تخطي إلى المحتوى الرئيسي

"سماع الشرق": صالون تفاعلي للموسيقى العربية في متحف حضارات أوروبا والمتوسط في مرسيليا

معرض "سماع الشرق"
معرض "سماع الشرق" © AMAR

استأنف متحف حضارات أوروبا والمتوسط في مرسيليا نشاطاته بعد عدة أشهر من الحجر الصحي فرضه وباء كورونا بمعرض "سماع الشرق" الخاص بحفظ الموسيقى العربية، المنسية منها والحيّة المهدَّدة بالفُقدان، وقد أفتُتِح في الثاني والعشرين من تموز/يوليو ويستمر حتى الرابع من كانون الثاني/يناير 2021، وخُصِّصت له مساحة 800 متر مربع من المتحف.

إعلان
معرض سماع الشرق
معرض سماع الشرق © خاص مونت كارلو الدولية

هو أول معرض كبير مُكرّس لمجموعة مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية (AMAR) التي أسسها في لبنان رجل الأعمال والعاشق للموسيقى العربية كمال قصار عام 2009 لحفظ التراث الموسيقي في الشرق الأوسط وتوثيقه ونشره، بعد اقتنائه مجموعة المؤرخ المصري عبد العزيز العناني التي تعود الى عام 1903. وكمال قصار هو القيّم على معرض "سماع الشرق" بالشراكة مع فادي يني ترك، المخرج ومدير التصوير والعضو في المؤسسة.

تُعدّ هذه المجموعة الموسيقية أكبر مجموعة توثيقية للموسيقى الكلاسيكية العربية في الشرق الأوسط، وهي مؤلفة من حوالي عشرة آلاف أسطوانة 78 دورة تعود إلى عصر النهضة، وستة آلاف ساعة تسجيل على شرائط ممغنطة ومئات الأسطوانات الشمعية التي تعود الى القرن التاسع عشر.

يروي معرض "سماع الشرق" قصة مسارَين في حماية وإنقاذ الإرث الموسيقي العربي ويجمع بين موسيقى المدن والأسطوانات النادرة من جهة والموسيقى الشعبية الشفوية المهددة بالزوال من جهة أخرى.

معرض سماع الشرق
معرض سماع الشرق © خاص مونت كارلو الدولية

المسار الأول يدعونا لتعقب تسجيلات ومستندات من تراث النهضة الموسيقيّة في بداية القرن العشرين وقد تم اكتشافها والتعرف عليها بفضل أعمال تسجيل شركات الأسطوانات الأجنبيّة التي وصلت الى بلدان الشرق الأوسط منذ عام 1903 وحتى منتصف الثلاثينيات وقامت بتسجيل الإنتاج الموسيقي في عصر النهضة. أما المسار الثاني فيقدِّم نماذج من التقاليد الموسيقية الشفوية الشعبية عبر تجهيزات فيديو أُنجزت بين عامي 2016 و2019 تمثل أنماطا موسيقية متنوعة تعكس المخاطر التي يتعرض لها هذا الموروث بسبب الحروب والتهجير واضطهاد الأقليات العرقية أو الدينية، أو حتى العولمة والتحولات الاجتماعية.

معرض سماع الشرق
معرض سماع الشرق © خاص مونت كارلو الدولية

رحلة تفاعلية ثلاثية الأبعاد

عند الدخول الى معرض "سماع الشرق" في متحف أوروبا والمتوسط تستقبلنا فوراً الموسيقى كيفما اتجهنا وتُدخلنا في فضاءاتها الخاصة تجهيزات الفيديو المعروضة على شاشات كبيرة. ترتيب منظم حسب تواريخ زمنية تدل على حقبات موسيقية وثَّقت لها المؤسسة التي قسمت المعرض الى تسعة أقسام ومعروضات تبدأ بعصر النهضة وأولى حملات التسجيل لشركات الأسطوانات بين 1903 و1914، ثم الحرب العالمية الأولى التي شهدت تراجعا في التسجيل سرعان ما ازدهر بعد توقفها وبشكل خاص بعد 1924، إلى مؤتمر القاهرة للموسيقى العربية عام 1932 والجمالية الجديدة في الفن بعد 1930 وتأثير الراديو والأفلام الموسيقية على هذه الجمالية والنزعة الى التغريب، انتهاء بموسيقى العراق والخليج واليمن والمغرب العربي.   

صور من كاتالوج شركة باتيه تمثل موسيقيات وموسيقيين عرب سجلوا لهم.1925
صور من كاتالوج شركة باتيه تمثل موسيقيات وموسيقيين عرب سجلوا لهم.1925 © أمار

إنه صالون تفاعلي للموسيقى يدعو زائره الى كتشاف أغنيات شكلت الذاكرة الجماعية الموسيقية العربية، عبر ستين تسجيلاً اختارتها مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية من بين مقتنياتها ليتم عرضها والاستماع اليها خلال المعرض، وهي لمغنين بارزين من مصر وسوريا ولبنان والعراق واليمن والسودان وبلدان الخليج والمغرب العربيين ما بين 1903 و1970، بالإضافة الى صور وتعريف بكل من المغنين

أمام الأسطوانة المسجلة وعرض لكبرى شركات الأسطوانات التي سجّلت أغاني وموسيقى هذه المنطقة.

فرج الله بيضا (لبنان) يا غزالي كيف عني أبعدوك 1907
بيضافون، 78 دورة
فرج الله بيضا (لبنان) يا غزالي كيف عني أبعدوك 1907 بيضافون، 78 دورة © أمار

"سماع الشرق" رحلة موسيقية ثلاثية الأبعاد يقوم بها الزائر مُزَوَّدا بسمّاعة هاتفه الجوال ليتمكّن من الاستماع الشخصي لكل تسجيل يريده عن طريق تصويب الهاتف على الرمز الرقمي الموجود قرب الأسطوانة، وبهذا ينتقل فوراً الى الصفحة المتعلقة بالأغنية الموجودة على تطبيق رقمي مصمّم خصيصاً للمعرض.  وقد أنجز سينوغرافيا المعرض "بيير جينير" بطريقة مبتكرة، كما يمكن للزائر في أي وقت خارج فضاء المعرض أن يثري تجربته بالدخول الى التطبيق عن طريق شاشة الهاتف المحمول أو الكمبيوتر واكتشاف عوالم الموسيقى العربية. وتوفّر هذه المنصّة الرقمية قناة راديو تقدّم لوائح موسيقية ضخمة لأعمال من المنطقة العربية.

معرض سماع الشرق
معرض سماع الشرق © خاص مونت كارلو الدولية

تجهيزات موسيقية لتقاليد مهددة بالزوال

في وسط الصالتين المخصصتين لمساحة المعرض وفي فضاء مفتوح تطالعنا مجموعة من شاشات كبرى يحيط بها السجاد الشرقي، وعندما نقترب من كل منها ندخل في أجواء حميمية خاصة ونعيش لحظات موسيقية آسرة لنصبح جزءا من النمط الموسيقي المعروض.

هي فيديوهات تجهيزية توثق في اثني عشر بلداً لاثني عشر تقليد موسيقي شفهي مهدد بالاندثار، تشاهدها وتستمع اليها متأملاً واقفاً أم جالساً على السجاد. وهي نتيجة عمل بحثي وتوثيقي وتسجيلي ميداني أنجزه بين عامَي 2016 و2019 فادي يني ترك، القيّم بالشراكة على المعرض وصانع الأفلام اللبناني عضو مؤسّسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية. وتدل هذه التجهيزات على تنوع الأنماط والممارسات الموسيقيّة، وهي مُهدَّدة بالزوال نتيجة النسيان والتحولات الاجتماعية حينا، والممارسات القمعية على الأقليات أحيانا. ويرافق كل تجهيز فيديو نص بالفرنسية والعربية والإنكليزية وخارطة جغرافية للمكان الذي تأتي منه الموسيقى وتفسير لأسباب اندثارها.

الأزيديون. لالش، كردستان، العراق، 2019
الأزيديون. لالش، كردستان، العراق، 2019 © فادي يني ترك

كمال قصار: نوثق لتقاليد موسيقية لننقلها الى الأجيال القادمة

في حديثه لمونت كارلو الدولية قال كمال قصار، القيّم على معرض "سماع الشرق" ورئيس مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية، إن التحضير لهذا المعرض استغرق سنتين وهو جزء كبير ومكمِّل لمعرض في برلين كان قد شارك فيه عام 2018. وهذا المعرض المخصص لمجموعته يحتوي على تجهيزات فيديو أكبر وقد تم تصويرها وتسجيلها في بلدان عديدة وفي أماكن صعبة مثل الموصل في العراق، حيث تم تصوير عودة السريان الى كنائسهم المدمرة، والأزديين في مركزهم الديني في شمال العراق واسمه "لالش"، وهو قد أُعجب كثيراً بموسيقاهم لأنها جديدة على أذنه ولأنه شعب جميل ومسالم وعاداته حلوة.

فادي يني ترك. سهرات الخشّابة، البصرة ، العراق، 2019
إنتاج مشترك مؤسسة أمار والموسم، 2020
فادي يني ترك. سهرات الخشّابة، البصرة ، العراق، 2019 إنتاج مشترك مؤسسة أمار والموسم، 2020 © فادي يني ترك

كما عملت المؤسسة على تصوير ما تبقى من الفن البحري في البصرة وهو فن الخشّابة وقد سُمِّي كذلك لأن عُمَّال السفن كانوا يدقّون على الخشب ويغنّون وكان هناك العديد من فرق الخشابة في البصرة وضواحيها والزُبير ولكن اليوم لم يعد هناك سوى فرقة أو فرقتين، وكذلك تم تصوير وتسجيل الفن البحري في الكويت والبحرين وقطر وشرق السعودية وكان هذا الفن متعلقاً بالغوص للبحث عن اللؤلؤ وأصبح اليوم فناً قائماً بذاته، وهناك بعض الفرق في البحرين والكويت لا تزال محافظةً على هذا النمط وتُغنيه.

الفن البحري، غناء البحر في الكويت، 2019
إنتاج مشترك مؤسسة أمار والموسم، 2020
الفن البحري، غناء البحر في الكويت، 2019 إنتاج مشترك مؤسسة أمار والموسم، 2020 © فادي يني ترك

وتم تصوير الفن الينبعاوي في المملكة العربية السعودية رغم صعوبة التصوير لعدم تَعَوُّد المجتمع على ذلك، إلا أن النتيجة كانت جميلة جداً وهي موسيقى تستمدُّ من التراث الموسيقي المصري القديم ويتم غناءه على إيقاع ينبعاوي جميل جدا وقد سُحر كمال قصار بهذه الموسيقى التي تجمع اللحن القديم والايقاع الجديد.

معرض سماع الشرق، غناء الأنين من مصر
معرض سماع الشرق، غناء الأنين من مصر © خاص مونت كارلو الدولية

كما تم التصوير أيضاً في مصر لتقاليد غنائية كثيرة وأعجب كمال قصار بشكل خاص بفن "الأنين" الموجود بقرية اسمها " الكحل" جنوب القاهرة، وهو فن خاص لا يتم غناءه أمام الناس وإنما تغنيه الفرقة

وحدها بصوتين أو ثلاثة أو أربع تشكو فيه هَّمها وحزنها، واليوم لم يعد سوى فرقة واحدة من أربعة رجال. هذا بالإضافة الى تصوير الموالد الصوفية في مصر والسيرة الهلالية التي كانت تُقَدَّم في الأمس خلال شهر رمضان ويتم الاستعاضة عنها اليوم بالمسلسلات التلفزيونية وانقرضت الفرق ولم يتبق منها

سوى عائلة واحدة لا تزال حافظة لملحمة بني هلال التي زاد الشعراء عليها الأبيات منذ القرن الثالث عشر حتى اليوم وهي من آلاف الأبيات.

آخر شعراء السيرة الهلالية. البلينة، مصر،2017
إنتاج مشترك بين مؤسسة أمار وهامبولدت فوروم، 2018
آخر شعراء السيرة الهلالية. البلينة، مصر،2017 إنتاج مشترك بين مؤسسة أمار وهامبولدت فوروم، 2018 © فادي يني ترك

مئات من الساعات تم تصويرها لفرق موسيقية قد تندثر بالإضافة الى مقابلات وشروحات حول كل هذه الفنون الشعبية وطريقة ممارستها وتاريخها ويقول كمال قصار: "نحن نوثق لكل هذه التقاليد خوفا من زوالها، وإن زالت سيكون ما لدينا لننقله الى الأجيال القادمة".

معرض سماع الشرق، تحيّة الى الكاوليّة والفن الريفي
معرض سماع الشرق، تحيّة الى الكاوليّة والفن الريفي © خاص مونت كارلو الدولية

كتاب "سماع الشرق: موسيقات منسية، موسيقات حّية"

.
. © أكت سود

يرافق معرض "سماع الشرق" كتاب صدر عن دار "أكت سود" في باريس بعنوان "سماع الشرق: موسيقات منسية، موسيقات حية" بإشراف فادي العبد الله وشاركه في كتابة المقالات التي تقدم تحاليل وإضاءات إضافية على مواضيع المعرض، متخصصون في الموسيقى التراثية العربية وهم فادي العبد الله، أورليان دومون، كمال قصار، فريديريك لاغرانج، جان لامبير، علي جهاد الراسي، أحمد الصالحي، مصطفى سعيد، فادي يني ترك.

في الكتاب مقالات حول المقام وتطور صناعة الآلات ومفهوم الطرب خلال القرن العشرين، وأثر شركات الأسطوانات وكذلك أثر تغيير أماكن الاستماع للموسيقى على نسيجها، فضلاً عن مقالات أخرى عن فن البحر في الخليج، وحول شغل فادي يني ترك في توثيق الموسيقى المهددة، وعن العلاقة بين تشكيل الهويات الوطنية في المشرق العربي وصناعة الموسيقى، وكيف يمكن لمؤلف موسيقي غربي معاصر أن يستمع إلى هذه الموسيقى.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.