تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمر السادات بإعدامها فوراً.. المصرية هبه سليم: "نعم أنا جاسوسة والإسرائيليون لن يتركوني"

الرئيس المصري الأسبق أنور السادات يلقي خطاباً في الكنيست الإسرائيلي
الرئيس المصري الأسبق أنور السادات يلقي خطاباً في الكنيست الإسرائيلي © ويكيبيديا
نص : وهيب أبو واصل
7 دقائق

تعتبر المصرية هبه سليم من أخطر الجاسوسات العربيات اللواتي عملن لصالح "الموساد"، لدرجة أن صورتها اليوم تتصدر مبنى الجهاز نظراً لخدماتها التي قدمتها لإسرائيل، فما الذي دفعها لفعل ذلك؟

إعلان

لم يخطر، يوماً، على بال المصرية هبة عبد الرحمن سليم أنها ستصبح جاسوسة لإسرائيل. وعندما أنهت دراستها الثانوية كانت كل الآبواب مشرعة أمامها. شابة جميلة في الثامنة عشرة من عمرها، تنتمي لعائلة ميسورة تسكن حي المهندسين في القاهرة وتتردد على نادي الجزيرة الشهير مع أصدقائها. ومثلها مثل أبناء المصريين المقتدرين، فقد قررت إكمال دراستها في الخارج، خصوصاً بعد هزيمة مصر في حربها مع إسرائيل عام 1967. كانت هبة مقتنعة بأن العرب فاشلين، وصار السلام بين الشعوب حلمها وإيمانها.

سافرت إلى باريس تطلب العلم. درست في البداية اللغة الفرنسية في صفوف خاصة في جامعة "السوربون" العريقة. وهناك تعرفت هبة على زميلة يهودية بولندية وأصبحتا صديقتين. توطدت العلاقة بينهما وصارت الطالبة البولندية تدعوها إلى بيتها وتدعو معها لفيفاً من الشباب اليهودي. هناك وجدت البنت المصرية ضالتها فصارت تعبر صراحة عن كرهها للحرب واشمئزازها من العرب. وفي إحدى المرات عرضت زميلتها فيلماً وثائقياً عن الحياة الاجتماعية الهانئة في إسرائيل، وأعجبت هبة سليم بحياة "الكيبوتس"، وبدأت تقتنع بأن الإسرائيليين ليسوا وحوشاً كما يصورهم الإعلام العربي.

وبعد عدة لقاءات مع أصدقائها الجدد من اليهود، اقترحت عليها صديقتها البولندية لقاء صديق عميل لـ "الموساد" في شقتها الباريسية. وافقت هبة وصارت تلتقي به بشكل مستمر إلى أن نجح في إقناعها بالعمل لصالح جهاز المخابرات الإسرائيلي. بل هي تطوعت لمساعدته بدون مقابل مالي. بدأ عميل "الموساد" يستجوبها عن أحوال الناس المعيشية في مصر. وكانت تل أبيب في تلك الفترة مهتمة بمعرفة ما يجري بعد النكسة في أكبر دولة عربية.

وخلال اللقاءات بين الاثنين ذكرت هبة سليم بأنها تعرف ضابطاً مصرياً كان يشغل منصب مدير مكتب قائد سلاح الصاعقة، اسمه المقدم فاروق عبد الحميد الفقي. وعلى الرغم من أن رتبته أقل من القادة العسكريين في هذه الوحدة إلا أنه كان يحضر اجتماعاتهم، خصوصاً وأن مصر كانت قد تسلمت في تلك الفترة صواريخ من نوع "سام 6" الروسية وبدأت ببناء منصات لها والتحضير لحرب مقبلة.

تلقف عميل "الموساد" تلك المعلومة وطلب منها العودة إلى القاهرة وإعادة العلاقات مع الضابط المصري. كان الفقي يتردد على نادي الجزيرة قبل مغادرة هبة إلى باريس. وكان مغرماً بها يلاحقها طوال الوقت دون أن تلتفت إليه. ولما عادت اتصلت به وعبرت له عن إعجابها بشخصيته وصارت تلتقيه يومياً. تقدم لخطبتها من أهلها الذين وافقوا. عرفت كيف تستدرجه للعمل معها، واستأجر العميل الجديد شقة في حي المعادي وعلمته هبة كيفية استعمال الحبر السري وطريقة الاتصال بها. وهكذا تمكنت خلال فترة وجيزة من الحصول على كمية كبيرة ومهمة من المعلومات الدقيقة، أهمها الحصول على خرائط عسكرية واضحة المعالم عن أماكن بناء منصات الصواريخ.

عادت هبه سليم إلى باريس وهي تحمل صيداً ثميناً للمخابرات الإسرائيلية. وبالفعل انتقل ضابط كبير خصيصاً إلى العاصمة الفرنسية لتسلم الخرائط التي عندها. وعندما التقاها واطلع على الخرائط الدقيقة طلب منها مرافقته إلى تل أبيب لمقابلة مرؤوسيه، وتحديدا رئيس جهاز "الموساد" ليقدم لها الشكر شخصياً.

عندما اقتربت طائرة "إل عال" الإسرائيلية من مطار بن غوريون في تل أبيب قامت طائرتان حربيتان بمرافقتها تحية للجاسوسة المصرية. وهي قد هبطت من على سلم الطائرة قبل جميع المسافرين، واصطف الضباط الكبار على جانبي السلم وأدوا التحية العسكرية لها. في المساء التقتهبة سليم برئيسة الوزراء، آنذاك، غولدا مائير. وكان يقف إلى جانبها رئيس "الموساد" مائير عاميت. يومها قالت غولدا لهبة: "ما قدمته لإسرائيل لم يستطع أحد من الحاضرين أن يقدمه لدولتنا".

صباح اليوم التالي قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بقصف منصات الصواريخ الظاهرة في الخارطة. وكلما قرر الجيش المصري بناء منصات جديدة تقوم إسرائيل بقصفها أولا بأول، مما لفت انتباه المخابرات المصرية التي بدأت بالتحقيق مع كل من يحضر اجتماعات القيادة المصرية المسؤولة عن التحضير لنصب الصواريخ، في محاولة لحل اللغز. فالأمور أصبحت واضحة: هناك عميل سري ينقل المعلومات إلى إسرائيل.

بعد أيام نجحت المخابرات المصرية في كشف العميل وتم القبض عليه بسرية تامة. وخلال التحقيقات اعترف الضابط المصري بفعلته وقال إن خطيبته هبة هي العقل المدبر، وهي صلة الوصل مع الإسرائيليين. وتمت محاكمه الضابط بسرعة وبسرية تامة وأعدم رمياً بالرصاص بدون ضجة.  كان الضابط الفقي ضمن الضباط القلائل الذين سيعرفون بموعد الحرب "ساعة الصفر" باعتباره عضواً في "غرفة العمليات".

 وضعت المخابرات المصرية خطة للقبض على هبة سليم. وكان الحل استدراجها للسفر إلى ليبيا حيث يعمل والدها مدرساً هناك. وتم التنسيق مع السلطات الليبية وأقنعوا والدها بأن ابنته متورطة بخطف طائرة إسرائيلية مع الفلسطينيين وهي مطلوبة لإسرائيل. والحل هو ادعاء الوالد بأنه مريض جداً ويريد رؤية ابنته. وفعلاً أدخلوه إلى المستشفى وقام بالاتصال بها عدة مرات وهي في باريس إلى أن وافقت على المجيء إلى طرابلس. وما أن هبطت من الطائرة حتى وجدت حولها رجال المخابرات المصرية. ساقوها بالقوة إلى طائرة جاثمة في مطار طرابلس متوجهة إلى القاهرة. بدأت بالصراخ عندما فهمت أنه تم كشفها فقام ضابط مصري بصفعها لتخرس.

حين علمت إسرائيل بالقبض على هبة سليم، قامت بالضغط على الرئيس المصري الأسبق أنور السادات لإطلاق سراحها. لكن السادات كان قد أصدر أمره بإعدامها سراً. بعد عدة أشهر من انتهاء حرب أكتوبر، عندما فتح وزير الخارجية الأميركي الموضوع مع الرئيس المصري، أعلمه هذا الأخير بأنها اُعدمت ولا داعي للوساطة.

كانت هبه سليم متأكدة أن الإسرائيليين سيقومون باختطافها من سجن النساء. لذلك كانت تتزين كل يوم وترش العطور الباريسية على جسدها. كما قدمت التماساً للرئيس المصري وزوجته جيهان لإصدار عفو رئاسي عنها، لكنهما رفضا الالتماس. كانت قد صُنفت كأخطر جاسوسة مصرية جندها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد". وقد تحولت قصتها إلى فيلم بعنوان: "الصعود إلى الهاوية"، قامت ببطولته الممثلة الراحلة مديحة كامل أمام محمود ياسين.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.