تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

كيف تتحول قمم المناخ من "ظاهرة صوتية " إلى واجهة للمبادرات الملموسة؟

سمعي
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رويترز)

لماذا أصرّ أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على دعوة رؤساء الدول والحكومات للمشاركة في قمة عالمية حول الملفات التي لديها علاقة بالتغير المناخي يوم الثالث والعشرين من شهر سبتمبر –أيلول عام 2019؟ من شارك في هذه القمة؟ ولماذا تحولت القمة إلى جدل مباشر أو غير مباشر بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعدة أطراف أخرى منها الناشطة السويدية الشابة غريتا ثامبرغ والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو وبولونيا أو بولندا؟ كيف تبدو حصيلة هذه القمة مقارنة بالقمم التي سبقتها؟

إعلان

الحقيقة أن حرص أنطونيو غوتيريش أمين عام الأمم المتحدة على دعوة رؤساء الدول والحكومات للمشاركة في قمة مخصصة لملفات التغير المناخي وسبل الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاساتها السلبية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية يوم الثالث والعشرين من شهر سبتمبر-أيلول عام 2019 يعزى إلى عدة أسباب واعتبارات منها التي يمكن حصرها في النقاط التالية:


-أولا: أن هذه القمة عُقدت عشية افتتاح مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الرابعة والسبيعين.وكان غوتيريش يرى أن هذه المناسبة إطار جيد للحديث عن قضايا ملحة لديها علاقة بالتغير المناخي. فالجمعية العامة يُدعى لها عادة قادة كل البلدان الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة. وملفات التغير المناخي وانعكاساته أصبحت قضية عالمية تُلزم الأسرة الدولية كلها بموجب اتفاق باريس الذي تم التوصل إليه في نهاية عام 2015.

هذا إذن أحد الأسباب المهمة التي فرضت على أمين عام الأمم المتحدة الدعوة لقمة حول المناخ عشية افتتاح مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة.


-ثانيا: أن القمة عقدت في وقت كانت فيه حرائق الغابات مستمرة بشكل غير معهود في عدة مناطق من العالم من أهمها المنطقة التي تمتد فوقها غابة الأمازون التي تتقاسمها عدة بلدان من أهمها البرازيل. ونظرا لأهمية هذه الغابات في امتصاص جزء كبير من الانبعاثات الحرارية وفي الحفاظ على التنوع الحيوي، فإنه كان لابد من التحرك لتقديم مساعدات مالية للبلدان التي اشتعلت فيها مثل هذه الحرائق.

-ثالثا: أن الخلاصة التي خرجت بها الأمم المتحدة التي ترعى المفاوضات المتعددة الأطراف حول المناخ هي أن قادة البلدان الصناعية بشكل خاص يتحدثون عن التغير المناخي أكثر مما يتحركون لمحاولة معالجة المشاكل التي يطرحها وأن التزامات هذه البلدان للحد من الانبعاثات الحرارية دون المستوى المطلوب. وبالتالي فإن أمين عام الأمم المتحدة أراد انطلاقا من الدراسات العلمية أن يقول لهؤلاء القادة إنه لابد من مضاعفة الجهود التي تقوم بها بلدانهم بخمس مرات على ما هي عليه اليوم  حتى يتسنى الحد من الكوارث المتعددة التي تتسبب فيها ظاهرة الاحترار المناخي .

الشابة غريتا: كابوس صناع القرارات السياسية والاقتصادية

في قمة المناخ التي عقدت في نيويورك على هامش مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الرابعة والسبعين، كان أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حريصا على دعوة الشابة السويدية غريتا ثامبرغ لإلقاء كلمة أمام المشاركين في القمة. ولكن لماذا هذا الحرص؟ الملاحظ أن هذه الشابة استطاعت أن تفرض نفسها في أقل من سنتين اثنتين باعتبارها سفيرة الشباب لدى أصحاب القرارات السياسية والاقتصادية في ما يخص مطالبهم البيئية وضمير شعوب العالم المتضررة أكثر من غيرها من انعكاسات التغير المناخي. بل إن هذه الشابة أصبحت بخطابها المباشر تزعج كثيرا قادة العالم وبخاصة قادة البلدان الصناعية الكبرى لأنها تذكرهم دوما بأنهم يتحدثون أكثر مما يفعلون وبأنهم يقترفون في نهاية المطاف جرائم بحق البيئة وحق الأجيال المقبلة من خلال الاستمرار في التعاطي مع التحدي المناخي على هذه الشاكلة.

والواقع أن غريتا ثامبرغ لم تغير لهجتها في قمة المناخ التي عقدت في نيويورك في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر –أيلول عام 2019 عن تلك التي دأبت على استخدامها في المنتديات الاقتصادية أو من على منابر البرلمانات التي دعيت إليها للحديث عن التغير المناخي.

 ولم يرتح لها كثير من قادة العالم منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لاسيما بعد أن لاحظ أن هذه الشابة قدمت مع شابات وشبان آخرين شكوى إلى الأمم المتحدة ضد مجموعة من البلدان منها فرنسا بسبب تقصيرها في حماية الأجيال المقبلة من انعكاسات التغير المناخي السلبية.

العصيان المدني سلاح ربما ذو حدين
وقد وقف الشباب إلى جانب غريتا ثامبرغ في دعواها هذه وفي لهجتها الحادة تجاه قادة العالم. بل إن منظمات شبابية وغير شبابية أهلية تُعنى بالمناخ أصبحت اليوم تدعو للعصيان المدني لحمل أصحاب القرارات السياسية والاقتصادية على اتخاذ إجراءات تساعد فعلا على الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاساتها السلبية. ولكن عددا من الناشطين في المنظمات الأهلية الفرنسية يرون أن هذه الطريقة سيتضرر منها الناس أنفسهم وبالتالي فإنها يمكن أن تتحول إلى سلاح ذي حدين. ولذلك فإنهم يسعون إلى اختيار طرق أفضل منها على سبيل المثال التظاهر بشكل سلمي وبوجه مكشوف لمساعدة رجال الأمن على القيام بمهامهم. هذا ما تلح عليه كامِيُّو الناشطة في جمعية فرنسية تقيم لفائدة الشباب دورات تدريبية في كيفية التظاهر بشكل سلمي. تقول هذه الناشطة:" طورنا عبر منظمتنا سبلا للتحرك منها تلك التي نتجنب فيها استخدام العنف. ونحن نقيم دورات تدريبية يستفيد منها الناشطون البيئيون تشدد على ضرورة عدم استخدام العنف الجسدي واللفظي والسيكولوجي. ونحن نقول إنه ليس لدينا أعداء بل خصوم نختلف معهم ونسعى إلى مخاطبتهم لإقناعهم بصواب طرحنا بشأن الملفات البيئية. وهؤلاء الخصوم تجسدهم الشركات المتعددة الجنسية أو الحكومات أو المؤسسات. وقلما يكون رجال الأمن أو موظفو البنوك خصومنا. وانطلاقا من الاستراتيجية التي وضعناها، نحن نحتج في الشوارع دون أن نضع أقنعة على وجوهنا. وهذا مهم بالنسبة إلينا لأن نتحمل مسؤولية التظاهر بلا أقنعة مما يسمح لأعمالنا بأن تكون شرعية ".

معارك ماكرون مع الرئيس البرازيلي وبولندا
لقد سعى الرئيس الفرنسي في قمة المناخ التي عقدت في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2019 إلى أن يكون دور فرنسا رياديا في قضايا المناخ. واهتدى إلى أنه ليس من مصلحته الدخول في جدل مع الشباب ومع الناشطة السويدية غريتا ثامبرغ. ولذلك فإنه دعا شباب فرنسا ليكونوا جزءا من التحركات الفعلية لمواجهة التحدي المناخي. وكان قد وصل إلى القمة وهو على خلاف مع الرئيس البرازيلي جايير بولوسونارو ففجر خلافا جديدا مع بولندا أو بولونيا لأنه انتقدها بسبب استمرارها في الاستثمار في الفحم الحرجي أشد مصادر الطاقة الأحفورية خطرا على البيئة.


وجاءت تصريحات المسؤولين البولنديين أو البولونيين تذكر الرئيس الفرنسي بأن فرنسا ليست من تلاميذ الاتحاد الأوروبي النجباء في مجال مواجهة التحدي المناخي.

مسؤولية الولايات المتحدة والصين الكبرى في مواجهة التحدي المناخي
وإذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد شارك في قمة المناخ هذه لمدة أربع عشرة دقيقة فقط، فإن الرئيس الأمريكي السابق بارك أوباما الذي شارك في أحد اجتماعات منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ ذكَّر بمسؤولية الولايات المتحدة والصين الكبرىفي معركة التحدي المناخي فقال: " نحن نرغب في أن يزدهر الاقتصاد الصيني لأن في ذلك مصلحة بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبقية العالم. ونحن نرغب أيضا في التعاون مع الصين في ما يخص سلسلة من الرهانات والفرص المشتركة منها مثلا مكافحة وباء الإيبولا والحد من الانتشار النووي وتعزيز الشراكة بشأن مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة. والحقيقة أن البلدين اللذين يقودان الاقتصاد العالمي واللذين يتصدران بلدان العالم في مجال تلويث الكرة الأرضية عبر الانبعاثات الحرارية لديهما مسؤولية خاصة في ما يتعلق بمعركة التغير المناخي. وإذا عمِلت الصين والولايات المتحدة الأمريكية معا فإن العالم سيستفيد من وراء ذلك".


ودعا باراك أوباما الرئيس الأمريكي السابق الصين الشعبية والهند ودولا أخرى للمضي قدما في التخلص من الاعتماد على الفحم الحجري. والواقع أن الصين الشعبية والهند لم تنتهزا قمة المناخ التي عقدت في نيويورك للإعلان عن التزامات جديدة بشأن الحد من الانبعاثات الحرارية.

 وإذا كان الرئيس الروسي فلاديميربوتين قد انتهز عقد هذه القمة ليعلن أن بلاده قررت المصادقة على اتفاق باريس، فإن حصيلتها   جاءت مخيبة للآمال حسب المنظمات الأهلية التي تعنى بالبيئة. وهي تستشهد في ذلك بكلمة أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عند اختتامها. فقد قال غوتيريش مخاطبا قادة العالم من الذين حضورا القمة والذين يقل عددهم عن نصف قادة البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة:" دعوتكم لهذه القمة لمعاينة الأفعال لا للاستماع إلى أشياء مبتذلة" في إلى إشارة إلى خطاباتهم المجترة التي دأب عليها كثير من القادة. وأضاف أمين عام الأمم المتحدة فقال: "أشكركم على ما فعلتم "، في إشارة ضمنية إلى هذه الخطابات الجوفاء في كثير منها.












 

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.