الشارقة

الخيار السلمي النووي العربي: خير أم شر؟

طرحان متبانيان بشان مستقبل الطاقة النووية بشكل خاص والخيار النووي السلمي عموما في المنطقة العربية فرضا نفسيهما على جزء هام من مداولات المؤتمر الذي عقده المنتدى العربي للبيئة والتنمية في الشارقة يومي الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 2013.

إعلان

وقد أصبح هذان الطرحان في السنوات الأخيرة جزءا من هموم المهتمين بالشأنين السياسي والطاقوي العربي وبالخطاب المتصل بمستقبل العرب مع التكنولوجيا النووية الحديثة وسبل توظيفها في العملية التنموية الشاملة ورهاناتها الإستراتيجية . وقد غذت عدة أحداث وقرارات هذا الجدل.
 
ومن أهم هذه الأحداث كارثة فوكوشيما النووية التي جدت في مارس –آذار عام 2011. أما القرارات المتخذة في هذا السياق فمن أبرزها انخراط عدة بلدان عربية في السنوات الأخيرة في برامج ومشاريع ترمي إلى إقامة محطات نووية على المديين القصير والمتوسط بهدف المساهمة في إنتاج الطاقة أساسا.
 
 
وإذا كان بعض هذه البلدان يملك النفط والغاز بكميات كبيرة ويصدر الجزء الأكبر منها، فإن البعض الآخر بعيد كل البعد عن أن يوضع في قائمة البلدان المصدرة للنفط أو المنتجة له وهو مثلا حال المغرب والأردن.
 
ومن بين هذه القرارات التي ساهمت في تغذية الجدل حول الموضوع التنافس الشديد بين القوى المنتجة لتكنولوجيا الخيار النووي لإبرام صفقات ضخمة مع بلدان عربية نفطية وغير نفطية في هذا المجال.
 
 بل إن الرئيس الفرنسي السابق كان قد قضى وقتا كبيرا من زياراته إلى عدة بلدان عربية في محاولة إقناعها بأن التكنولوجيا النووية الفرنسية هي الأكثر أمانا في العالم وبالتالي على العرب التعاقد مع فرنسا بدل طرق أبواب الروس والكوريين وغيرهم من الشعوب التي أصبحت تصدر التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية.
 
ويمكن القول إن المتحفظين على خيار الاستثمار في هذه التكنولوجيا أو المعترضين عليه تماما انتهزوا النقاش الذي جرى خلال مؤتمر الشارقة حول واقع الطاقة المستدامة ومشاكلها وآفاقها في العالم العربي للتذكير بحجج كثيرة دافعوا من خلالها عن طرحهم ومن أهمها أن السلامة الأمنية في التعامل مع الخيار النووي كذبة كبرى بدليل أن كارثة فوكوشيما فندت المقولة التي ترددت خلال عشرات السنين ومفادها أن المثل يضرب باليابانيين في حرصهم على مسألة السلامة النووية.
 
وبالرغم من أن خصومهم يقولون إن هذه الكارثة ناجمة عن عوامل طبيعية لا عن أخطاء بشرية ، فإنهم  يؤكدون أنه ما كان على اليابانيين أن يتجاهلوا منذ سنوات انعكاسات الظواهر المناخية القصوى على المنشئات النووية التي تقام في كثير من الأحيان في مناطق ساحلية.
 
وفي ما يخص العرب يقول أصحاب هذا الطرح إن الانخراط العربي في مشاريع  تهدف إلى إقامة مفاعلات نووية قرار غير حكيم لأسباب متعددة منها أن كلفة شراء المعدات التكنولوجية التي تسمح بإنتاج الطاقة  مرتفعة جدا، وأن إدارتها أمر معقد أيما تعقيد وتحتاج إلى بنى تحتية صلدة واستقرار سياسي وإلى إستراتيجية طويلة الأمد ومهارات وثروات بشرية لا يملكها العرب اليوم وهم ليسوا مؤهلين لإدارة مثل هذه المشاريع على كل المستويات ومنها مثلا المستوى الذي يسمح لهم بإنتاج اليورانيوم إذا وجد عندهم بالقدر والكثافة الكافيتين وتخصيبه وإعادة معالجة الوقود المستخدم ودفنه.
 
ويرى أصحاب هذا الطرح أنه حتى في حال حصول معجزة وتوصل العرب إلى تخطي كل هذه العقبات، فإن البلدان الصناعية الكبرى لا تريد للعرب فرض أنفسهم يوما في سوق التكنولوجيا النووية كشريك مستقل ولن تسمح لهم به أيا تكن السيناريوهات العربية.
 
 بل كل همها اليوم وغدا ينحصر في تسويق منتجاتها النووية بشروطها المجحفة.
أضف إلى ذلك أن البلدان الصناعية الكبرى المنتجة للتكنولوجيا النووية في حيرة من أمرها اليوم بالنسبة إلى مشكلة كيفية التخلص النفايات النووية. وهذه المشكلة كانت سببا من الأسباب التي دفعت مثلا ألمانيا قاطرة الاتحاد الأوروبي الاقتصادية إلى اتخاذ قرار التخلي نهائيا عن الخيار النووي بحلول عام 2022.
 
 
أما الذين يرون أنه آن الأوان كي ينطلق العرب في مسيرة جديدة تجعلهم طرفا هاما من الأطراف المستثمرة في الخيار النووي السلمي، فلديهم بدورهم حجج كثيرة ذكروا بها خلال مؤتمر مستقبل الطاقات الجديدة ومنها مثلا أن البصمة البيئية العربية سيئة جدا بسبب الوقود الأحفوري الذي تنتجه البلدان العربية وتستخدم جزءا منه لتلبية حاجاتها الطاقوية.
 
ومن ثم فإن انخراط العرب في الخيار النووي سيتيح لهم رغم الصعوبات الكثيرة تحقيق عدة أهداف منها تجنب المساهمة في الانبعاث الغازية المتسببة في ظاهرة الاحتباس الحراري علما بأن الطاقة النووية لا تفرز مبدئيا هذه الانبعاثات.
 
 ومن الحجج الأخرى واحد يتعلق بمشكلة ندرة المياه في المنطقة العربية. وهي مشكلة ستحتد أكثر في المستقبل بسبب التغيرات المناخية القصوى في المنطقة العربية عبر فترات جفاف تطول أكثر من اللزوم وتزايد الطلب على الماء وعلى الطاقة لأغراض تنموية واقتصادية واجتماعية. ولمحاولة تذليل هذه العقبات، يمكن الاعتماد على الطاقة النووية بهدف تحلية مياه البحر والمساهمة في تلبية حاجات الناس من الكهرباء.
 
 ويخلص هؤلاء إلى القول إن اعتماد منهجية متعددة الأطراف يكون فيها حيز للخيار النووي في مجال إنتاج الطاقة ومجالات مدنية أخرى منها تحسين مواصفات أتربة الأراضي الزراعية والاستعانة بالذرة لاستصلاحها يفتح آفاقا كثيرة أمام الاستراتيجيات التنموية العربية على المدين المتوسط والبعيد ويساهم في إطالة عمر النفط والغاز الطبيعي لاسيما بعد تحسين كفاءة إنتاجهما واستخدامهما.
 
وإذا كان المنتدى العربي للبيئة والتنمية قد أكد أنه ليس مع الخيار النووي بالنسبة إلى العرب وليس ضده، فإنه التزم عبر تقريره السنوي حول مستقبل الطاقة المستدامة في المنطقة العربية والنقاشات جرت بشأنه في الشارقة بطرح الموضوع بهدوء، ونجح في مسعاه هذا.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن