تخطي إلى المحتوى الرئيسي
ليبيا سرت حفتر الوفاق

سرت، المدينة ذات الموقع الاستراتيجي الأكثر أهمية، في قلب الصراع الليبي

قوات المشير حفتر
قوات المشير حفتر AFP - ABDULLAH DOMA

مع استمرار التهديدات التركية بفتح معركة سرت، تشير كافة المعطيات إلى أن السيطرة على مدينة سرت هو عنوان المعركة القادمة في ليبيا حيث تتطلع الأطراف المتصارعة إلى تحقيق نقلة نوعية في توازنات الحرب المشتعلة منذ عام 2011.

إعلان

المدينة الواقعة على الخط الفاصل بين شرق البلاد وغربها، تعد بالنسبة للأطراف الداخلية بوابة انتقال المعركة إلى ميدان "العدو" بالمصطلحات الحربية، الأمر الذي تتغير معه قواعد اللعبة لصالح هذا الطرف أو ذاك.

وعلى الرغم من المحاولات المستميتة من قبل قوات حكومة الوفاق المعترف بها دولياً لاستعادة السيطرة على سرت، إلا أن الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، نجح في الاحتفاظ بالمدينة منذ بداية العام الجاري 2020 وحتى الآن، مبعداً قوات الوفاق إلى مسافة أمان كافية بالاعتماد على سلاح الجو الذي كان يشكّل نقطة تفوق قوات المشير حفتر، قبل دخول الأتراك على الخط بمنظوماتهم الدفاعية الجوية والرادارية.

وبعد انسحاب قوات المشير حفتر من الجبهات الغربية وتوقفه في سرت، تنبّهت القاهرة إلى الخطر الذي بات يقترب من حدودها الغربية، فأطلقت مبادرة لوقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة الحوار، والتي ارتطمت بصخرة إصرار حكومة الوفاق وحليفتها تركيا على مواصلة العمل العسكري، والتقدم نحو سرت، وما بعدها.

أهمية استراتيجية واقتصادية

تتمتع سرت التي يتزاحم حولها الجميع بموقع استراتيجي يتوسط الساحل الليبي الممتد على مسافة 1955 كم. فالمدينة تُعد بوابة العبور نحو شرق البلاد وغربها، كونها تتوسط الطريق بين طرابلس وبنغازي، بنحو 450 إلى 500 كم من الجانبين. كما أنها تقع على مسافة 1000 كم من الحدود المصرية، وأقل من 200 كم من مصراتة مركز تجمع القوات الموالية لحكومة الوفاق، ومنطقة التحرك المريح بالنسبة للأتراك.

وبالإضافة إلى موقعها الذي أسال لعاب أكبر القوى العالمية عبر التاريخ، تعتبر سرت القاعدة الخلفية للهجوم على الموانئ النفطية من الغرب لكل من أراد السيطرة على القسم الأكبر من مخزون النفط الليبي. فالمدينة تجاور الهلال النفطي الليبي الذي يضم أكبر مخزون نفطي في البلاد يشكل نحو 80% من صادرات ليبيا النفطية التي تمر عبر موانئ البريقة وراس لانوف والسدرة والزويتينة. وتعد السيطرة على سرت بوابة "علي بابا" نحو كنوز ليبيا التي تقع على مسافة 150 كم فقط شرق سرت، ما سيمكّن رجب طيب أروغان من حل مشاكل بلاده الاقتصادية في حال انتصاره، إلا أن وجود صهاريج النفط سيجل من المعارك أكثر خطراً ومن أطرافها أكثر حذراً.

كما يحوي خليج سرت على ثروات طبيعية تتربص بها شركات التنقيب العالمية، بعد أن تم الكشف عن أكبر مخزون غاز داخل حوض جوفي يحمل اسم المدينة، "حوض سرت"، الذي يعد أحد أسباب الصراع البارد بين إيطاليا وفرنسا اللتين تخوضان منافسة شرسة عبر شركتيهما "توتال وإيني" من أجل ضمان حصصهما في امتيازات التنقيب والإنتاج مستقبلاً.

واستراتيجياً أيضاً، يعتبر ميناء سرت الأكبر في ليبيا ويشكّل مع مطار سرت الدولي أهم المنافذ الليبية المطلة على خليج مفتوح، وتضاف إلى ذلك قاعدة القرضابية الجوية الواقعة جنوب المدينة والتي تشكّل مع قاعدة الجفرة، الواقعة على بعد 300 كم جنوباً، نقطة انطلاق نحو طرابلس غرباً وبنغازي شرقاً وسبها جنوباً، ما يسهّل خطوط الإمداد في حالة الحرب.

سرت نقطة تقاطع المطامع عبر التاريخ

عبر التاريخ، اعتادت الجيوش المصرية، منذ زمن الفراعنة، خوض حروب في مناطق شرق ليبيا، دفاعاً عن حدودها الشرقية التي لطالما كانت عُرضة لهجمات جيوش الممالك الليبية الباحثة عن الغنائم الزراعية والغذائية في ظل الجفاف الذي كانت تعانيه أراضيها، وفق ما يذكره جمال حمدان في كتابه، "الجمهورية الليبية، دراسة جيوسياسية".

وحينما كانت ليبيا محتلة من قبل الإغريق شرقاً والفينيقيين غرباً، كانت المعارك تدور بين هاتين الحضارتين على تخوم سرت التي ترسم الخط الحدودي الفاصل بين "سيرنايكا" (برقة) و"تريبوليتانا" (طرابلس ومدن الغرب الليبي)، وهو السيناريو الذي تكرر مع احتلال الواندال الرومانيين لطرابلس غرباً والساسانيين الفرس لـ "سرنايكا" شرقاً، وهو الحال الذي ظل متواصلاً حتى وصول الفتوحات العربية.

نلاحظ أن هذه التقسيمات هي ذاتها التي تتكرر منذ عام 2011 وحتى اليوم، كما أن الدوافع والأطماع الاستعمارية لم تختلف كثيراً. فالإمبراطورية الرومانية، على سبيل المثال، كانت تبحث عن توسيع دائرة نفوذها ووجودها. ولهذه الأسباب كانت معظم الغزوات الخارجية تستهدف المدن الليبية الساحلية.

وفي القرن التاسع عشر، كانت بريطانيا العظمى وفرنسا تتنافسان طيلة الوقت على طرق التجارة نحو افريقيا. وعرفت تلك الحقبة محاولاتٍ فرنسية لاستغلال الديون الليبية من أجل إنشاء دولة مستقلة في "سرت" تربط سواحل المتوسط بأفريقيا عبر "فزّان"، وكان حليفهم في ذلك عبد الجليل سيف النصر الذي ثارت ضده وضد الفرنسيين مجموعة من قبائل المناطق الساحلية، أمثال المعدان والحساونة والمقارحة وأولاد بوسيف والفرجان، ما أجبر فرنسا على التخلي عن مشروعها وإعادة هيكلة الديون الليبية المستحقة.

وكانت الحقبة الممتدة بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مشحونةً بالغضب الليبي على الأسرة الأناضولية الحاكمة التي أغرقت البلاد في الفوضى والفساد والديون المستحقة للدول الأوروبية، فجاء اتفاق عام 1902 بين فرنسا وإيطاليا حول تقاسم النفوذ في شمال افريقيا والذي أخرج الأتراك من المشهد وأعاد الأمر إلى الفرنسيين في إمكانية إنشاء "دولة فزّان العظمى" من سرت إلى بحيرة تشاد. واستعانت باريس هذه المرة بـ "أحمد سيف النصر" المقيم في تشاد حينها، وهو حفيد عبد الجليل سيف النصر حليف المحاولة الأولى، وجَدّ عبد المجيد سيف النصر ممثل المجلس الوطني الانتقالي الليبي في باريس عام 2011، وجد منصور سيف النصر مستشار رئيس الوزراء الأسبق علي زيدان (2012-2014). لكن المشروع الفرنسي فشل للمرة الثانية بسبب رفض أهالي فزّان لفكرة تقسيم ليبيا.

وفي عام 2011، شهدت المدينة أشرس المعارك بعد أن قرر العقيد الراحل معمر القذافي أن يحتمي بمسقط رأسه بعد خسارته للعاصمة طرابلس، فظل فيها إلى أن قُتل في أكتوبر/تشرين الثاني من عام 2011، بعد عقود عمل خلالها على تهيئة سرت لكي تكون أهم المراكز المالية والتجارية في المنطقة، بالإضافة إلى أهميتها الافريقية التي تكتسبها من خلال إعلان تأسيس الاتحاد الأفريقي فيها عام 1999.

كما لا يُمكن نسيان سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على سرت عام 2015، وحادثة ذبح الأقباط المصريين على شواطئ المدينة التي ظلت بين مخالب الإرهاب لنحو خمسة أعوام، ما دفع بنصف سكانها، البالغ عددهم 120 ألف نسمة، إلى النزوح نحو مناطق أخرى. وطيلة فترة سيطرته على المدينة، حوّل التنظيم المدينة إلى مركز تجمع وعبور للإرهابيين الأجانب الذين يجري تدريبهم على شنّ هجمات في مناطق متفرقة في افريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

تقاسمالقواعدالعسكرية، فانتصارات الأرض تصنعها السماء

تتنافس الدول الكبرى على مدينة سرت. فقبل ثلاثة أعوام، تحدّث بوريس جونسون حينما كان وزيرا لخارجية بريطانيا، عن إمكانية أن تصبح مدينة سرت الليبية دبي جديدة، مشيراً إلى أن "مجموعة من رجال الأعمال البريطانيين يريدون الاستثمار في سرت على الساحل، ولديهم رؤية لتحويل سرت إلى دبي أخرى".

من جانبها، روسيا، وبحسب المؤشرات، لديها رغبة في اتخاذ الجفرة قاعدة لتواجدها العسكري في منطقة شمال إفريقيا وجنوب البحر الأبيض المتوسط، بعد محاولاتٍ فاشلة في اقناع القذافي وحفتر في منحها قاعدة عسكرية في ليبيا. وقد تكون هذه الرغبة وراء انسحاب مقاتلي فاغنر الروسية إلى قاعدة الجفرة، ووصول طائرات ميغ 29 وسوخوي 24، إلى نفس القاعدة الجوية، وفق التصريحات الأمريكية الجيش الأمريكي. كما يتجلى الموقف الروسي في تصريحات أحمد معيتيق، نائب رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية، الذي زار روسيا مؤخراً وعاد حاملاً رسالة مفادها أن "سرت خط أحمر".   

من جانبه، يرى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في طموحات روسيا مصدر تهديد له في حال تمكنت موسكو من ضمان موطئ قدم لها في سرت على شواطئ المتوسط، ما يُفقد "الدرع الصاروخية" للناتو قدرتها على ممارسة ضغط على الروس.

وعلى الجانب الأمريكي، بدا واضحاً أن واشنطن ترفض هجوم حكومة الوفاق والأتراك على سرت ودعت من خلال ودعت وزارة خارجيتها إلى احترام حظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا. وقد يكون الموقف الأمريكي مبنياً على درجة الخطر الذي تشكله هذه المعركة على المنطقة برمّتها، أو قد يكون نتيجة تجربة فاشلة عاشتها القوات الأمريكية عام 1986 حينما انتهك أسطولها الحدود الدولية وحاول تنفيذ مناورات فوق المياه الليبية قبالة خليج سرت، فردّت القوات الليبية بإسقاط طائرة F13 أميركية.

لكن تظل التحديات كبيرة اليوم أمام معركة سرت، كون المدينة تقع في منطقة صحراوية منبسطة وممتدة الأطراف، ما يجعل من سلاح الجو مفتاح النصر في أي معركة. ونظراً لبعد المسافة بين تركيا وليبيا، تحاول تركيا التغلب على قصور الإمدادات الجوية من خلال الدفع بأكبر عدد من المرتزقة السوريين إلى ليبيا ليكونوا حجر الأساس في المعركة بغطاء جوي تركي.

وتحاول قوات حكومة الوفاق إيجاد سبيلٍ لتحييد طيران الجيش الوطني الليبي الذي يقوده خليفة حفتر، وذلك عبر وضع مظلة للصواريخ المضادة للطيران تمتد إلى ما بعد سرت، ما يسمح للمشاة بالتقدم تحت غطاء مضادات الطائرات، مسبوقين بقذائف المدفعية الثقيلة طويلة المدى لتسهيل مهمتهم.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.