تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل يكون عالم الفلك الشاب Ben Musci خليفةَ غاليليو ولماذا؟

سديم كارينا أو سديم القاعدة الكوني
سديم كارينا أو سديم القاعدة الكوني © ويكيبيديا

دفع الغموض الذي يلف الغبار الكوني بباحثٍ أمريكي شاب نحو اختراع آلة يحاكي بها الظروف والعوامل التي ساهمت في تشكّل السدم التي تملأ الكون الفسيح بأشكالٍ تسلب ألباب العلماء وتحيّرهم.

إعلان

فبعد دراسة أقدم أنواع الحبيبات الغبارية في المختبرات الأمريكية، قرر مختبر معهد ولاية جورجيا للتكنولوجيا، من خلال دراسة نشرتها المجلة الفيزيائية الفلكية، الكشف عن اختراع باحثه الشاب Ben Musci الذي نجح في إعادة إنتاج السدم عبر إطلاق انفجارات مماثلة للانفجارات العظيمة التي عرفتها النجوم قبل مليارات السنين.

تبدو الآلة التي اخترعها Musci كقطعة بيتزا ثلاثية الأضلاع مقلوبة، ارتفاعها متران وعرضها متر واحد، بسُمكٍ مقارب لسمك الباب. وداخل غرفة مستطيلة في قلب المثلث يمكن مراقبة الصدمة التي تحدثها موجات الانفجار المشابه للمستعرات العظيمة أثناء مرورها بطبقتين من الغاز مختلفتين في الكثافة، وباختلاطهما تظهر تموّجات غبارية متداخلة يضيئها شعاع الليزر العابر فتلتقط الكاميرات مشاهد مذهلة وأقرب ما تكون للواقع الذي شهدته المجرّات.

نماذج لمخلفات الـ "سوبر نوفا"

العديد من السدم هي بقايا الـ "سوبرنوفا"، والانفجار المتزامن لطبقات الغاز المختلفة التي تشكل النجوم، فالمنطقة التي نشأت فيها المجموعة الشمسية مثلا، كانت مكانا يعج بعدد هائل من النجوم التي تمر بمراحل مختلفة قبل أن يجذبها أحد الأجرام أو تتعرض لموجات صدمات المستعرات الأعظمية.

لم تكن مهمة الباحث بالسهولة التي تظهر بها عند رؤية الجهاز، فالغبار المنتشر بين النجوم هو أحد العناصر المهمة في المجرّة لأنه أقدم من الشمس ويحتفظ بين مكوناته ببصمات الأحداث الكونية الكبيرة، على الرغم من أن الغبار لا يمثل سوى 1% من الكتلة في الوسط الكوني، إلا أنه يحمل جزءا كبيرا من العناصر الثقيلة والضرورية لنشأة الحياة. مزيج تلك العناصر هو الذي يولد الأنماط والأشكال الرائعة التي يمكن رؤيتها باستخدام التلسكوب.

Musci مزج طبقتين من الغاز، إحداهما خارجية منخفضة الكثافة والأخرى داخلية عالية الكثافة. فداخل النجم، تُجبر الكثافةُ الغازاتِ على الاندماج لتشكيل النواة الصلبة للنجم، وعندما ينفجر النجم في زوبعة كونية مهولة، تندفع الغازات الثقيلة داخل النجم من خلال الطبقات الأخف، وتتسبب موجة الصدمة في انخفاض الضغط الذي يعيد خلط الغازات بما يحاكي المستعر الأعظم الذي يحدث في النجوم الكونية، وبنفس تلك العملية التي تنشأ عنها نجومٌ جديدة بفضل الغازات الخارجية عالية الكثافة التي يطلق عليها الباحثون "القذفات".

وبفضل الآلة الجديدة، تمكن الباحث الأمريكي الشاب من حساب سرعات انتشار هذه المادة المقذوفة بشكلٍ أكثر دقة من أجل فهم أفضل لطبيعة بقايا الـ "سوبر نوفا". وبهذه الطريقة، يمكن تقدير تواريخ ميلاد السدم الكونية، بشكل أفضل مما فعله الصينيون عام 1054، حينما اكتشفوا ميلاد سديم السرطان الذي ظل لامعا برّاقا في السماء لمدة أشهر. كما يمكن للاختراع أن يساعد في عملية تطوير الاندماج النووي، بالاستفادة من ظاهرة عكسية تتعرض فيها المواد لمستويات ضغط عالية جدا من الخارج إلى الداخل.

فهم التركيبة الكيميائية للمجرة

تُعد الفيزياء الفلكية النووية أحد أكثر التخصصات تشويقا في الفيزياء الفلكية. فبفضلها تمكن العلماء من شرح أصل العناصر ومصدر طاقة النجوم وكيفية حدوث التصادم بين النجوم النيوترونية. وكما هو معلوم، لا يمكن بالعمليات الكيميائية أو البيولوجية تحويل ذرة من عنصر إلى آخر، فقط التفاعلات النووية يمكنها تغيير شحنة وكتلة النواة الذرية وبالتالي تحويلها إلى عنصر آخر.

في الواقع، العناصر والنظائر الموجودة في الطبيعة تشكل إثباتات واقعية للعمليات النووية الجارية في تاريخ الكون منذ بدايته وحتى اليوم. وقد سمح سجل النظائر في الغبار الكوني، لاسيما نظائر النيون والحديد، بدراسة النجوم التي تشكلت منها وتوفير معلومات إضافية عن تطور التركيبة الكيميائية للمجرة. لكن، وإلى يومنا هذا، لا يزال الغموض يلف الكثير من التفاعلات الدقيقة بين النوى الغريبة التي تنتجها المستعرات العظيمة، كما لا يمكن الحديث عن حسابات كاملة ودقيقة بشأن كمية ووفرة النظائر الناتجة عن العمليات الكونية التي حدثت في مسيرة ظهور النظام الشمسي وتطور الكواكب.

ونتيجة للصعوبات التي واجهها العلماء في تتبع العمليات الكونية والصدمات والانفجارات التي شكّلت مكونات المجرّة، تم تجهيز مختبر John D. Fox Superconducting Linear Accelerator في جامعة ولاية فلوريدا، في عام 2002، لينتج عن ذلك خروج جهاز RESOLUT إلى النور. وباستخدام هذا الجهاز الذي يبلغ وزنه 16 طنًا، يمكن للباحثين إنتاج ودراسة النوى الغريبة التي تظهر في انفجارات الـ "سوبرنوفا". وقام العلماء بعملية تسريع عوارض الليثيوم بنسبة 10٪ من سرعة الضوء، ليصطدم بهدف ثابت وينتج عن ذلك النوى الثمينة التي يتم جمعها وتركيزها مغناطيسيًا ومن ثم تسريعها كي تصطدم بهدف جديد.

وأمام تدفق الغبار المنبعث من النجوم نحو نظامنا الشمسي، يقف العلماء أمام الكثير من الاكتشافات المذهلة بشأن وجود عناصر للحياة في مكونات ذلك الغبار، كثبوت وفرة الكربون في الكون بفضل قيام باحثين باستخدام تلسكوب "جرين بانك" في ولاية فرجينيا الغربية لتمييز بصمات الجزيء بنزونيتريل (C6H5CN) أو الكربوهيدرات العطرية في كتلة من الغازات والغبار يُطلق عليها "سحابة الثور الجزيئية 1"، تبعد 430 سنةً ضوئيةً عن الأرض. لذلك قد يساهم الجهاز الجديد الذي اخترعه Musci في محاكاة تلك العناصر والمكونات والتثبت من وجودها وتأثيرها على مجموعتنا الشمسية والتنبؤ بمستعرات أعظمية قد يشهدها زماننا أو تحدث رحيلنا، قد تنشأ عنها حياة جديدة على كوكب ما في هذا الكون.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.