تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ليوبولد سيدار سينغور: حول الزنوجة واشتراكية الأفارقة واللغة الفرنسية

سينغور يستقبل في مطار داكار الرئيس الغابوني عمر بونغو القادم لحضور القمة الفرنسية الإفريقية في 20 نيسان 1977
سينغور يستقبل في مطار داكار الرئيس الغابوني عمر بونغو القادم لحضور القمة الفرنسية الإفريقية في 20 نيسان 1977 © أ ف ب

يقدّم ليوبولد سيدار سينغور، المثقف والمناضل الفرنسي السنغالي وأول رئيس لجمهورية السنغال المستقلة، في نص من عام 1962 مجموعة الأسباب التي تدفعه إلى الاستمرار في منح اللغة الفرنسية مكان الصدارة في عمله وأفكاره.

إعلان

في ذلك "الزمن الجميل"، كان لا يزال من الممكن إجراء تمييز تاريخي بين السياسي والثقافي: بين الإدارة العسكرية السياسية الاقتصادية الاستعمارية من جهة والمنتج الأدبي والفلسفي والعلمي واللغوي الذي لا يضاهى للمراكز الكولونيالية من جهة أخرى. وإن ما يلفت النظر، على مستوى الشكل، في هذه الوثيقة هو اعتماد سينغور أسلوباً منطقياً صريحاً ذي نزعة واقعية: فبدل تغزّل مبتذل بلغة الاحتلال حُباً بالتميز عن أقرانه "الزنوج" وأملاً في تسويق نفسه لدى الإدارة الفرنسية لتعينه حاكماً عليهم باسمها، يسرد الرئيس الاشتراكي أسبابه العقلانية الموضوعية، واحداً تلو الآخر، مانحاً إياها أرقاماً تشي بتعطش إلى الوضوح الرياضي وتمنح مقولاته طابعاً حاسماً ومباشراً يتجنب اللف والدوران.

اللغة الفرنسية متفوقة "في بعض الميادين" إذا أردنا أن نتقدم. هكذا، بكل بساطة، يطرح سينغور فكرة ستعود على من يتجرأ ويقولها اليوم بوابل من الاتهامات أقلها عدم التسامح، حتى لو كان قائلها نفسه منتمياً إلى الأقليات التي يُطلب التسامح معها. لم يكن سينغور، رغم حبّه الجم لفرنسا وحروبه الثقافية والسياسية دفاعاً عن تعليم الفرنسية وتأسيس الفرنكوفونية وحتى تكوين "الاتحاد الفرنسي" للمناطق المستعمرة، كارهاً لذاته أو خجلاً بلون بشرته أو خادماً مخلصاً للسيد الأبيض (شبيهاً بشخصية "ستيفن" التي لعبها العظيم صامويل ل. جاكسون في فيلم "جانغو" لتارانتينو) كما كان ليتهم من قبل ناشطي اليسار في أيامنا. ورغم أن سينغور، الذي يُشيد علناً بـ"عبقرية فرنسية" وبـ"خصوصية فرنسية" يكاد يستحي منهما سياسيو ومثقفو فرنسا اليوم، يعتبر واحداً من روّاد الزنوجة الكبار ومدافعاً شرساً عن الوطنية الأفريقية بتقاليدها وثقافاتها ولغاتها، إلا أن ذلك لم يمنعه من رؤية المتشابك والجدلي في واحدة من أكثر الظواهر التاريخية حساسية، هرباً من سطحية التعصب المانوي إلى التعقيد الإيجابي للعقلانية الديالكتيكية.

وإلى جانب الأسباب الأربعة الأولى المهمّة على الصعيد اللغوي والقواعدي والفلسفي، يوجه سينغور، كما سنرى، في السبب الخامس ضربة كبرى إلى ناقدي النزعة الكونية الإنسانية الفرنسية (في زمانه وزماننا) بتوضيح أن الأمر لا يتعلق فقط بهيمنة طرف على آخر وسيطرة حضارة على أخرى، كما تصرّ القراءة الإيديولوجية النضالوية المتعسفة، بل بالتأثير المتبادل و"الاحتلال" المتبادل الذي مارسه، بوعي أو دون وعي، طرفا المعادلة الاستعمارية. ففي سعيها إلى الهيمنة الشاملة، تكتشف القوى المهيمنة ذات القوة الكليّة شيئاً فشيئاً عجزها عن مواجهة التاريخ وتقع، لاحول لها ولا قوة، في مصيدة مكره المعروف الذي يجبرها على الاختلاط والتشرب والتشبع والتأثر بالجماعات المرغوب السيطرة عليها، وبالتالي التغيّر وربما توسيع الأفق وتصحيح نزعات التفوق العنصرية. "لسنا مستعمَرين إلا لأننا قابلون لأن نُستعمَر"، يقول سينغور، وقطبا الواقعة الاستعمارية، المستعمِرون والمستعمَرون، يظهران بواسطة الفعل التاريخي، في الآن ذاته، أعداءً وشركاءً متواطئين، جلادين وضحايا، متأثرين ومأثراً بهم، وذلك على الرغم من فداحة الحدث في حد ذاته.

سينغور في صورة غير مؤرخة
سينغور في صورة غير مؤرخة © أ ف ب

أما اليوم، فإننا نعيش في عالم مشطور بقسوة بفعل مباضع إيديولوجية مصنوعة في مختبرات نقيّة معقمة من "المساحات الآمنة" الخالية من "الضعف الأبيض" و"الاعتداء المصغّر" و"العنصرية الهيكلية"، تحتضنها وتروّج لها الجامعات التقدميّة التي تحولت إلى ما يشبه مستشفيات للعلاج من أوبئة اضطهاد معمم مفترض واقع على ضحايا مفترضين في أماكن وأزمنة مفترضة بدورها. وبدل أن تسعى هذه المستشفيات (سيئة الذكر) إلى تحييد وتجاوز aufhebung الشرط اللوني/العرقي، فإنها تحقن روادها بفيروس العنصرية ذاته الذي تدعي مكافحته وتنتج بالتالي جيلاً "مريضاً" من الناشطين القمعيين المتغطرسين. وتكرّس، والحال هذه، معنىً واحداً فقط من المعنيين "المتناقضين" الذين يحيل إليهما في الوقت نفسه المفهوم الألماني الديالكتيكي المثير آنف الذكر. إن المرض الوحيد الذي يتمنى المرء، سينيكياً، أن يتحول وباءاً دولياً ويصاب به الجميع هو "عمى الألوان"، حتى يتمكن من تمحيص المقولات ذاتها بغض النظر عن لون قائلها ومن ثم (العودة إلى) الالتفات أخيراً نحو قضايا الشرط الاجتماعي الحاسمة فعلاً. لكن المرء يتمنى عمى الألوان فيقدّم له التاريخ فيروس كورونا!

ولا يضير سينغور تبنيه ثم ترويجه لمفهوم "الزنوجة" في حين أنه لم "يعرف"، بحسب منتقديه، العذاب والقهر الذي تضمنته حياة الزنجي الفعلية وكان بمعنى من المعاني "مُعدّاً" لينتمي إلى طبقة النخبة السوداء القيادية من المتعلمين. لأن ذلك، في أحسن صوره، نقد ينتمي إلى امتعاض كلاسيكي من الفكر في لحظات الأزمات الفارقة التي تتطلب الفعل ؛ كراهيّة يكنها السياسي المتعجّل للفيلسوف المتأني والثوري الهائج للمنظّر الساكن والناشط المعاصر لكل تفكير نقدي، دون أن يدرك هذا النقد جدل العلاقة بين النظرية والبراكسيس والأفخاخ البصرية التي تمنع رؤية حالة الهيجان التي ينطوي عليها كل إنتاج فكري أصيل. من جهة أخرى، نرى لهذا النقد أصداءً في عالم اليوم، أولاً في صورة ثوار تبرر غاياتهم النبيلة أية وسائل وضيعة متاحة وتنحو "قضاياهم العادلة" أياً كانت منحى توتاليتارياً أخلاقوياً لا علاقة له بالفكر الإيطيقي (عدا عن الخلط المتكرر بين الأخلاق والإيطيقا)، وثانياً، بشكل أكثر تطرفاً، حين يمنع، وبقوة الإيديولوجيا المهيمنة وأدواتها التي يدعي الصراع ضدها، كل خطاب حول السود، المسلمين، النساء، المثليين، إلخ لا يكون قائله أسوداً، مسلماً، امرأة، مثلياً، إلخ.

ليست "الزنوجة" لدى سينغور لون بشرة أو تصنيفاً عرقياً محدداً، كما أنها ليست، كما بات رائجاً، شرطاً تاريخياً يقيم الاضطهاد أو وضعاً اجتماعياً يكرّس التمييز بأوسع معانيهما. إن اعتبار الزنوجة لوناً إيديولوجياً عرقياً خاصاً، من جانب سود أو بيض متنوعي المقاصد، قد ينزلق بسهولة بمتبنيه إلى فخ العنصرية المضادة التي تركّز، هي أيضاً، لكن إيجابياً، على لون البشرة فـ"الأسود أجمل وأقوى وأرفع". وهي إلى جانب ذلك تكرّس التباعد أو الاختلاف، "التكاون" أو الصراع الوجودي بين جواهر ألوان وأعراق تجعل إمكانية اللقاء شبه مستحيلة. الزنوجة السينغوريّة مفهوم شعري concept poétique، لا لوناً للبشرة ولا حتى ظرفاً تاريخياً خاصاً وممتداً وقابلاً لإعادة تمثّل أبدي. وهو، ككل مفهوم فلسفي وبالضد مع تصور شعبي سائد، أبعد ما يكون عن التجريد الواهم أو الإطلاق الذي لا علاقة له بالواقع أو "الصورة" المثالية الهاربة من مواجهة الاستحقاقات الأرضية إلى بلاغة الحكمة المزيفة. ليس المفهوم الفلسفي، منذ المغامرة السقراطية الهرمنوطيقية الجسورة، إلا تكثيفاً ضرورياً لغايات عملية لأكثر الأمور والمسائل تداولاً وترداداً و"شعبية".

سنغور المنتخب حديثاً رئيساً للسنغال مع رئيس الوزراء مامادو ديا في شوارع داكار 5 أيلول 1960
سنغور المنتخب حديثاً رئيساً للسنغال مع رئيس الوزراء مامادو ديا في شوارع داكار 5 أيلول 1960 © أ ف ب

حسناً، ولكن ماذا يعني المفهوم الشعري؟

إن إدراك الزنجي لشرطه التاريخي، للإهانة والاستغلال اللذين يتعرض لهما بسبب لون بشرته، سيقوده إلى التفكير بجنة أفريقية قبل الاستعمار في سياق تأسيس وجودي لذاكرة مُأسطرة عن عصر ذهبي قديم. الأمر الذي يدفعه، بحسب سينغور، إلى تبني النوع الأدبي المحدد، أي الشعر الغنائي، الذي يكون قادراً على نقل آماله وآلامه. ورغم الاعتراضات التي قد تؤخذ على نمط التفكير المؤمثِل هذا، إلا أن ملمحه المادي بارز في تفسير الرقصات والأنغام والشعارات وغيرها بالشرط التاريخي الذي يصنعه الإنسان ويصنع الإنسان.

هكذا مثلاً، يعبّر الشاعر الهاييتي جاك رومان Jacques Roumain عن كليّة الأسود:

"أيها الأسود، يا رسول الأمل

أنت عارفٌ بكل أغان العالم

منذ تلك التي كانت تُغنّى في ورش البناء السحيقة على النيل"

هكذا أيضاً افتتح جان جينيه مسرحيته "الزنوج" (1958) بالتساؤل التحرري عن "لون الأسود": "ذات مساء، طلب مني أحد الممثلين أن أكتب مسرحية يؤديها السود. ولكن، ما هو الأسود؟ وأولاً، ما هو لونه؟". يشبه ذلك إلى حد بعيد مادة في دستور هاييتي المنتفضة ضد الاستعمار الفرنسي (1791) أعلنت نية الثوار إقامة "جمهورية سوداء يكون جميع مواطنيها سوداً أياً يكن لون بشرتهم".

كان جان بول سارتر في نصه المختصر-المفيد "أورفيوس أسود"، الذي كتبه عام 1948 كمقدمة لمختارات شعرية سوداء حررها سينغور، قد توصل، بتأثير إضافي من أصدقائه اشتراكيي وماركسيي أفريقيا المستقلة، إلى النتيجة نفسها من "الضرورة" الاستثنائية للتعبير الشعري البروليتاري الثوري الأسود الكوني. فهذا الشعر "الذي يبدو أولاً شعراً عرقياً هو في النهاية لحن للجميع من أجل الجميع" أو "الشعر الموضوعي"، بحسب سارتر الذي سيبيّن "لماذا يجب على الأسود، في وضعه الحالي، أن يعي نفسه، أولاً وبالضرورة، من خلال تجربة شعرية، ولماذا، بالعكس، يكون الشعر الأسود باللغة الفرنسية، في أيامنا، هو الشعر الثوري الكبير الوحيد". ثم، وفي عدة طلعات سينغورية هائلة، يعلن سارتر:

1- أن "الزنوجة ليست حالاً، ولا هي جمع محدد من نواقص وفضائل، من مميزات فكرية وأخلاقية، بل موقف عاطفي معين إزاء العالم" ؛ إنها "كما الحرية، نقطة انطلاق ومُنتهى" من الواجب أن تتحول من "مباشر إلى وسيط" ؛ وأن "تُدرج نفسها، مع ماضيها ومستقبلها، ضمن التاريخ الكوني" ؛ أنها صَيْر devenir.

2- أن "الزنجي لا يرغب مطلقاً في السيطرة على العالم (بل) في إلغاء الامتيازات الإثنية من أي جهة أتت، مؤكداً تضامنه مع المقموعين من كل الألوان" ؛ أن "الأسود الذي كان يُطالب، باسم خواصه العرقية، بمكان له تحت الشمس، يؤسس حالياً حقه في الحياة على مهمته (في العالم) التي هي، كمهمة البروليتاري، تأتيه من شرطه التاريخي"، وليس، إذاً، من أي أضغاث واهمة عن أصالة أصيلة أو أصل عابر للتاريخ.

3- أن "مصطلح الزنوجة يعبر إلى/في مصطلح البروليتاريا"، أي يستمر مُنحلاً فيه، وذلك في استدراج هيغيلي لطيف لجدل الذاتي والموضوعي، الوجودي والإيجابي، الإثني والمحدد. فالزنوجة، كقيمة نقيضة للتوكيد العنصري الأبيض، لا تعدو أن تكون نفياً لا يكفي لذاته pour-soi. إنها، بالأحرى، وسيلة وليس غاية، "عبور" منذور لتدمير نفسه كشرط لتحقيق مبتغاه التركيبي الإنساني في صورة مجتمع بلا أعراق.

4- أن "البنية الرأسمالية تكشف للزنجي تضامنها المحدود، بما يتجاوز فروقات لون الجلد، مع طبقات معينة من أوربيين مقموعين مثله (و) تحثّه على التخطيط لمجتمع دون امتيازات يعتبر فيه لون الجلد مجرد مصادفة بسيطة" ؛ "إن ما يسعى إليه الزنجي بالضرورة حين يعمل على تحرره الخاص هو تحرر الجميع".

مع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة خلال لقائهما في العاصمة السنغالية في 6 كانون الثاني 1974
مع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة خلال لقائهما في العاصمة السنغالية في 6 كانون الثاني 1974 © أ ف ب

لكن، هل سلمت تلك المطالعة الدفاعية السارترية عن الزنوجة، الهاتفة والداعية إلى وعي الشرط البروليتاري الأسود والداعمة بكل قواها لتحرر القارة، من هجوم أنصار الخصوصيات من العلماء اليساريين؟ كلا! يذكر الفيلسوف الماركسي ستانيسلاس سبيرو أدوتيفي Stanislas Spero Adotevi في كتابه "الزنوجة وعُلماؤها" المطبوع أول مرة عام 1970، بالنقد المسعور الذي وجهته "العناصر الأكثر محافظة وجميع العنصريين المتنكرين" والمقنعين بقناع معاداة العنصرية إلى سارتر الذي "لم يفهم شيئاً عن النفس السوداء". أولئك الذين يريدون إقامة الزنجي، أي صناعة وعبادة صنم الزنوجة الأزلي، غير القابلة للتقادم والممتنعة التجاوز، لأن للزنجي "ماهيته الخاصة والنهائية" مستحيلة الحل. ورغم أن كتاب أدوتيفي لا يكنّ كبير ودّ لسينغور ويوجه سهام نقده ضد "الاشتراكية الأفريقية" التي "ليست سوى رغبة في ضمان استمرار سلمي لحركة السلع والوعظات الكهنوتية المتصاعدة" باتجاه القارة الإفريقية، إلا أنه يفعل ذلك من موقعه الماركسي باعتبار اشتراكية الأفارقة تريد تعديل الأوضاع فقط وليس تغييرها. يشبه ذلك في الواقع العربي النقد الذي حظي به عبد الناصر واشتراكيته مثلاً من قبل الشيوعيين العرب (برجوازية صغيرة، تعديل وليس تغيير، عدم انحياز، إلخ)، ورد إيديولوجيي عبد الناصر عليهم بالأخذ بماركسية مبتورة مفصلة على القياس (دون الموقف من الدين بسبب "طبيعة" العرب، دون صراع الطبقات، إلخ).

ومثل عبد الناصر مع العروبة و"ماضي العرب المجيد" وغيرها، رفع سينغور شعار الزنوجة باعتباره وسيلة لشرعنة الانتماء إلى ثقافات القارة الإفريقية ملوحاً بأفريقيا مؤمثلة، قبل الاستعمار، في زمن حضاراتها الكبرى، دون أن يعرف، حاله كحال عبد الناصر مع العروبة، كيف يطوّر زنوجته لتصبح لحظة على طريق التضامن الكوني العابر للألوان. إلا أن ميزته بالمقارنة مع عبد الناصر كانت في وعيه المبكر والمستمر، مثل شريكه وصديقه بورقيبة، لأهمية متابعة وتمتين روابطه بالثقافة الفرنسية "الكولونيالية": لغة وفلسفة ومناهج ومؤسسات وتعليم وغيرها.

أين كنّا؟

عند نص سينغور حول اللغة الفرنسية، والذي قدرنا أن وضعه في سياقه الماضي وسياقنا الحاضر، مع ما يلزم ذلك من انتقالات عديدة متموجة مختصرة بين الأفكار والتعليقات، ضروري لفهم اختيارنا له. أسس سينغور لمدرسة زنجية ثقافية شعرية تضع الأسود، إلى جانب أقرانه المقموعين والمستغَلين، من الصين إلى تشيلي ومن استراليا إلى كندا، في قلب معركتهم التاريخية الراغبة في افتتاح عهد الحرية للبشرية كلها.

نشر هذا النص في مجلة Esprit الفرنسية، عدد تشرين الثاني/نوفمبر 1962.

سنغور يقرأ من قصائده خلال ندوة مخصصة لأعماله في مدينة تور الفرنسية في 10 أيار 1985
سنغور يقرأ من قصائده خلال ندوة مخصصة لأعماله في مدينة تور الفرنسية في 10 أيار 1985 © أ ف ب

--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

"عام 1937، وكان قد مضى حينها عامان وأنا أدرّس اللغة الفرنسية بالإضافة إلى اللغات الكلاسيكية في ثانوية ديكارت في مدينة تور، ذهبت أقضي عطلتي الصيفية في بلد مولدي السنغال، فطلب مني أن أقدم محاضرة اخترت لها موضوع "مشكلة الثقافة في بلدان أفريقيا الغربية الفرنسية". كانت الجمهور الراقي، من البيض والسود، يحتشد في قاعة غرفة التجارة الكبرى في داكار منتظراً أن يسمعني أمجّد الثقافة اليونانية اللاتينية، أو على الأقل الثقافة الفرنسية. غير أنني، وأمام ذهول الحاكم العام، حملت بشدة ضد سياسة الاستيعاب وجعلت أشيد بالزنوجة وأدعو إلى "العودة إلى الأصول": إلى اللغات الزنجية-الأفريقية. كان لذلك وقع الصدمة على الأفريقيين أكثر من الأوروبيين، فكانوا يتهامسون بالقول "الآن وقد تعلّم اللاتينية واليونانية يريد أن يعيدنا إلى اللغة الولوفية wolof".

على الرغم من الاستقلال السياسي -أو الحكم الذاتي- المعلن منذ عامين في عموم "أراضي ما وراء البحار" السابقة والتأييد الذي تحظى به الزنوجة في الدول الفرنكوفونية جنوب الصحراء، فإن اللغة الفرنسية لم تفقد هناك شيئاً من منزلتها. أقرت الفرنسية في كل مكان لغة رسيمة للدولة ولا يزال بريقها يتسع حتى في مالي وغينيا. بل أكثر من ذلك: بعد غانا، التي لا تكن رغم ذلك كبير ود تجاه فرنسا، أدخلت الدول الأنغلوفونية، الواحدة تلو الأخرى، اللغة الفرنسية في التعليم الثانوي جاعلة منها في بعض الحالات لغة إجبارية.

كيف يمكن تفسير هذا الاستحسان، وبشكل خاص هذا الفصل بين السياسة والثقافة الفرنسيتين؟ ذلك هو موضوع مداخلتي هنا.

سأقدم ملاحظة أولى تتعلق بأن هذا الفصل ظاهري أكثر مما هو حقيقي. لقد كان لنزع الاستعمار الذي تابعه الجنرال دو غول بثبات واختتم بشكل جلي في الجزائر أثر في هذا الاستحسان. في أفريقيا، لا تخضع الروح للانقسام ولا يجري فيها كما في أوروبا فصل بين الثقافة والسياسة. كاد الصراع في بيزرت أن يؤدي إلى نزع اللغة الفرنسية من المدارس التونسية.

لذلك، فإن إدراج أو إبقاء أو تعزيز تعليم الفرنسية في أفريقيا يعني أولاً أنه قد تم لأسباب سياسية، وينطبق ذلك على أفريقيا الناطقة بالإنكليزية أكثر من غيرها. ويضاف إلى هذا السبب سبب آخر: إن غالبية الدول الأفريقية فرنكوفونية كما أن ثلث الوفود في الأمم المتحدة تنطق بالفرنسية. عام 1960 وعقب الدخول المكثف للدول الأفريقية الجديدة إلى المنظمة الدولية، استخلص الحبيب بورقيبة النتيجة المنطقية التالية: يجب تعزيز التعليم بالفرنسية في تونس. وفي الوقائع، لم يطبّق الحسن الثاني سياسة مغايرة في المغرب الذي يعد لوحده ثمانية آلاف مدرس فرنسي: أي أكثر من نصف العاملين في الخارج.

رغم ذلك، فإن السبب الرئيسي وراء انتشار الفرنسية خارج حدود فرنسا القاريّة وولادة الفرنكوفونية هو من طبيعة ثقافية. وهنا سأجيب على السؤال الذي طرحته علي شخصياً مجلة Esprit: "ما الذي يمثله استخدام اللغة الفرنسية بالنسبة إلى كاتب أسود؟". سأرد بالطبع في مكان آخر على هذا التساؤل، لكنني سأسمح لنفسي فقط بتوسيع النقاش والرد باسم النخب السوداء كلها من سياسيين وكتاب. وإنني عبر قيامي بذلك مقتنع بأن جزءاً من أسبابنا ينطبق كذلك على المغاربة -وهنا أفكر بشكل خاص بالراحل جان عمروش Jean Amrouche- آخذاً بعين الاعتبار أنهم أكثر مني تأهيلاً للحديث باسمهم.

سنغور خلال مراسم قبوله عضواً جديداً في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسة بباريس في 16 كانون الأول 1969
سنغور خلال مراسم قبوله عضواً جديداً في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسة بباريس في 16 كانون الأول 1969 © أ ف ب

هنالك أولاً سبب متعلق بالوقائع، حيث أن كثيرين بين تلك النخب التي تفكّر بالفرنسية تتكلم الفرنسية بشكل أفضل من لغاتها الأم المليئة فوق ذلك بعبارات من لغة فرنسا الفرنسية francisme على الأقل في المدن. وسأقدم على ذلك مثالاً وطنياً، فالبرامج التي تبثها راديو داكار باللغة الفرنسية أكثر نقاءً من ناحية اللغة من البرامج باللغات المحلية. أكثر من ذلك: ليس من السهل دائماً بالنسبة للمستمع العادي أن يميز بين أصوات السنغاليين والفرنسيين.

السبب الثاني يعود إلى الغنى الذي تتمتع به المفردات الفرنسية، فنجد فيها عبر سلسلة الكلمات ذات الجذر الواحد والمعاني المختلفة -سواء كانت من أصل شعبي أو عالم- تعدداً في المرادفات. وأنا أعرف جيداً، على عكس المواطن الفرنسي العادي، أن اللغات الزنجية-الأفريقية تتمتع بغنىً ومرونة متميزين. ففي الموضع الذي يستخدم فيه الفرنسي كلمة لاتينية لوصف شجرة أو عبارة لوصف فعل ما، يستخدم الزنجي-الأفريقي اسماً أو فعلاً شعبياً وحداً. وكما قال أندريه دافين André Davesne في كتاب "رسوم أولية للأدغال" Croquis de Brousse، يمكننا أن نحصي سبع كلمات في اللغة الولوفية لوصف المرأة التي تمارس الدعارة بينما "يترجم فعل "يبحث" بأحد عشر كلمة وفعل "يغنّي" بعشرين". وهكذا مثلاً فإن النسخة الولوفية من كتاب "الاقتداء بالمسيح" Imitation de Jésus-Christ أكثر دقّة وجمالاً، لكونها أكثر إيقاعاً، من النسخة الفرنسية. لكن ما يبدو للمقاربة الأولية مصدر قوة للغات الزنجية-الأفريقية يتبدى في الوقت ذاته مصدراً لضعفها. فهي لغات شعرية تكون الكلمات المحددة فيها دوماً محملة بالصور ويخضع ترتيب الكلمات في المركبات اللغوية وترتيب هذه الأخيرة في الجملة للحساسية أكثر من خضوعه للوضوح، أي للأسباب القلبية أكثر من الأسباب العقلية. إن ما يجعل الفرنسية في نهاية المطاف أكثر تفوقاً في الميدان المحدد هو أنها تقدم لنا من ناحية أخرى معجماً من المفردات التقنية والعلمية على درجة من الغنى لم يتم تجاوزه وغزارة من هذه الكلمات المجردة التي تفتقدها لغاتنا.

السبب الثالث هو قواعد النحو. اللغة الفرنسية لغة محكمة لأنها مزودة بمعجم وافر يعود الفضل في جزء منه إلى مخزونها من اللاتينية والإغريقية. وهي للسبب ذاته لغة محددة ودقيقة وبالتالي واضحة. وانطلاقاً من ذلك، فإن الفرنسية لغة إدراكية نظرية discursive تضع كل حدث وكل حجة في مكانها دون أن تنسى أياً منها، وهي لغة تركيب synthèse بقدر ما هي لغة تحليل analyse، لأننا لا نحلل دون أن نركب ولا نعدّ دون أن نجمَع ولا نظهر التناقض دون أن نتجاوزه. ورغم أن الفرنسية لم تحتفظ من اللاتينية بكل صرامتها، فإنها قد ورثت عنها جملة كلمات هي بمثابة أحجار الزاوية أو الروابط أو المفاصل، كلمات كالأدوات مثل حروف العطف وعبارات الوصل التي تربط تركيباً لغوياً بآخر وفكرة بأخرى مخضعة واحدها للآخر، وتبيّن الخطوات الضرورية للتفكير النشط: للمحاكمة العقلية. أما الدليل على ذلك فهو أن المثقفين السود كان عليهم استعارة هذه الأدوات من الفرنسية لشدّ عود اللغات المحلية. وبالضد من النحو التراصفي للغات الزنجية-الأفريقية ينتصب النحو التراتبي في الفرنسية ؛ ضد النحو المحدد المعاش هنالك النحو المجرد المفكّر: قصارى القول، النحو العقلي والنحو العاطفي.

أما رابع الأسباب فيكمن في فن الأسلوبية الفرنسية. يمكن تعريف الأسلوب الفرنسي باعتباره اجتماعاً للتهذيب اليوناني والصرامة اللاتينية تحركه العاطفة السلتيّة celtique. إنه تناسق بالإضافة إلى كونه ترتيباً، وعبقريته تكمن في أنه يغرف من معجم الكون الواسع مواداً مجمعة -وقائع وعواطف وأفكاراً- ليبني عالماً جديداً هو عالم الإنسان. إنسان مثالي وحقيقي في الآن ذاته لأنه عبر الإنسان تظهر كل الأشياء، الموضوعة كلاً في مكانها، متضامنة للوصول إلى الهدف ذاته. هكذا علمنا النثر الفرنسي -والشعر وصولاً إلى السورياليين- أن نستند على وقائع وأفكار ليس فقط بغية توضيح الكون بل كذلك للتعبير عن العالم الداخلي من خلال بناء/تفكيك متماسك للكون.

مع الرئيس الفرنسي الأسبق جورج بومبيدو خلال زيارته لداكار في شباط 1971
مع الرئيس الفرنسي الأسبق جورج بومبيدو خلال زيارته لداكار في شباط 1971 © أ ف ب

السبب الخامس هو النزعة الإنسانية الفرنسية، التي تتكون تحديداً من عملية الاستجلاء التوضيحية ومن الخلق وإعادة الخلق، لأنها تتخذ من الإنسان موضوع نشاطها. وسواء تعلق الأمر بالحق أو الأدب أو الفن أو حتى العلم، فإن خصوصية العبقرية الفرنسية تبقى في أن شاغلها هو الإنسان، معبرة على الدوام عن أخلاق، ومن هنا سمتها الكونية التي تصحح تفضيلها للنزعة الفردية.

إنني مدرك للنقد الذي يوجه إلى هذه النزعة الإنسانية الخاصة بالإنسان الشريف باعتبارها نظاماً مغلقاً وساكناً مؤسساً على التوازن. ألقيت منذ عدة سنوات محاضرة بعنوان "النزعة الإنسانية في الاتحاد الفرنسي" أردت من خلالها أن أبين كيف أغنت النزعة الإنسانية الفرنسية نفسها وعمقت إدراكها بانفتاحها لتضم قيم حضارات ما وراء البحار عبر احتكاكها بالواقع "الاستعماري" هناك. كيف تحولت من الاستيعاب إلى التعاون أي إلى التكافل. من الأخلاق الستاطيقية إلى أخلاق الحركة العزيزة على قلب بيار تيلارد دو شاردان Pierre Teilhard de Chardin. وكما لاحظ جان دانييل Jean Daniel فيما يتعلق بالجزائر في مقاله في عدد 28 حزيران 1962 من مجلة "لكسبرس"، فإن المستعمِرين والمستعمَرين استعمروا بعضهم بعضاً بشكل متبادل. يقول: "لقد تشربت البلاد الفرنسية بقوة من الحضارات التي أرادت السيطرة عليها لدرجة جعلت المستعمَرين اليوم يرونها بصورة مختلفة ناظرين إلى هذا الجلاد باعتباره ضحية ذات سلطة، إلى مسبب الاغتراب مغترباً بدوره، إلى هذا العدو باعتباره متواطئاً". لا أريد أن أحتفظ هنا إلا بالمساهمة الإيجابية للاستعمار التي تبدو في فجر الاستقلال، فعدو الأمس شريك متواطئ ساهم في إغنائنا بينما كان يغني نفسه باتصاله بنا.

لكن يجب عليّ قبل أن أصل إلى الختام أن أجيب على السؤال الذي طُرح عليّ شخصياً، لأن الحجج التي قدمتها هنا هي نفسها حجج السياسيين الذين يرغبون في النهوض بعبء التنمية الاقتصادية والثقافية لشعوبهم، ليس فقط بهدف تحقيق الرفاه بل كذلك لضمان تحقيقهم لذواتهم بما يتجاوز المنافع المادية.

ما الذي يمثله بالنسبة لي ككاتب أسود استخدام اللغة الفرنسية؟ إن هذا السؤال يستحق جواباً بقدر ما يتطلب أن نتوجه هنا إلى الشاعر بعدما عرّفت اللغات الزنجية-الأفريقية بأنها "لغات شعرية". وحتى أقدم جواباً عن السؤال، سأعيد توظيف حجة الوقائع، فأنا أفكر بالفرنسية وأعبر عن نفسي بالفرنسية أفضل من لغتي الأم. هنالك أيضاً حقيقة أن كل طفل يجد نفسه منذ الصغر في بلد أجنبي يتعلم لغته بالسهولة نفسها التي يتعلمها سكانه الأصليون، وهو ما يشير إلى صفاء الروح الإنساني وأن كل لغة قادرة على التعبير عن النفس البشرية في مجملها. ما تفعله اللغة هو فقط توكيدها على هذا أو ذاك من جوانب تلك النفس وترجمتها بطريقتها الخاصة.

غير أن اللغة الفرنسية تبدو وعلى عكس ما قلناه لغة شعرية للغاية، ولا يعود ذلك فقط إلى وضوحها، بل إلى غناها. صحيح أنها كانت حتى القرن التاسع عشر لغة الأخلاقيين والحقوقيين والدبلوماسيين، "لغة لطف وصدق"، لكن مجيء فيكتور هوغو حينها، وقلبه رأساً على عقب أحكام ماليرب François de Malherbe اللغوية المهيبة لكن المتزمتة، قد وضع "... قبعة حمراء على رأس القاموس القديم" وحرر في الوقت نفسه حشداً من الكلمات المحرمة: محددة ومجردة، عالمة وتقنية، شعبية ودخيلة. بعد قرن من الزمن، جاء السرياليون الذين لم يقصروا جهودهم على نهب حديقة القصيدة-الخطاب الفرنسية، بل فجروا كلمات الربط بحيث يقدمون لنا أشعاراً عارية تضج بإيقاع النفس ذاته. عثروا على النحو الزنجي للتجميع اللغوي حيث تشتعل الكلمات، المتجاورة، بلهب المجاز: الرموز. وكما نرى، فقد كانت الأرض ممهدة لشعر زنجي باللغة الفرنسية.

مع الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان خلال القمة الفرنسية الأفريقية التي عقدت في داكار في نيسان 1977
مع الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان خلال القمة الفرنسية الأفريقية التي عقدت في داكار في نيسان 1977 © أ ف ب

بالطبع، سيقال لي، ولكن ما كانت ميزة اللغة الفرنسية بالنسبة لأولئك الذين كانوا يتقنون لغة زنجية-أفريقية؟ كانت الميزة، أساساً، غنى المفردات وحقيقة أن الفرنسية لغة ذات جمهور عالمي. سنترك جانباً هذه الحقيقة الأخيرة الواضحة لدرجة عدم استحقاقها إلى شرح. كانت ميزة الفرنسية في أنها تقدم لنا الخيار. في "رسوم أولية للأدغال"، كتب أندريه دافين أن "الأسود مهيئ إذاً، بواسطة تقاليده اللفظية، للتمييز، من بين الكلمات التي تعرضها عليه اللغة الفرنسية، بين قيمتين: أولهما مجردة ومثقفة وتتعلق بالمعنى، والثانية محددة وحسيّة وتتعلق بالطابع النغمي والموسيقي. وهو بالتالي حين يشرع دون حذر في تعلم لغتنا، سيستقي منها مجموعة مزدوجة من الكلمات: بعضها، الذي يعيّن شيئاً قابلاً للإدراك، شيء مادي مثلاً، ولا يمكن أن يتم تغيير معانيها، وبعضها الآخر، من ذوات الاستعمال الأقل رصانة، والتي تحمل معنى غامضاً بشدة أو "مثقفاً" بشدة لا يمكن أن يصير محدداً في الاستعمال الذي نخصصه له، ولكنها تستحق أن يتم استخدامها بسبب من نغمتها أو صداها السمعي".

مما هو غريزي لدى الأميين، استطعنا أن نصنع "بوايسيس" poïesis، أي منهجاً متعمداً للخلق اللغوي. لكن المشكلة، علاوة على ذلك، أكثر تعقيداً مما يقوله دافين، وتتعلق بكل الكلمات الفرنسية التي يمكنها، باقتحامها وتحويرها، إشعال لهيب المجاز. يكفي لإشعال الرمز أن ننزع الكلمات الأكثر "ثقافة" من جذورها، عن طريق البحث عميقاً في أصولها.

وكما رأينا، فإن مفردات المعجم لا تستنفذ وحدها فضائل اللغة الفرنسية. الأسلوبية، بشكل خاص، هي فرصة لصيد عجائبي. بالعودة إلى موسيقيّة الكلمات، تقدّم الفرنسية تنويعاً من الرنّات يكمن أن تستخلص منها كل الانطباعات: من لطف الرياح التجارية التي تداعب مساءاً قمم النخيل إلى عنف الصواعق الخارق الذي يضرب رؤوس أشجار الباوباب. ليس من شيء، وحتى إيقاعات اللغة الفرنسية، لا يقدّم مصادراً فوق الشك. إضافة إلى ذلك، يمكن للإيقاع الثنائي لبيت الشعر الكلاسيكي أن يجعل ضوضاء التامتام طاغية. ويكفي قلب هذا الإيقاع قليلاً حتى نتمكن من إظهار نبضات معكوسة وضربات خارج الإيقاع، فوق الإيقاع الأساسي.

ما الذي يمكن استنتاجه من كل هذا إن لم يكن أننا، سياسيون وكتاباً سوداً، نشعر، على الأقل، بأننا أحرار داخل اللغة الفرنسية بقدر حريتنا داخل لغاتنا الأم. أو أكثر حرية في الحقيقة، ذلك أن الحرية تُقاس بإمكان الأداة: بقوة الخلق. لا مجال للتنازل عن اللغات الإفريقية. خلال قرون وربما آلاف السنين القادمة، ستكون تلك اللغات مستعملة لتعبر عن الطابع الشاسع والسحيق للزنوجة. سنستمر في التقاط الصور-النماذج منها: أسماك الأعماق الكبرى. إنها مسألة التعبير عن أصالتنا كـ"ميتيس" ثقافيين، كبشر من القرن العشرين. وفي اللحظة التي تقام فيها حضارة الكوني la Civilisation de l’Universel، بفضل الشمول والاجتماع الإنساني، فإن المسألة ستكون، وبكلمة، مسألة استعمالنا لهذه الأداة الرائعة التي عُثر عليها بين أنقاض النظام الكولونيالي ؛ تلك الأداة التي هي اللغة الفرنسية.

الفرنكوفونية هي تلك النزعة الإنسانية الكاملة التي تنسج نفسها حول العالم: ذلك التكافل بين "طاقات نائمة" لجميع القارات، لجميع الأعراق، التي تنهض بفضل حرارتها المُكَّملة. قال لي أحد ممثلي "جبهة التحرير الوطنية" الجزائرية أن "فرنسا هي أنتم، هي أنا: هي الثقافة الفرنسية". لكن، لنقلب تلك الصيغة حتى نكون كاملين: الزنوجة، العروبة، هي كذلك أنتم يا فرنسيي فرنسا القاريّة. قيمنا تبعث الحياة، الآن، في الكتب التي تقرؤونها واللغة التي تتحدثون بها: اللغة الفرنسية هي الشمس الساطعة خارج فرنسا القاريّة".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.