في الذكرى الـ33 لاغتياله بلندن: عاش "حنظلة" ومات ناجي العلي الذي هدده محمود درويش قائلاً "أنت مش قدي"

"حنظلة" الشخصية التي ابتدعها ناجي العلي لتكون شاهداً على ما يحدث في بلاد العرب
"حنظلة" الشخصية التي ابتدعها ناجي العلي لتكون شاهداً على ما يحدث في بلاد العرب © أ ف ب
نص : وهيب أبو واصل
6 دقائق

لا يزال الغموض يكتنف الجهة التي اغتالت رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي. المتهمون كثر وأبرزهم "الموساد" الإسرائيلي، أو قد تكون أطراف فلسطينية، أو ربما نظام عربي.

إعلان

لا أحد يعرف بالضبط من قتل ناجي العلي، ولا الجهة التي اغتالته على وجه القطع. ولا توجد دلائل ملموسة تؤكد اتهام أية جهة. إنها الجريمة اللغز. ولا تزال الشرطة البريطانية "سكوتلاند يارد"، حتى يومنا هذا، تنشر كل عام إعلاناً تطلب فيه شهود عيان، لعل وعسى أن تجد شاهداً.

الشاهد الوحيد الذي بقي حياً هو "حنظلة"، وكلمة حنظلة تعني النبات المرّ الذي يُضرب المثل بمرارته. وهو قد يكون ساماً. إنها الشخصية التي ابتدعها ناجي العلي لتكون الشاهد على ما يحدث في بلاد العرب. وقد تحول حنظلة مع الزمن إلى رمز للقضية الفلسطينية، فهو قد وُلد في الخامس من شهر حزيران / يونيو 1967، أي عام النكسة، ولم يفارق رسوم العلي. إنه طفل في العاشرة من عمره، توقف عند تلك السن ولم يكبر. وهو يمثل جزءًا من حياة الرسام عندما غادر فلسطين وهو في تلك السن، يدير ظهره ويشبك يديه خلف ظهره حتى صارت بمثابة التوقيع لناجي العلي.

حنظلة لم تكن الشخصية الكاريكاتيرية الوحيدة التي رافقت رسوم الفنان المغدور، بل كان هناك شخصية ثانية هي "فاطمة"، المرأة الفلسطينية القوية، بعكس زوجها الكادح. كان ناجي يقول: "اسمي حنظلة، وُلدت في 5 حزيران 1967، اسم أبي مش مهم. أمي اسمها نكبة، وأختي اسمها فاطمة، نمرة رجلي ما بأعرف لأني دايماً حافي، أنا مش فلسطيني ولا أردني، مش كويتي ولا لبناني ولا مصري، أنا عربي". وهذا يتوافق مع قصيدة محمود درويش الشهيرة: " سجل أنا عربي".

هو ناجي سليم حسين العلي. وُلد عام 1937 في قرية الشجرة التي تقع على تلة متوسطة الارتفاع إلى الجنوب الغربي من مدينة طبريا. وفي أيار/ مايو 1949 سقطت القرية بأيدي اليهود، وغادرت عائلة ناجي العلي إلى لبنان وسكنت في مخيم عين الحلوة. كبر الولد اللاجئ وتزوج من وداد صالح نصر وأنجب منها أربعة أولاد: خالد وأسامة وليال وجودي. حصل على شهادة ميكانيكا السيارات من طرابلس في لبنان. وذات يوم كان الأديب الفلسطيني غسان كنفاني يزور مخيم عين الحلوة، وشاهد بالصدفة أحد رسوم ناجي العلي وأعجب بها فنشر الرسم في صحيفة "الهدف" التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومن هناك اشتهر كرسام كاريكاتير. بعدها بعامين انتقل للعمل في صحف ومجلات كويتية، ومنها سافر إلى لندن ليرسم في صحيفة "القبس" الدولية الكويتية التي كانت تصدر من هناك.

 

راحت رسومه تتخذ مواقف حادة، وصار ظهر حنظلة أكثر صلابة. الأمر الذي تسبب في توتر العلاقة بين ناجي العلي وعدد من الشخصيات والقادة الفلسطينيين، ومنهم محمود درويش. ويذكر عدد من المطلعين أن الشاعر اتصل بالرسام وعاتبه على كاريكاتير يخصه. فقد دعا درويش إلى لقاء بين الأدباء العرب واليهود، فكتب ناجي العلي، على لسان حنظلة: "محمود خيبتنا الأخيرة"، مستعيراً عبارة درويش "بيروت خيمتنا الأخيرة".  

اتصل محمود درويش بناجي العلي هاتفياً وقال له باللهجة الفلسطينية: "شو بشوفك مستلمنا هل الأيام، حاطط دبساتك على طحيناتنا، شو في؟". رد عليه العلي: "يا عمي ما تزعل مني، هاي الشغلة مش ضدك شخصياً ". واستمر العتاب الهاتفي إلى أن قال الشاعر: "أنا محمود درويش أنت مش قدي يا ناجي أستطيع إخراجك من لندن". وهي عبارات اعتبرها البعض تهديداً أكثر منها عتاباً. وزاد من تعقيد العلاقة أن ناجي العلي نشر الحوار في مجلة "الأزمنة العربية" عام 1986. وعلق محمود على المكالمة قائلاً: "لم يكن سهلاً أن تحاور ناجي العلي الذي يقول دائماً إنه لا يفهم هذه المناورات، ولا يفهم هذه السياسة، وأن طريق فلسطين واحد وحيد هو البندقية".

في نهار صيفي معتدل، كان ناجي العلي يسير متجهاً إلى عمله في العاصمة البريطانية حين تعرض لإطلاق نار من شخص مجهول، واستقرت رصاصة أسفل عينه فدخل في غيبوبة لمدة 38 يوماً، انتهت بمفارقته الحياة  في 29 آب/ أغسطس 1987.

 مات الرسام ودفن في مقبرة "بروكوود" في لندن، رغم رغبته بأن يوارى الثرى في مخيم "عين الحلوة"، وخلّف وراءه نحواً من 40 ألف رسم كاريكاتيري، و5 أطفال أيتام بينهم حنظلة. ولعل من أبرز رسومه التي لا تزال حية ومعبرة عن الواقع العربي اليوم، بعد الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، تلك التي عبر فيها أن الخليج يمد يديه ونفطه إلى إسرائيل.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم