تخطي إلى المحتوى الرئيسي

"القانون الأسود": محاكمة سياسي القرن السابع عشر بمقاييس القرن الحادي والعشرين

جان باتيست كولبير في لوحة للفنان الفرنسي روبير نانتوي من القرن السابع عشر
جان باتيست كولبير في لوحة للفنان الفرنسي روبير نانتوي من القرن السابع عشر © ويكيبيديا
نص : مونت كارلو الدولية
3 دَقيقةً

أقدم مجهولون الثلاثاء 23 حزيران 2020 على طلاء تمثال جان باتيست كولبير، السياسي البارز في عهد الملك لويس الرابع عشر، والذي ينتصب أمام مقر الجمعية الوطنية الفرنسي (البرلمان) باللون الأحمر مع عبارة تتهم الدولة الفرنسية بـ"معاداة السود". واختير كولبير تحديداً لكونه مساهماً رئيسياً في ما يعرف بـ"القانون الأسود" الذي يضع إطاراً قانونياً للعبودية في القرن السابع عشر. فما هو القانون الأسود وما سياقه التاريخي؟

إعلان

في عام 1685، كان هذا النص الشهير بمثابة مرسوم ملكي، تمت تسميته فيما بعد بـ"القانون الأسود"، ينظم العلاقات القانونية بين السادة والعبيد والإدارة الحكومية في وقت كان الرق منتشراً في المستعمرات الفرنسية منذ حوالي 60 عاماً وتمارسه دون حدود الغالبية الساحقة من ممالك وإمبراطوريات العالم حينها. وأشرف كولبير على هذا النص القانوني الذي كان يهدف إلى تحقيق عدد من الأهداف التي قد تبدو اليوم متناقضة.

أطلق على هذا النص القانوني اسم "مرسوم أو قانون حول العبيد في الجزر الأمريكية" وهو ينتمي إلى سلسلة من التدوينات التشريعية أشرف كولبير على إعدادها في ستينيات القرن السابع عشر بينها القانون المدني أو "قانون لويس" لعام 1667، وقانون المياه والغابات لعام 1669، والقانون الجرمي لعام 1670، وقواعد المجلس والقانون التجاري لعام 1673، بالإضافة إلى القانون البحري لعام 1681. أما الهدف من وراء هذا النشاط القانوني الكبير فكان تنظيم وتوحيد القانون الفرنسي الذي من شأنه أن يجعل لويس الرابع عشر شبيهاً بجستنيان الأول امبراطور بيزنطة (482-565) الشهير بمحاولاته الجبارة لتوحيد القانون الروماني: "قانون واحد تحت شمس واحدة".

صدر "القانون الأسود" عام 1685، بعد عامين من وفاة كولبير، غير أن صيغته النهائية، وكما هو الحال عادةً في المشاريع القانونية الفرنسية، خضعت واستندت إلى مشاورات مسبقة مكثفة وواسعة. هكذا مثلاً، وجّه الملك في عام 1681 تعليماته إلى شارل دو كوربون بليناك، حاكم جزر الأنتيل الفرنسية، وإلى جان بابتيست باتولي، المشرف على الجزر، يأمرهما بجمع كامل التشريعات المحلية المتعارف عليها هناك في قضايا العبودية. وللقيام بذلك، كان عليهما أن يجمعا كل آراء أعضاء "المجالس السيادية" في جزر مارتينيك وغوادلوب وسان كريستوف، بالإضافة إلى وجهات نظر وآراء وملاحظات الوجهاء في هذه الجزر. وباعتبار أن العبودية لم تكن موجودة في فرنسا قبل ذلك، فقد كان من الواجب الاستناد إلى العادات والممارسات في تلك المستعمرات بغية تأسيس "قانون جديد وتشريع لم يكن معروفاً حتى الآن في المملكة".

واصل ميشيل بيجون، خليفة باتولي، أعمال التجميع التي قام بها سلفه، قبل أن يرسلا أخيراً في شباط 1683 مشروع قانون أولي إلى القصر الملكي. وقد أقر هذا المشروع في الغالبية العظمى من محتوياته رغم أن تحرير النص النهائي خضع إلى مراجعات تعلقت بشكل أساسي بالأسلوب والصياغة ونادراً ما كانت متعلقة بالمضمون. وبالتالي، ورغم أن القانون قد وضع من قبل إدارة ملكيّة كان كولبير يقف على رأسها، إلا أن هذا الأخير لم يفعل سوى إقرار الاستشارات والآراء التي جمعها الحاكم العام والمشرف استناداً إلى الممارسات المحلية.

ويمزج "القانون الأسود" بين الاهتمامات البراغماتية من جهة، كتوحيد العادات القائمة وضمان الحفاظ على النظام العام وطاعة العبيد والقدرات الإنتاجية لمزارع السكر، وبين الاعتبارات الدينية والأخلاقية، الأمر الذي يمكن للبعض اليوم أن يراه متناقضاً. يقرّ القانون في مادته الثانية أن من الواجب تعليم العبيد وفق أصول الكاثوليكية ومنحهم عطلة يوم الأحد، وأن السيد الذي يقتل عبداً يدان باعتباره مرتكباً لجريمة، كما يحتوي المرسوم على أحكام لا تشجع على الزواج المختلط بين البيض والسود (لما لذلك من مخاطر اقتصادية قد تؤدي على المدى الطويل إلى تقليص أعدادهم)، ولكنه يسهل في الوقت نفسه الإجراءات القانونية اللازمة لنيل العبيد لحريتهم. إلى ذلك، يمنح القانون العبيد حق تقديم شكاوى للقضاء والمحاكم المحلية ضد سوء المعاملة، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن شهادات العبيد في المحاكم غير جديرة بالثقة الكاملة.

لا يبدو أن كولبير ومعاونيه كانوا مهتمين فعلاً بالنظر في هذه "التناقضات"، لأن شغلهم الشاغل في تلك المرحلة كان منصباً على إيجاد وحدة دينية وقانونية قائمة على "مبدأ النظام" الذي لطالما دافع عنه كولبير ضد "مبدأ الفوضى" الذي ينسب إلى نيكولا فوكيه وزير الخزانة في عهد لويس الرابع عشر.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.