تخطي إلى المحتوى الرئيسي
"شارلي إيبدو": عدد المحاكمة

مدير نشر "شارلي إيبدو": لا تكفي محاكمة واحدة بل 10 أو 20 أو 100 ضد الجُبن والخيانة

مدير النشر في صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية ورسام الكاريكاتير والكاتب لوران سوريسو المعروف باسم "ريس" في باريس 2019
مدير النشر في صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية ورسام الكاريكاتير والكاتب لوران سوريسو المعروف باسم "ريس" في باريس 2019 © أ ف ب
نص : علاء خزام
6 دقائق

قررت صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة إعادة نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد التي جعلت منها هدفاً للإرهاب الجهادي عام 2015. العدد الجديد مخصص بشكل أساسي للمحاكمات التي انطلقت الأربعاء 2 أيلول 2020 ضد 14 متهماً بالتواطؤ مع منفذي سلسلة الاعتداءات الإرهابية قبل 5 سنوات. بالنسبة لمحامي الصحيفة ريشار مالكا فإن اختيار إعادة نشر الرسوم يعبّر "في الأساس عن ذهنية شارلي، إنها ترفض التخلي عن حرياتنا". كتب مدير النشر في الصحيفة الصحافي والرسام "ريس" مقالةً افتتاحية بعنوان "أولئك الذين فقدناهم" يستعيد فيها ذكرى أصحابه وزملائه الذي قضوا في مجزرة رهيبة ويندد في الوقت نفسه بـ"جبن، وخيانة، وانتهازية، وحذلقة، وعمى، وسطحية" كثيرين آخرين لا يزالون يبررون بطريقة أو بأخرى المآل الرهيب الذي خص القدر به العاملين في "شارلي إيبدو". هنا نص المقال:

إعلان

"في ذلك اليوم. كابو، فولينسكي، شارب، تيغنوس، أونوريه، إلزا، برنار ومصطفى. فرانك، ميشيل، فريديريك وأحمد. وفي الأيام التالية. كلاريسا، فيليب، يوهان، يواف وفرانسوا ميشيل.

تبدأ اليوم محاكمة من المفترض أن تختتم شهوراً من التحقيق وسنوات من الاستجواب وأن تنقش بشكل قاطع على مرمر الحقيقة القضائية الحقيقة التي لا تطاق لهذه الأيام المأساوية.

تزيدنا عمليات القتل هذه رعباً لأن مذابح أخرى تبعتها ولأنه ليس هناك ما يضمن عدم حدوثها مرة أخرى. لذلك فإننا سوف نشهد محاكمة ماضينا، ولكن أيضاً مستقبلنا. لا يزال بإمكان الغد أن يقتلنا.

إذا كان من الصعب للغاية تسمية الجريمة، فإن ذلك يعود إلى أنها ارتكبت باسم أيديولوجية فاشية نشأت في أحشاء دين معين. وقلة هم الذين تجرأوا، بعد خمس سنوات، على معارضة المطالب الأكثر إلحاحاً للأديان بشكل عام، ولبعضها على وجه الخصوص.

لذلك لا ينبغي إجراء محاكمة واحدة فقط، بل عشر أو عشرون أو مائة. ضد الجناة، ولكنهم أموات. ضد شركائهم، وهم هنا. لكن أيضاً ضد الجبن، السينيكيّة، الحذلقة الفارغة، الافتقار إلى الثقافة، الخيانة، قلّة الشجاعة، الراحة الفكرية، الانتهازية، العمى، الاكتفاء بالذات، السطحية، الحسابات السياسية، اللاوعي، الخفة، الانهزامية، التردد، الافتقار إلى البصيرة، وآلاف العيوب الأخرى التي تبدو بشكل منفصل تافهة، ولكنها، مجتمعة، جعلت إبادة صحيفة أمراً ممكناً.

في غرفة التحرير في هذه الصحيفة، فتح الجلادون نيران أسلحة كان آخرون قد وضعوا تعليمات استخدامها. محاكمة واحدة لن تكون كافية. لكتابة هذه الهزيمة الجماعية، فإن ما سيبقى هو التاريخ. أما نحن، فلن نتحلى بشجاعة القيام بذلك. لا يسعنا إلا أن نأمل، خلال عشر أو عشرين عاماً، في بروز أرواح أكثر حرية من هذه الموجودة في عصرنا ستنبش أفعال من سبقوها قائلة لنفسها "ولكن كيف أمكننا السماح بحدوث ذلك؟".

في هذه المحاكمة، سنكون مدعوين للتحدث بدون كراهية وبدون خوف، كما هو معتاد في محاكم الجنايات. سنرفع أذرعنا ونقسم على فعل ذلك. سيجبرنا احترام القوانين على اتباع هذه الطقوس. لكن الحقيقة غير مسموعة، وهي كذبة سيُطلب منا قولها رسمياً. لأن لا شيء انتهى.

لا تزال الكراهية التي ضربتنا قائمة، وقد أخذت وقتها منذ عام 2015 لتحوير نبرتها وتغيير مظهرها وإخفاء نفسها ومواصلة حملتها الصليبية دون صخب.

الخوف أيضاً. الخوف المتعصب من إله قاتل مُبيد يؤمن عبيده الخاضعون الذين يظنون أنهم يخففون قبضته من عليهم بنقلها إلى المجتمع بأسره من خلال التهديد والموت.

أما نحن، كراهيتنا وخوفنا، فلن نشعر بالعار. سنخرس كراهيتنا وخوفنا حتى لا نسيء إلى أولئك الذين لن يفهموا أبداً ما يعنيه فعلاً أن يتعرض المرض للذبح. سنخرس كراهيتنا وخوفنا دون أن نحاول التخلص منهما لأن ذلك مستحيل، ولكن أيضاً لأنهما سيساعداننا، من يدري، على خوض تجارب أخرى في محاربة هذه الظلامية التي حاولت بالإرهاب أن تجعلنا عبيداً لها. لأننا لن ننحني أبداً. لن نتنازل مطلقاً.

الغائبون الكبار عن المحاكمات هم دائماً الضحايا. إن الدمار الذي يصيب الإنسان لا يوحي إلا بالغضب وبالحزن. لأنه معه تختفي إلى الأبد معرفته بالعالم. يهدف إعدام صحفيي ورسامي الكاريكاتير في شارلي إيبدو إلى محو معتقداتهم وثقافتهم ومواهبهم. يذكرنا تدميرهم بما حدث قبل سنوات قليلة من تدمير تماثيل بوذا في باميان. اليوم، كل ما تبقى كدليل على وجود تلك التماثيل هو كهف شاسع مجوف. لا تظهر آثار شهداء شارلي إيبدو اليوم إلا من خلال الفراغ الهائل الذي تركوه بعد مرورهم بيننا.

كان من حسن حظي أن أعمل معهم طوال هذه السنوات. ما قدموه إلي، لم أدركه في ذلك الوقت. الوتيرة المحمومة لجريدة أسبوعية، التقارير، الاجتماعات التحريرية، صفحات الرسومات، الأعداد الخاصة، آلاف الساعات التي أمضيناها معاً في صنع هذه الصحيفة التي تغلي، جعلتني أفقد الرفاهية التي كنت أستمتع بها بمرافقتهم وبإثرائهم لي بعبقريتهم وإنسانيتهم. ربما سينجح زمن هذه المحاكمة في استبدال صمت غيابهم بالتنهد على ذكراهم".

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.