تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

كيف أساء الأوروبيون والعرب إلى أرض الأندلس؟

سمعي
lإحدى مزارع البيوت المحمية في الأندلس اليوم
/ رويترز

من يدخل اليوم "سوق رانجيس" الواقعة في جنوب العاصمة الفرنسية، يكتشف بسرعة أن غالبية ما يعرض فيها من الخضر والفواكه يأتي من إسبانيا ومن الأندلس بالتحديد. وهذا أمر مهم إذا أخذنا في الحسبان ملاحظة مفادها أن هذه السوق هي أكبر أسواق المنتجات الزراعية الطازجة في القارة الأوروبية.

إعلان

من لا يعرف الأندلس يعتقد أن مزارعها شاسعة وأن أرضها خصبة وأن مياهها كثيرة حتى يتسنى لها فرض نفسها على كل موائد المستهلكين في أوروبا الغربية على الأقل. ولكن الأمر غير ذلك. فكل ما في الأمر أن الصناعيين والمستثمرين والمزارعين الإسبان استطاعوا ترويض أراضي الأندلس عبر تقنيات الفلح المتطورة جدا والحال أن الأندلس منطقة لا تنزل فيها الأمطار بكثرة لأن مناخها شبه جاف. وصحيح أن عملية الترويض هذه سمحت لمنطقة الأندلس الإسبانية   خلال السنوات الثلاثين الأخيرة بأن تصبح سوق أوروبا الأولى في مجال الخضر والفواكه الطازجة. ولكن هذا التميز أدى شيئا فشيئا إلى خنق أتربة الأراضي الزراعية الأندلسية وتلويثها بعد إشباعها بالمبيدات والأسمدة الكيميائية المخصبة. وأصبح ذلك ينعكس سلبا بشكل واضح على طعم ثمار الأندلس وخضرواته الطازجة ولم تعد مياهها الجوفية قادرة على ضمان استمرار هذا التميز.


ومن ثم فإنه ليس هناك خيار آخر أمام مزارعي الأندلس اليوم غير خيار الانخراط في منظومة إنتاج مغايرة للإنتاج المكثف والاستثمار مثلا في نموذج الزراعة العضوية. ونُذَكِّر بأن نظام الرَّيِّ بالتنقيط أو" قطرة -قطرة" نشأ في الأندلس في القرون الوسطى وبأن الأرض الأندلسية شهدت خلال عصر الحضارة العربية الإسلامية الذهبي نهضة زراعية قوية قامت على مبادئ الزراعة العضوية. ومن أحد أبرز العلماء الذين أسهموا في هذه النهضة أبو زكرياء يحي بن محمد أحمد بن العوام الإشبيلي مؤلف "كتاب الفلاحة" الذي يُعَدُّ من أهم المراجع العلمية الزراعية العربية في ما يخص   استخدام الموارد الطبيعية استخداما رشيدا في أراض مناخها شبه جاف، وهو حال الأندلس بالأمس واليوم. وهو أيضا حال جزء كبير من المنطقة العربية اليوم. ويُنتظر أن يساهم التغير المناخي في توسيع رقعة هذا المناخ في المستقبل.  


وبقدر ما يُؤخذ اليوم على المستثمرين والمنتجين الزراعيين تحويل الأندلس إلى مزرعة للسموم عبر الخضروات والفواكه الطازجة المشبعة بالمواد الكيميائية، بقدر ما يُؤخذ أيضا في الوقت ذاته على أصحاب القرارات السياسية والاقتصادية والتنموية في البلدان العربية عدم الاستفادة من معارف الأندلسيين القدامى الزراعية وكيفية استخدامها لترشيد استخدام المياه الشحيحة والتكيف مع مناخ شبه جاف على خلفية احتداد ظاهرة الاحترار المناخي للمساهمة في ضمان الأمن الغذائي بمختلف أبعاده.


 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن