تخطي إلى المحتوى الرئيسي
السودان - فرنسا: علم الآثار

أواصر صداقة طويلة بين السودان وفرنسا تتردّد أصداؤها في آثار تاريخ قديم

معالم السودان الأثرية
معالم السودان الأثرية © سيفداس (SFDAS)/ ميشا خليل
9 دقائق

السودان يستقطب بآثاره المتنوّعة عدداً من البعثات الأجنبية المؤلّفة من علماء آثار متخصّصين في حضارات مصر القديمة. بعثات تساعد هذا البلد على توثيق تراثه ودراسة الحقب التاريخية المختلفة التي ينتمي إليها هذا التراث بهدف تسليط الضوء على عراقة التاريخ السوداني القديم. من البعثات المهمّة، البعثة الفرنسية المعروفة باسم سيفداس (SFDAS) الوحدة الفرنسية الدائمة في السودان والملحقة بالهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية. لهذه الهيكلية، خصوصية تجعلها تحتّل مكانة خاصّة في السودان. لقاء مع المدير الحالي لسيفداس مارك مايو (Marc Maillot).

إعلان

الدبلوماسية الفرنسية وشبكتها الثقافية والعلمية الكثيفة في العالم

تملك الدبلوماسية الفرنسية شبكة رابطات ومعاهد ثقافية وعلمية مهمّة منتشرة خارج الحدود الفرنسية وتقوم بمشاريع لها أهداف متعدّدة منها نشر الفكر والثقافة الفرنسيين في بلدان العالم ولاسيما في البلدان الفرنكوفونية. سبعة وعشرون معهداً من هذه المعاهد تهتّم بالأبحاث العلمية وتحتضن مجالات عدّة منها علم الآثار. معهد العلوم والبحوث الموجود في السودان يحتّل مكانة خاصّة وهو معروف تحت إسم الوحدة الفرنسية الدائمة في السودان والملحقة بالهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية SFDAS : Section française de la direction des antiquités du Soudan. مارك مايو المدير الحالي لهذا البعثة يعود إلى تاريخ تأسيسها.

"جاء انشاء سيفداس (SFDAS) نتيجة فكرة لامعة من مؤسسها الباحث والمتخصّص في العلوم المصرية القديمة جان فيركوتر (Jean Vercoutter). هذا الرجل نجح في إقناع وزارة الخارجية الفرنسية والهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية بضرورة إنشاء مؤسسة دائمة داخل المتحف الوطني السوداني، مهمتها الكشف والتنقيب عن الآثار في وادي النيل".

الدور الذي لعبه جان فيركوتر في إنقاذ آثار مصر والسودان من الغرق

بناء السدّ العالي في مصر تحت حكم جمال عبد الناصر في بداية الستينيات، كان له آثار سلبية على عدّة معالم أثرية في مصر والسودان. جان فيركوتر، الباحث الفرنسي، نشط كثيراً، في تلك الفترة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المعالم الأثرية التي كانت مهدّدة بالاختفاء نهائياً تحت مياه بحيرة السدّ العالي. وكان فيركوتر ومؤسسته سيفداس، التي لم تكن تحمل صفة رسمية بعد، من بين المشاركين في عملية الإنقاذ التي قامت بها منظّمة اليونسكو قبيل إنشاء البحيرة بداية الستينيات.

بحيرة السد العالي هي أكبر بحيرة صناعية في العالم. تكوّنت نتيجة المياه التي تجمعت إثر بناء السد العالي. تقع البحيرة في جنوب مدينة أسوان وشمال السودان. يُطلق، على الجزء الموجود في مصر، إسم بحيرة ناصر تيمّناً باسم الرئيس الذي حكم مصر آنذاك جمال عبد الناصر. أما الجزء الموجود في السودان، فأُطلق عليه إسم بحيرة النوبة. غيّرت هذه البحيرة حياة الملايين من المصريين وكان لها جوانب إيجابية منها حماية مصر من الفيضانات والجفاف وتوفير الطاقة لتوليد الكهرباء وتوفير مياه الرّي للزراعة. لكنّها هدّدت المعالم الأثرية في المناطق المجاورة لها وكانت السبب في غرق عدد من القرى النوبية في السودان مسببة حركة نزوح كبيرة عُرفت بالهجرة النوبية.

بعد حملة اليونسكو، التي استطاعت أن تنقذ معالم أثرية كان أهمها معبد أبو سنبل في مصر، طلبت الهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية من سيفداس القيام بتنقيبات وتوثيق منهجي لكلّ المواقع الأثرية الموجودة في وادي النيل جنوب بحيرة أسوان. التنقيبات الأولى كانت في مواقع تعود إلى حقب مختلفة كمواقع الهوبجي (El-Hobagi) وميسيمينيا (Missiminia) والكدادة (Kadada) وكادروكا (Kadrouka). هذه التنقيبات ساهمت في إبراز المهمة التي من أجلها تأسست سيفداس وعززّت وجودها في ستة مواقع أثرية في وادي النيل إضافة إلى مهماتها العلمية داخل المتحف الوطني السوداني حيث تستقرّ بمكاتبها.

تقليد طويل من التعاون والصداقة الفرنسية-السودانية

مارك مايو يتوقف عند خصوصية هذه الهيكلية الفريدة من نوعها لأنّها الوحيدة المنبثقة من إدارة أجنبية (وزارة الخارجية الفرنسية بالتعاون مع المركز الوطني للبحوث العلمية CNRS) والموجودة بشكل دائم، وبصفة رسمية، في هيكلية سودانية حكومية (الهيئة العامة للآثار والمتاحف) منذ عام 1969. هذا بفضل خصوصية العلاقة التي تربط فرنسا والسودان والناتجة عن قصة طويلة من التعاون المتبادل. شدّد جان فركوتر (Jean Vercoutter)، عالم الآثار المتخصّص بالفترة الفرعونية، وعند تأسيس سيفداس، على أنّ تكون هذه الوحدة فعلياً تحت وصاية مزدوجة فرنسية-سودانية. والتبادل المثمر بين البلدين أدّى إلى الاتفاق الذي بموجبه أصبحت سيفداس بعثة دائمة في السودان، يديرها اليوم مارك مايو ويحاول كأسلافه أن يتابع مهمات البعثة بروح المثابرة والرصانة والاحترام نفسها.

"نحن علماء قبل كل شيء وما نحاول القيام به هو توثيق الآثار السودانية والسماح باكتشافها عبر المطبوعات التي ننشرها. نريد تسهيل وصول المعلومة إلى السودانيين أولاً خصوصاً الشباب الذين أوليهم اهتماماً خاصاً. أريدهم أن يكتشفوا تاريخهم وأن يتبنّوه من جديد. نسعى ثانياً إلى تسهيل وصول المعلومات إلى المجتمع الدولي بهدف وضع الآثار السودانية في قلب الاهتمامات الدولية. إنّها فعلاً عملية علمية وليست عملية بحث عن كنز. نتبع بروتوكولاً دراسياً يمرّ عبر منهجية التنقيب الأثري. منهجية نتعلّمها في الجامعة، وبعد ثماني أو عشر سنوات من الدراسة، يصبح بمقدورنا أن نستوعب هذه المنهجية وأن نطبّقها على الأرض ليس فقط في السودان بل في كلّ البلدان التي توجد فيها تنقيبات أثرية".

عندما يشكّل المعلم الأثري الصعوبة الأوّلى التي تعقّد تقدّم التنقيبات.

علم الآثار يتطلّب عموماً مثابرة ووقتاً طويلاً قبل أن تتبلور نتائجه عملياً على الأرض بفضل التنقيبات التي قد تأخذ أحياناً سنوات وسنوات من المجهود البشري والمادي. الأشخاص الذين يختارون هذا المجال هم، في أغلبيتهم، أشخاص يتحلّون بصفات تجعلهم يتفانون في خدمة هذا العلم. منهم مارك مايو الذي عمل على الأرض لعدّة أعوام قبل أن يترأس إدارة البعثة الدائمة في السودان. خبرته العملية على الأرض تعطيه فكرة شاملة وواضحة عن الصعوبات التي قد تعترض علماء الآثار في بلد شاسع كالسودان وغنّي بمعالم أثرية متنوّعة.

"الصعوبة القصوى التي نصادفها هي الآثار بحدّ ذاتها والمنتشرة بكميات كبيرة على مسافات شاسعة. العمل هائل وعددنا ليس كافياً للقيام به. إضافة إلى ذلك، نواجه نقصاً كبيراً في الإمكانيات الناتج عن ثلاثين عاماً من الديكتاتورية، خرج منها السودان مؤخّراً. خلال هذه الفترة استطاع علم الآثار السوداني أن يحافظ على منهاج بحث وتنقيب طبيعيْين إلى حدّ ما، لكنّه لم يكن مدعوماً بما فيه الكفاية... نعمل على طول ألف وخمسمئة كيلومتراً في وادي النيل.  أراضٍ كثيرة تحيط بهذه المنطقة، شرقاً وغرباً، نعلم بوجودها، لكنّنا لا نملك ما يكفي من المعلومات عنها. نقوم بتنقيبات في مناطق كَزَانْكور (Zankor) وأبو سفيان (Abou Sofyan) في كوردوفان (Kordofan) أو حتّى على بعد خمس وأربعين دقيقة جنوب الخرطوم حيث توجد آثار مهمة جداً. بالرغم من نشاطنا التنقيبي هذا، نجد أنفسنا أمام نقص كبير في الإمكانيات البشرية الضرورية للاهتمام الكامل والشامل بمهمتنا الأثرية".

 

منظّمات دولية تدعم عمليات تطوير التنقيب عن الآثار في السودان.

جذبت آثار السودان اهتمام البعثات الأجنبية على مرّ العصور وتعاقب الممالك والحضارات. إذا أخذنا الغزو التركي للسودان مثلاً مع محمد علي باشا، نستنتج أنّ حاكم مصر آنذاك أراد الاستيلاء على مناجم الذهب والألماس التي كانت تشتهر بها منطقة سنار السودانية. وعندما قام بحملته على هذا البلد في عام 1820، جلب معه علماء آثار من جنسيات مختلفة للاستفادة من خبراتهم في تقدير الثروات السودانية.

شركاء دوليون، في عصرنا الحالي، يتعاونون مع الحكومة السودانية لتقديم دعم مادي الهدف منه تطوير عمليات التنقيب وتدريب طواقم محلية كفؤة. قطر قدّمت مؤخّراً مبلغ مئة وخمسة وثلاثين مليون دولار لتطوير الآثار السودانية. واستفادت سيفداس بمنحة صغيرة من هذا المبلغ. من الشركاء الدوليين، إلى جانب التمويل الحكومي الفرنسي والسوداني، منظّمة "ألِف" أو التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع ALIPH : International alliance for the protection of heritage in conflict areas التي قدّمت لسيفداس منحة على خمسة أعوام لتعزيز التراث السوداني وحمايته. إلى جانب "ألِف"، تتكّل سيفداس على مساعدات "مجمع الاتحاد الأوروبي للمعاهد الثقافية" EUNIC : European union national institutes of culture. جزء من هذه المساعدات، يستثمرها مارك مايو لتدريب جيل جديد من علماء الآثار المحليين بالتعاون مع الجامعات السودانية والفرنسية.

"لدينا وحدة تعليمية تابعة لسيفداس (SFDAS) موجودة في بعض ورشات التنقيب. يأتي الطلّاب للتعلّم فيها خصوصاً عندما يكونون في سنوات دراستهم الأولى. نطلعهم على متطلّبات العمل على الأرض وعلى منهجية علم الآثار. كما نقوم باتفاقيات مع الجامعات لندّرب الطلاب مدّة شهر أو اثنين أو ثلاثة. ندّربهم على الرسم التخطيطي والمسح الطوبوغرافي وأصول التنقيب. هذا أولاً، ثانياً نقوم بعدّة نشاطات داخل مبنى سيفداس، منها تدريب المهتمين على توثيق القطع التي تخرج من التنقيبات، نعلّمهم كيف يدرسونها وكيف يكتبون عنها. نقوم أيضاً بشراكات عدّة في مجال المطبوعات. هدفنا أولاً وقبل كلّ شيء أن نكتب عن اكتشافاتنا وأن ننشرها كي تصل إلى الناس وإلى المجتمع الدولي. لهذا السبب نتعاون بانتظام مع زملاء سودانيين حول مقالات وكتابات ونحاول أن نضمّ طلاباً إلى مشاريع أطروحات تخضع لتعاون مشترك بين الجامعات الفرنسية والجامعات السودانية".

التعاون الفرنسي-السوداني يخدم اللغة الفرنسية والفرنكوفونية

يأتي طلاّب سودانيون كثر لمتابعة دراستهم العليا في فرنسا في مجال علم الآثار. احتكاكهم بالثقافة واللغة الفرنسيتين يجعل منهم خبراء فرنكوفونيين يكتبون ويتحدّثون الفرنسية بطلاقة. هذا الجانب مهّم لأنّه يسمح بتعزيز اللغة الفرنسية في مجال البحث العلمي ويعطي صورة إيجابية عن الجامعات الفرنسية في العالم. لكنّ الاختصاص في علم الآثار لا يفتح أبواباً عملية للاحترافية وفرص العمل فيه ضئيلة.

"الجامعات السودانية تحفل بأشخاص موهوبين فعلاً يريدون احتراف مهن علم الآثار. التناقض الكبير هو أنّه وبالرغم من أن المعلومات حول التراث السوداني في تزايد وأن عدد المواقع الأثرية في توسّع، إلاّ أنّ المشكلة الأساسية تكمن في إيجاد وظيفة دائمة للعاملين في هذا المجال. يُمضون من عشرة إلى خمسة عشر عاماً وهم يتدّربون كي يكتسبوا الكفاءات والخبرات اللازمة. لكن عندما يصلون إلى سوق العمل يتوهون لأّن ما تعلّموه لا يوّفر لهم فرص عمل دائمة. هذا صحيح في السودان لكنّه صحيح في فرنسا أيضاً".

الشغف المحرّك الأساسي لمهن علم الآثار

مارك مايو (Marc Maillot) مدير سيفداس الحالي منذ 2019 يعمل في السودان منذ عدّة سنوات، ويرى في تجربته كعالم آثار، تجربة غنية تثريه على المستويين الشخصي والعلمي. يعتبر نفسه محظوظاً جداً لأنّ الفرص، التي تسمح للعالم بالاحتكاك المباشر بموضوع بحثه، نادرة جداً. إلى جانب شغفه الشخصي بعلم الآثار، يشعر مارك مايو بالمسؤولية، من موقعه كمدير للبعثة الفرنسية الدائمة في السودان. مسؤولية تجاه الطلاّب السودانيين الذين يعتمدون عليه لاكتساب الخبرات والكفاءات، ومسؤولية تجاه الدول السودانية التي تعتمد على خبرته وأبحاثه لتطوير سبل التنقيب عن آثارها وتسليط الضوء عليها من خلال منشورات علمية قيّمة تسعى إلى الترويج للسودان في المحافل العلمية الدولية.

الإرث

أقوى شعور بالاكتفاء لمارك مايو هو عندما يدرّب الطلاّب السودانيين على أعمال التنقيب. هذا التدريب يولّد لدى "ورثة تاريخ هذا البلد" شعوراً بالانتماء ورغبة عميقة في إعادة اكتشاف ثروات بلدهم. يعزّز هذا الشعور القوّي بالاكتفاء، "الرغبة في الكتابة وإيصال المعلومة عبر مطبوعات ومنشورات توثّق، في عدّة صفحات، سنوات وسنوات من المجهود العلمي والبحثي على الأرض".

الانتماء إلى الصميم

أقوى شعور بالخيبة لمارك مايو هو الصراع مع الوقت والركض وراء دقائقه الثمينة والشعور بنوع من الإحباط أمام عظمة المهمة من جهة وقلّة الإمكانيات البشرية القادرة على تنفيذها من جهة أخرى. هذا لا يمنع مارك مايو من ممارسة عمله بمثابرة وصبر معتبراً أنّ "أفضل طريقة لحماية التراث، مهما كان البلد أو المكان أو الحضارة التي ينحدر منها، هي أن يعي الناس قيمة تاريخهم". ومن المهّم بالنسبة له، أن يشعر كلّ سوداني بالانتماء إلى التاريخ، بالانتماء إلى الصميم، صميم هذا التاريخ.

 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.