تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مساهمة العرب والمسلمين في تجارة الرقيق والعبودية تثير الجدل في بلجيكا

لوحة "فرقة عبيد في زنجبار" صممها مؤرخ الفن وليام ألغيرنون تشرتشل تعود إلى عام 1889 ومحفوظة في المتحف البحري بلندن
لوحة "فرقة عبيد في زنجبار" صممها مؤرخ الفن وليام ألغيرنون تشرتشل تعود إلى عام 1889 ومحفوظة في المتحف البحري بلندن © ويكيبيديا
نص : مونت كارلو الدولية
4 دَقيقةً

في الجزء الشمالي الغربي من حديقة Cinquantenaire في العاصمة البلجيكية بروكسل، يقبع نصب تذكاري بني بحجارة بيضاء ويعود إلى عام 1921 أطلق عليه اسم "نصب الكونغو" أو "نصب تذكاري لرواد الكونغو البلجيكيين". لا يخلّد هذا العمل الفني الفتح الاستعماري البلجيكي في القارة الأفريقية فحسب، بل يحتفل كذلك بالحملات العسكرية التي قادها الجيش البلجيكي ضد تجار الرقيق من العرب والمسلمين في إفريقيا الوسطى.

إعلان

بعد موجة التعاطف التي اجتاحت العالم إثر وفاة جورج فلويد في الولايات المتحدة والتظاهرات التي أعقبتها دفاعاً عن حياة السود ثم تكسير أو تشويه تماثيل يعتبرها نشطاء رموزاً للحقبة الاستعمارية الأوروبية، كان لابد من التفكير بـ"نصب الكونغو" الذي نحته الفنان البلجيكي توما فينشوت وأثار طويلاً الجدل بسبب عبارة نقشت عليه وتقول "البطولة العسكرية البلجيكية تبيد العربي المستعبِد". مورست ضغوط كبيرة انتهت بقرار رسمي عام 2013 يزيل كلمة "العربي" من النصب.

في عام 1909، توفي ملك البلجيكيين ليوبولد الثاني، المؤسس والفاتح والقائد الاستعماري الأهم في تاريخ البلاد. وبالإضافة إلى التماثيل والنصب التذكارية العديدة التي أقيمت لتخليد ذكراه، تم إنشاء لجنة وطنية في عام 1911 لإدارة بناء نصب يمجد "البطولة العسكرية البلجيكية" ويتكون من ثلاث طبقات على شكل قوس يحيط بحوض من المياه نقشت عليه رسومات وتماثيل متعددة تصور العسكر البلجيكي في الكونغو.

على اليسار، يبدو جندي وهو يقتل رجلاً بعد طرحه أرضاً ويمجّد الحملة العسكرية التي قادها فرانسيس دانيس، نائب الحاكم العام للكونغو، عام 1891 ضد تجار الرقيق العرب السواحليين، وهم مسلمون من ذوي البشرة السوداء. أما في وسط النصب، فيمكن للمرء أن يقرأ عليه عبارة للملك ليوبولد الثاني تقول "لقد شرعت في استعمار الكونغو لصالح الحضارة ولصالح بلجيكا". ثم يتوج النصب في قمته بتمثال امرأة ترمز إلى بلجيكا تحمل شعلة نار في يدها وترحب بامرأة أفريقية مع طفلها، ونقرأ تحته عبارة "بلجيكا ترحب بالعرق الأسود".

"النصب التذكاري لرواد الكونغو البلجيكيين" في بروكسل
"النصب التذكاري لرواد الكونغو البلجيكيين" في بروكسل © ويكيبيديا

ضغوط عربية

وقد حظي هذا النصب بإدانة مزدوجة واستهدف تحديداً لكونه يشيد بالعمل الاستعماري في إفريقيا ويحيي "المهمة الحضارية" البلجيكية في القارة السوداء من جهة، ويذكر بالانتصارات العسكرية ضد "العربي"، أي حملات مكافحة تجارة الرقيق والاستعباد الذي قاده ومارسه العرب المسلمون لزمن طويل من جهة أخرى. على بعد أمتار قليلة من النصب، يوجد جامع بروكسل الكبير الذي كانت تديره السعودية. وبحسب نص نشره موقع الإذاعة والتلفزيون البلجيكي بالفرنسية، فقد احتجت جامعة الدول العربية في الثمانينيات من القرن الماضي على الإشارة إلى "العربي" فتم الرضوخ لطلبها وإزالة الكلمة.

عام 1992، عادت كلمة "العربي" إلى الظهور تحت ضغط الحلقة الملكية لضباط الحملة الأفريقية السابقين، قبل أن تعود وتختفي مرة أخرى، في ما يبدو وكأنه حرب علنية ومستترة بين فرقاء عديدين على كتابة التاريخ أو إعادة كتابته بالشكل الذي يناسب الأهواء الإيديولوجية المختلفة.

وزير الدولة لشؤون التراث اعتبر أن من المطلوب إنشاء مجموعة عمل حول قضية إنهاء الاستعمار بدلاً من إثارة الجدل باستمرار حول هذا النصب أو غيره، وقال إن "النقاش الذي سيبدأ سيكون واسعاً وعالمياً وسيشمل جميع العناصر المتعلقة بالاستعمار وإنهاء الاستعمار". لكنه فضل في الوقت نفسه الحفاظ على إزالة كلمة "العربي" من النصب التي "يبدو أنها تثير الحساسية داخل جزء من مجتمع بروكسل المسلم".

تمثال لملك ليوبولد الثاني تم تشويهه في مدينة غنت البلجيكية
تمثال لملك ليوبولد الثاني تم تشويهه في مدينة غنت البلجيكية © رويترز

التاريخ بين الوقائع والآراء

وفي الوقت الذي لم يأت فيه الوزير على آراء "الأقسام الأخرى داخل مجتمع بروكسل المسلم" والتي يمكن أن يكون لها رأي مخالف للقسم المطالب بالإزالة، اعتبرت جمعية "حلقة بروكسل للتاريخ" أن الماضي الاستعماري جزء من ماضي بلجيكا. وهو حقيقة واقعة مثلها كمثل حقائق واقعة لكثير من الدول الأخرى، وذلك على الرغم من أنه يتسبب بصدمة (محقة) للعقليات المعاصرة". وتابعت الحلقة "يمكننا بالطبع الحكم على الماضي بقسوة، ولكننا حين نفعل ذلك لن يكون ما نقوله ذا علاقة بمجال التاريخ بل بمجال الرأي، وبالتالي بالموقف الذاتي وبالعاطفة".

وأضافت الحلقة في نص نشرته على موقعها على الانترنيت أننا "نجد أنفسنا سريعاً محمولين ضمن سيرورة موضة (ربما) رائجة للغاية هذه الأيام وتتعلق بطلب الصفح أو التوبة عن الحقائق التاريخية الماضية التي لا تتحمل الأجيال الحالية مسؤوليتها بأي حال من الأحوال"، واقترحت تركيب لوحة تفسيرية بجانب العمل تشرحه وتضعه ضمن سياقه التاريخي. أما كلمة "العربي"، فتذكر الحلقة بالاستناد إلى "قاموس تاريخ بلجيكا" أنه "الاسم الشائع المستخدم لتسمية التجار الذين كانوا منخرطين في تجارة الرقيق على الساحل الشرقي لأفريقيا في القرن التاسع عشر، وكانوا في الغالب من الميتيس الأفارقة، تم تعريبهم جزئياً واعتنقوا الإسلام. وكانت جزيرة زنجبار مركزهم السياسي والتجاري بحثاً عن العبيد والعاج، واشتبكوا بعنف أكثر من مرة مع جنود ليوبولد الثاني وعناصر دولة الكونغو المستقلة".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.