تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

حرائق الغابات تَتَغوَّل بسبب التغير المناخي ومراجعة استراتيجيات مواجهتها ضرورية

سمعي
حرائق الغابات وصلت إلى تخوم القطب الشمالي في صائفة 2019

إذا كانت المنطقة المتوسطية وبعض المناطق الأخرى الواقعة في أوروبا قد أصبحت منذ عقود مستهدفة أكثر فأكثر إلى مشكلة حرائق الغابات لاسيما في فصلي الصيف والخريف، فإن الحرائق التي اندلعت في صيف عام 2019 في بعض البلدان المتوسطية منها الجزائر والبرتغال وفرنسا أظهرت أن الإمكانات التي كانت مسخرة لتطويق هذه الحرائق لم تعد ملائمة لعدة أسباب منها احتداد فترات الجفاف الطويلة.

إعلان

الإشكالية ذاتها أصبحت تُطرح في بلدان شمال أوروبا ومنها السويد على سبيل المثال. وكانت هذه البلدان شأنها شأن مناطق تقع في روسيا في منأى عن حرائق الصيف. ولكن انعكاسات التغير المناخي جعلها اليوم عرضة أكثر فأكثر لحرائق ذات عواقب وخيمة.

ألسنة اللهب في غابات تونس والجزائر
في البلدان المغاربية، كانت حرائق الغابات تنشط في الصيف أساسا في المناطق الحدودية الوقعة في الشرق الجزائري وغرب تونس. وقد سعى البَلَدان إلى تنسيق جهودهما لمحاولة التصدي معا لمثل هذه الحرائق. ولكن ما حصل في سنة ألفين وتسعة عشر في تونس أن عدة مناطق شهدت حرائق تزامنت مع موسم الحصاد وأن عددا من هذه الحرائق متعمد. أما في الجزائر فإن الجدل احتد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب حرائق اندلعت في عدة ولايات منها الشلف وعنابة وتيزي وزو وبجاية والبويرة وخنشلة. بل إن ألسنة الهب وصلت إلى أبواب العاصمة الجزائرية. وانتقد المشاركون في الجدل الذي أثارته هذه الحرائق عدم تحرك السلطات الجزائرية المعنية لتطويق هذه الحرائق في الوقت المناسب والكشف عن ملابسات نشوبها في صيف عام 2019.
تساءل كثير من الجزائريين في صيف عام 2019 عن الأسباب التي دفعت السلطات الجزائرية إلى عدم تفعيل الاستراتيجية الوطنية التي كانت قد وُضعت من قبل لتطويق الكوارث الطبيعية والتي يعتمد فيها مبدئيا على بيانات الأقمار الاصطناعية بالتعاون مع وكالة الفضاء الجزائرية.

لماذا اتسعت رقعة الحرائق الغابية في الجزائر في صيف عام ألفين وتسعة عشر وماهي أهم الإجراءات العاجلة التي ينبغي القيام بها للحد منها في المستقبل؟
السؤال طرحته إذاعة فرنسا الدولية على الخبير الجزائري أحميم مراد المتخصص في حفظ البيئات الطبيعية. هذا رده: " الغابات الجزائرية بحاجة إلى عملية تنظيف للحيلولة دون انتشار النار فيها بسرعة بعد نشوبها. ولسوء الحظ، لا تهتم الدولة الجزائرية بهذا الموضوع منذ قرابة عشر سنوات. زد على ذلك أن الجزائر مرت بمرحلة سوداء في تسعينات القرن الماضي. وأجبرت المرحلة حراس الغابات على هجرها. وللحد من انعكاسات حرائق الغابات في البلاد ينبغي فعلا تنظيف كل غابة بمعدل مرة كل سنة وتعزيز المنظومة التي تعنى بحفظ الغابات وحراستها وذلك مثلا عبر انتداب حراس موسميين في فصل الصيف بشكل خاص للحد من تبعات هذه الحرائق.

حرائق الغابات على أبواب العاصمة الجزائرية


الجحيم البرتغالي
البرتغال أصبح في السنوات الأخيرة بلدا يُضرب به المثل في البلدان المتوسطية الشمالية في ما يتعلق بتفاقم مشكلة حرائق الغابات في فصل الصيف على نحو يخال ضحايا النيران أنهم في جحيم. ولا يزال عام 2017 يحتل المرتبة الأولى في قائمة عدد الوفيات الناتجة عن حرائق الغابات في هذا البلد. فقد أودت هذه الحرائق بحياة 114 شخصا في شهر حزيران –يونيو من عام 2017. ولا يزال البرتغاليون يَذْكرون صور عدد من الذين تفحموا وهم في سياراتهم مع أهلهم وذويهم عندما داهمتهم النيران من كل مكان في طريق معبدة محاطة بالأشجار المحترقة.

 لكن إن عودة الحرائق بقوة وسط البلاد وفي جنوبها وفي مناطق أخرى في صيف عام 2019 مؤشر على أن البرتغال لم يستوعب بعد بدوره على غرار غالبية البلدان المتوسطية الشمالية والجنوبية الأخرى دروس حرائق الماضي والدروس التي ينبغي أخذها من احتداد ظاهرة الاحترار في المنطقة المتوسطية عبر تزايد فترات الجفاف التي تطول. ومن دروس الماضي التي لم تُستَوعَبْ بعدُ في البرتغال تلك التي تتعلق بضرورة استبدال أصناف الأشجار التي تكسو غابات البلاد والتي تحترق بسرعة بأصناف أخرى تثبت أكثر أمام النيران. من هذه الدروس أيضا ضرورة إلزام الذين يسكنون داخل الغابات باتخاذ إجراءات الوقاية اللازمة التي تساعد على الأقل الأجهزة المختصة على إجلائهم عند اندلاع حرائق في الغابات القريبة منهم.

وما ينطبق على البرتغال أصبح ينطبق على فرنسا التي لم تكتف النيران في صائفة عام 2019 بالتهام مساحات واسعة من غاباتها الواقعة في جنوب البلاد.  بل إن حرائق اندلعت أيضا-بسبب احتداد فترات الجفاف التي طالت أكثر من اللزوم –في بعض المزارع والغابات الواقعة في شمال البلاد وفي غربها وفي بعض المناطق القريبة من باريس عينها. وهو مثلا حال حرائق اندلعت في بعض مزارع قرب قرية " لافوريه دو روا".

وتقول السيدة ماري آنج غونيوبيان عمدة هذه القرية وهي تمشي فوق أرض مزرعة احترقت ولم يستطع سكان القرية القيام بأي شيء قبل أن تلتهم النيران ما في المزرعة: " نرى بقايا القش الذي التهمته النيران. ونرى من خلالها الأرض وقد تعرت وبدت يابسة ومشققة. وكثيرا ما يساهم هبوب الرياح في توسيع نطاق المساحات المحترقة. ولحسن حظنا هذه المرة، أن النيران التي اندلعت في هذه المزرعة والمزارع المجاورة لها نشبت بعد موسم الحصاد. ولذلك فإن النيران أتت على جزء كبير من القش لا من المحاصيل. ولكن المساحات المشجرة من حول هذه المزارع لم تنج من النيران ".

الملاحظ عام 2019 أن عددا من المزارعين الفرنسيين الذين يعنون بمزارع الكروم اضطروا لأول مرة بسبب حرائق الغابات إلى قطع الأشجار المحيطة بها خوفا من النار. واضطُروا إلى ذلك اضطرارا وهم يعلمون جيدا فوائد إحاطة مزارع الكروم من الأشجار التي تحميها من الرياح العاتية وتساعدها على الحد من درجات الحرارة القصوى.

الممتلكات الخاصة لم تسلم من حرائق الغابات في البرتغال


الجيش الروسي في سيبيريا لإطفاء الحرائق

من أهم الحرائق التي اندلعت في أوروبا في عام 2019 تلك التي شبت في غابات سيبيريا وأتت على مساحة تعادل مساحة بلد مثل بلجيكا. هذه الحرائق غير المعهودة أظهرت بدورها أن الآلية التي كانت روسيا قد وضعتها حتى الآن لمواجهتها تجاوزها الزمن. وهذا ما دفع بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أمر الجيش الروسي بالتدخل لمساعدة الإطفائيتين على تطويق هذه الحرائق التي ستكون انعكاساتها سلبية على البيئة كما يقول أندرييه ألاخْفَردوف المنتمي إلى منظمة فرع منظمة " غريبيس" الروسي: " هذه الحرائق الضحمة تسرع التغير المناخي. ويتم ذلك عبر توليد انبعاثات كربونية إضافية وإتلاف الغابة على نحو يحول دونها ودون امتصاص ثاني أكسيد الكربون. يتأتى ذلك أيضا عبر دخان الحرائق الأسود الذي يصعد إلى السماء وتذروه الرياح في عدة مناطق أخرى بما فيها منطقة القطب الشمالي. هذا الدخان يشكل غشاوة سوداء تمنع الثلج المتجمد من إعادة أشعة الشمس إلى الفضاء وترفع بالتالي حرارته وتذيبه في نهاية المطاف".

سلوكيات غير مسؤولة
يقول الباحثون المتخصصون في الثروة النباتية وفي المناخ إن التقلبات المناخية ستسهم في المستقبل في احتداد ظاهرة حرائق الغابات لاسيما إذا لم يتحرك المتوسطيون والأوروبيون   والأستراليون وسكان القارة الأمريكية وبالتحديد في كندا والولايات المتحدة الأمريكية بشكل حاسم وجاد وأفضل مما كان عليه الأمر حتى الآن للحد من العوامل الأخرى التي تتسبب في الحرائق والتي لديها علاقة بتصرفات الإنسان وأنشطته. فقد لوحظ مثلا أن إقبال السياح المحليين أو الأجانب بكثافة على زيارة المناطق التي تغطيها الغابات في فصلي الصيف والخريف ترافقها تصرفات غير مسئولة من شأنها مساعدة النار على الاندلاع بسرعة في هذه المناطق ومنها على سبيل المثال الرمي بنفايات السجائر قبل التأكد من خلوها من النار على قارعة الطريق أو تحت الأشجار. ومن هذه التصرفات أيضا تلك التي يعمد من خلالها المصطافون إلى الإلقاء بقوارير زجاجية في الغابة وبخاصة بقايا هذه القوارير التي تُعَدُّ فعلا قنابل موقوتة. بل يكفي أن ترتفع درجات الحرارة بشكل غير معهود -وهو أمر أصبح يتكرر بسبب ظاهرة التقلبات المناخية-حتى تندلع حرائق الغابات.

ولوحظ أيضا أن كثيرا من المزارعين أو مربي الحيوانات أو أصحاب الشركات العقارية يتعمدون إشعال النار في الغابات حتى يتسنى لهم الحصول على أماكن تستخدم للزراعة أو لرعي الماشية أو لإقامة شقق ومنازل فخمة يشتريها الأثرياء أو يؤجرونها   لاسيما خلال فصل الصيف وبخاصة في المناطق الساحلية أو في الجزر. وهو ما يحصل مثلا بشكل منتظم في جزيرة كورسيكا الفرنسية وفي عدد من الجزر اليونانية.

يجمع خبراء الثروة النباتية والمناخ اليوم على ضرورة بذل كل الجهود لتجنب حرائق الغابات لأسباب كثيرة منها أن الغابة تعد خزانا للتنوع الحيوي. ففي الغابات المتوسطية مثلا قرابة خمسة وعشرين ألف نوع من الأزهار أي زهاء عشرة بالمائة من الأزهار البرية التي تم التعرف إليها اليوم في العالم برغم أن مساحة الغابات المتوسطية لا تتجاوز واحدا فاصل ستة بالمائة من سطح الكرة الأرضية. بل إن ثلثي الحيوانات والنباتات البرية الموجودة في منطقة المتوسط تعيش في الغابة.

كنوز الغابات التي لا تحصى
وثمة اليوم قناعة لدى العلماء والباحثين بأن الغابات تشكل فعلا رئة الكرة الأرضية. ولولاها لتحولت ظاهرة الاحتباس الحراري منذ فترة طويلة إلى كارثة ذات عواقب وخيمة على الإنسان بشكل أسوء بكثير مما هي عليه الحال اليوم. فالغابة تمتص ثاني أكسيد الكربون. وقد أثبتت تجارب عديدة أن كل هكتار واحد مغطى بالغابة يمتص لوحده خمسة أطنان من ثاني أكسيد الكربون وأن أشجار الغابات تضطلع بدور هام في حبس كثير من الانبعاثات الغازية التي تتسبب في ظاهرة أخرى هي تشقق سحابة الأوزون التي تحيط بالكرة الأرضية وتسهم في حمايتها من مخاطر أشعة الشمس فوق البنفسجية.

وإذا كانت الغابات خزانا للتنوع الحيوي فهي أيضا وسيلة ناجعة لمقاومة التصحر والحد من ظاهرة التقلبات المناخية. فأشجار الغابات تساعد على جلب الأمطار وحماية المزروعات المحيطة بها من مخاطر الزوابع. وجذور الأشجار تسهم في تنقية مياه الأمطار من الشوائب العالقة بها ومن ثم فإنها تقوم بدور فعال في الحفاظ على مياه سليمة داخل جوف الأرض. زد على ذلك أن جذور أشجار الغابات تلعب دورا إيجابيا كبيرا في الحفاظ على التربة من التآكل والانجراف والانزلاق.

ولا ننس أن الحفاظ على الغابات من الحرائق يساعد أيضا على الحفاظ على النشاط الاقتصادي لاسيما في المنطقة المتوسطية حيث تعد الغابة جزءا من الإطار الحياتي اليومي بالنسبة إلى كثير من سكان القرى والأرياف.
 

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.