقبها والتعويض عنها، وهي نقاط مرّت عليها قرون طويلة ولن تصب في صالح التماسك المجتمعي في فرنسا، بل تكرّس روح الانعزالية.

وبعد مناقشة فكرة استبدال جميع التماثيل المثيرة للجدل بتماثيل مُقَلّدة لحماية الأصلية من التخريب، اقترح بعض المقربين من الرئيس وضع تماثيل ورموز لشخصياتٍ تاريخية لها وزنها في الذاكرة الافريقية أو لعبت دورا في محاربة الرق والعنصرية، وذلك بهدف إعادة صياغة التاريخ وخلق نوع من المواجهة بين أقطابه، في الأماكن العامة ذاتها وبنفس القيمة الرمزية.

كما كشفت المتحدثة باسم الحكومة سيبيت ندياي، عن تساؤلاتٍ طُرِحت بشأن أسماء بعض الشوارع، كشارع "بيجو" في باريس، الذي يحمل اسم الجنرال الفرنسي "توما بيجو" والذي كان مسؤولا عن ارتكاب مجازر بحق الجزائريين في القرن التاسع عشر.

وفي هذا الإطار أيضا، يقترح مستشارو الرئيس وضع نصب تذكاري، في نفس الشارع، لشخصيةٍ مثل الأمير عبد القادر الذي قاتله الجنرال بيجو، وذلك بالتوازي مع وضع تمثال للكاتب الفرنسي إيميل زولا المدافع عن "دريفوس" أمام تمثال بول ديروليدي، مؤسس حراك "إدانة دريفوس"، أي ألفريد دريفوس الضابط الفرنسي اليهودي الذي اتُّهِمَ بالخيانة والتجسس لصالح ألمانيا ثم تمت تبرئته لاحقا، واعتُبر الحراك المناهض له جزءا من معاداة السامية.

وينقسم السياسيون والبرلمانيون الفرنسيون بين من يرفض رفضا قاطعا أي محاولة لـ "استيراد" رؤية للتاريخ تخالف الذاكرة وتهاجم رموز الجمهورية وقيمها، وبين من ينادي بتغيير الأسماء المثيرة للجدل والحساسية. فالرئيس الحالي لـ"مؤسسة ذكرى العبودية"، جان مارك أيرولت، طالب بإعادة تسمية قاعة كولبير في الجمعية العامة، فيما اقترح السيناتور والوزير فيكتوران لوريل وضع "لوحة تفسيرية"، عند قاعدة التماثيل الموجودة أمام الجمعية العامة، توضّح تفاصيل ما قامت به الشخصية عبر تاريخها، مشيرا إلى عدم أحقية أي سلطة تشريعية أو قضائية تحديد الحقيقة التاريخية في دولة ديمقراطية وحرة، مضيفا "إن التاريخ يصنع الضمائر الإنسانية والذكريات المخجلة لا تزال مؤلمة"، و"في مواجهة الغموض والإنكار، يتوجب على الجمهورية أن تنال شرف العمل من أجل التوفيق بين الذكريات ومصالحتها".

الاحتواء قبل انتظار البلاء

حذّر حقوقيون وبعض أصحاب البشرة السوداء في فرنسا وغيرها، من إمكانية زيادة التوترات، التي تفاقمت منذ وفاة جورج فلويد في مينيابوليس، في حال استمرت السلطات في رفض المراجعات الهادفة إلى إحياء ضمير التاريخ، داعين إلى ضرورة مواصلة الكفاح من أجل تحقيق العدالة فيما يخص الانتهاكات التي تعرضت لها افريقيا وتتعرض لها الأجيال الحالية داخل القارة وفي الشتات. فالظروف التاريخية والسياسية لوفاة جورج فلويد أيقظت وباء عُمرُهُ أربعة قرون، لطالما كافحت الديمقراطيات الغربية من أجل القضاء عليه.

وأيقظت المظاهرات الأمريكية والفرنسية مئات القضايا النائمة، كاضطرار "هايتي" مثلا إلى دفع 90 مليون فرنك لمستعمريها من أجل نيل استقلالها، وقيام الجمهورية الفرنسية الثانية في "غوادلوب" بعد عام 1848، بسنّ تشريع يبرر العمل القسري الذي تعرض له الأفارقة خلال الاستعمار الثاني، ما أعفى تجّار الرقيق من العقوبة ودفع التعويضات. وعلى الرغم من التشريعات الفرنسية التي صنّفت الرق جريمة ضد الإنسانية، إلا أن الكثيرين يعتبرون أن هذا الملف لم يأخذ حقه في التناول بمساحاتٍ كافية وبشكلٍ يتوافق مع ما ينتظره الشارع، على مستوى التراثين الروائي والسينمائي مثلا. فالمعالجات السياسية لم تَعُد تكفي لإحتواء قنبلة الغضب التي انفجرت في وجه بعض المؤسسات الفرنسية التي كانت تنكر الممارسات العنصرية طيلة العقود الماضية.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.