تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

د. عبد العظيم الحافي: نزرع الأشجار في الحقول المغربية والمناطق الحضرية، والمقاربةُ الزجريةُ في التعاطي السيئ مع الغابات ليست مُجدية

سمعي
د. الحافي يشرح استراتيجية المملكة المغربية الاستباقية في مواجهة التغير المناخي عبر أشجار تثبت أمام الحرارة والجفاف والملوحة
د. الحافي يشرح استراتيجية المملكة المغربية الاستباقية في مواجهة التغير المناخي عبر أشجار تثبت أمام الحرارة والجفاف والملوحة © / مونت كارلو الدولية

يُعَدَّ الدكتور عبد العظيم الحافي من خيرة الخبراء العرب المتخصصين في سبل تعزيز التنمية المحلية في المناطق المكسوة بالغابات. ويدل على ذلك على سبيل المثال اختياره لإدارة المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر في المملكة المغربية منذ عام 2000. وما يؤكد الصورة الجيدة التي يحظى بها هذا الخبير المغربي في مجال التنمية المستدامة التي لها علاقة بشكل مباشر بالغابات أنه كان ضمن الشخصيات الأساسية في الطاقم المغربي الذي ساهم إلى حد كبير في الإعداد مع منظمة الأمم المتحدة للمؤتمر الدولي السنوي حول المناخ" كوب 22" وفي الإشراف على تنظيمه وإنجاحه. وقد انعقد هذا المؤتمر في مراكش من 7 إلى 18 نوفمبر-تشرين الثاني عام 2016. ومن الأمثلة الأخرى التي تؤكد أهمية الخبرات التي اكتسبها الدكتور الحافي في مجال تنمية الثروات الغابية واستغلالها استغلالا رشيدا في إطار التنمية المستدامة، انتخابه عام 2016 لمدة أربع سنوات على رأس مرصد الساحل والصحراء الذي يتخذ من تونس مقرا له.

إعلان

"مونت كارلو الدولية" استهلت الحديث المطول الذي أجرته مع الدكتور عبد العظيم الحافي بطرح سؤال عليه يتعلق بمدى استفادة البلدان العربية الأعضاء في هذا المرصد وبما قدمته إلى البلدان الأعضاء الأخرى في مجال الحفاظ على الموارد الطبيعية واستغلالها استغلالا رشيدا طوال الفترة التي تولى خلالها رئاسة هذه المنظمة الحكومية الدولية. وقد حرص الدكتور الحافي على التذكير بالأهداف التي أنشئ من أجلها المرصد في بداية الرد على هذا السؤال فقال إن ذلك يتمثل أساسا في " تقوية كل المعارف المتصلة بالثروات والموارد الطبيعية" بشكل خاص و" بالموارد المائية والأرض والغطاء النباتي بصفة عامة". كما يهدف المرصد بالنسبة إلى بلدان شمال الصحراء الإفريقية وجنوبها إلى " إنشاء الأدوات " التي يمكن استخدامها " لصياغة السياسات التنموية العمومية". ومن ثم فإنه " جهاز استشاري " وليس جهازا تنفيذيا".


أما الاستفادة من المرصد من قِبل البلدان العربية الأعضاء فيه والبلدان الأخرى خلال السنوات الممتدة بين عام 1916 وعام 2020، فإنها تـأَتَّت على أكثر من صعيد لاسيما في ما يخص مسائل لديها علاقة بإدارة المياه العابرة للحدود والمياه المطرية و سبل الحفاظ على المناطق الرطبة وتدهور أتربة الأراضي الزراعية وأراضي المراعي وما يسمى " الهجرة الإيكولوجية" أي هجرة كائنات حيوانية ونباتية من مواطنها الأصلية إلى مواطن جديدة بسبب ظاهرة التغير المناخي.  


ويرى الدكتور عبد العظيم الحافي أن المؤسسات التي تعنى بالتنمية المستدامة في المناطق المكسوة جزئيا أو بشكل شبه كلي بالغابات بدأت فعلا تأخذ في الحسبان استنتاجات التقارير الدورية التي تصدرها اللجنة الدولية التي تُعنى بالتغيرات المناخية والتي تخلص في غالبيتها إلى أن التغير المناخي لديه انعكاسات سلبية في كثير من الأحيان على خارطة المزروعات والغطاء النباتي والغابات في عدة مناطق منها المنطقة العربية.

استراتيجية استباقية مغربية للتكيف مع ظاهرة الاحترار المناخي
إلى أي حد تستثمر المملكة المغربية اليوم في منظومة غابية منتجة من جهة وقادرة من جهة أخرى على الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع فترات الجفاف الطويلة والثبات بشكل أفضل مع مشكلة الحرائق؟ يلاحظ الدكتور الحافي وهو يرد على السؤال أن تقارير هذه اللجنة تضع المنطقتين المتوسطية والعربية ضمن المناطق المعرضة أكثر من غيرها لانعكاسات التغير المناخي السلبية. ومن هذه الانعكاسات مثلا " تراجع تساقط الأمطار بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة " والاختلال الحاصل على مستوى التوزيعين "الجغرافي والزمني" في هذه العملية. فبإمكان هذه السنة أو تلك أن تبدأ " بفيضانات وأن تنتهي بفترة جفاف".
 ويُذَكِّر الدكتور الحافي بأن جزءا كبيرا من " الاستراتيجية الاستباقية " التي أعدتها المملكة المغربية في ما يخص الظواهر المناخية القصوى التي ستكون أحد انعكاسات التغير المناخي الأساسية في المنطقة المتوسطية فيها عدة أولويات منها أساسا تلك التي تخص الأحواض المائية والغابات. أما بشأن النقطة الأولى، فإن المندوب السامي للغابات والمياه ومحاربة التصحر يوضح أن السلطات المغربية توصلت حتى الآن إلى تثبيت قرابة 150 ألف هكتار من بين مليون وخمس مائة ألف هكتار من الأحواض المائية التي " تتطلب المعالجة الاستعجالية". وأما في ما يتعلق بثروة الغابات المغربية، فإن هذه الاستراتيجية نجحت في تطويق مشكلة الحرائق الغابية وتعمل جاهدة اليوم على اختيار أصناف شجرية قادرة على الثبات أمام الظواهر المناخية القصوى ولاسيما فترات الجفاف التي تطول أكثر من اللزوم   وارتفاع درجات الحرارة بشكل غير معهود. وهذه الغابات التي بدأ المغرب يُهيئ لها اليوم عبر مِثْلِ هذه الأشجار ستكون غابات المغرب في نهاية القرن الحادي والعشرين.


 الدور المغربي في حصاد "كوب 22" الإفريقي
 والملاحظ أن المملكة المغربية سعت خلال قمة مؤتمر المناخ السنوي في دورته الثانية والعشرين والتي انعقدت في مدينة مراكش عام 2016 إلى أن تكون بحق همزة وصل بين الأسرة الدولية من جهة وبلدان القارة الإفريقية المتضررة كثيرا من انعكاسات التغير المناخي من جهة أخرى. كيف تبدو حصيلة هذا المسعى قبل انعقاد مؤتمر المناخ العالمي في دورته السادسة والعشرين في مدينة غلاسكو بإسكتلندا بين 9 و19 نوفمبر –تشرين الثاني عام 2020؟  يقول الدكتور عبد العظم الحافي المندوب السامي للغابات والمياه ومحاربة التصحر إن الملك المغربي محمدا السادس حرص على توجيه الدعوة إلى رؤساء الدول والحكومات في الدول الإفريقية لعقد لقاء على أعلى المستويات بموازاة مؤتمر المناخ العالمي في دورته الثانية والعشرين بهدف "وضع خارطة طريق " تسمح بكسب التحديات المطروحة أمام القارة الإفريقية جراء التغير المناخي وانعكاساته.

وحول مخرجات هذا اللقاء السياسي على مستوى عال بموازاة فعاليات مؤتمر " كوب 22"، يتوقف الدكتور الحافي عند ثلاثة ويعتبرها أساسية في استراتيجية الحد من الانبعاثات الحرارية والتكيف مع انعكاساتها بالنسبة إلى القارة الإفريقية، وهي تعزيز مكانة مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة والمبادرة الثلاثية لتعزيز الاستقرار والأمن والاستدامة بهدف مواجهة الهجرة الناجمة عن التدهور البيئي والتغير المناخي، ومبادرة الحزام الأخضر الكبير الذي يشق وسط القارة الإفريقية من الغرب إلى الشرق.

بموازاة ذلك أطلقت عدة مبادرات أخرى في مراكش في نوفمبر –تشرين الثاني عام 2016 بينها إنشاء لجنة تُعنى بإشكاليات حوض الكونغو ولجنة أخرى تهتم بمشاكل التصحر وسبل معالجتها. ويرى الدكتور الحافي أن اللجنة حول حوض الكنغو " تعمل فعلا بجدية لوضع تصور ميداني بالنسبة إلى معالجة الإشكاليات " المطروحة بشأن هذا الحوض بينما " مول المغرب الدراسات الأولية التي وضعتها اللجنة التي تُعنى بالتصحر والتي عُهد في رئاستها إلى النيجر. وتتعلق هذه الدراسات بشكل أساسي بسبل مواجهة تدهور الأراضي في المناطق التي يُحدِق بها خطر التصحر. وما يؤكد جدية ما قامت به هذه اللجنة "أن خرائط الطريق التي أعدتها تم اعتمادها من قبل الصندوق الأخضر" التابع للأمم المتحدة والذي يُعنى بمساعدة البلدان الفقيرة النامية على التكيف مع انعكاسات التغير المناخي السلبية.

ويخلص الدكتور الحافي في ما يتعلق بحصاد مؤتمر " كوب 22" الذي عقد في المغرب عام 2016 إلى أنه كان من الضروري وضع القارة الإفريقية في اهتمامات المغرب الأساسية بعد أن تقرر عقد المؤتمر في مدينة مغربية هي مراكش وذلك لعدة أسباب منها ثلاثة وهي أولا: أن التعاون مع البلدان الإفريقية في مجال التنمية المستدامة أولية مغربية، ثانيا: أن القارة الإفريقية في صدارة القارات التي تطالها انعكاسات التغير المناخي السلبية، ثالثا: أن هذه القارة ليست لديها مسؤولية تاريخية على عكس قارات أخرى " في الانبعاثات الحرارية".


أشجار في الحقول والمناطق الحضرية وشبه الحضرية
وقد سألت "مونت كارلو الدولية" المندوب السامي للغابات والمياه ومحاربة التصحر في المملكة المغربية عن مساهمة المندوبية في تعزيز منظومة ما يسمى " الغابات الحضرية أو شبه الحضرية، فقال إن المصطلح حديث وبالتالي فإن القطاع الذي يشمله لم يكن من قبل محل اهتمام كبير من قبل الأجهزة الحكومية المغربية نظرا لأن الفضاء الذي يعنيه المصطلح " ليس غابة محضة ولا هو أيضا منطقة خضراء محضة". ومع ذلك فإن المندوبية السامية للغابات والمياه ومحاربة التصحر " أخذت على عاتقها هذا الموضوع ووضعت استراتيجية للعناية تقريبا بـ 62 ألف هكتار مكسوة بالغابات الحضرية وشبه الحضرية بما في ذلك الأحزمة الخضراء" المحيطة بالمدن.

ويُقرُّ المندوب السامي للغابات والمياه ومحاربة التصحر في المملكة المغربية بأن عمل المندوبية في هذا الصدد آتى أكله على أكثر من صعيد وسمح بتحقيق عدة أهداف منها حماية المدن من زحف الرمال والمساعدة على تكييف هواء المدن وتعزيز مواضع الاستجمام فيها وتحويل الغابات الحضرية أو شبه الحضرية إلى مراكز للتوعية والتربية في مجال البيئة والتنمية المستدامة.
ومن المواضيع الأخرى المهمة التي سألت "مونت كارلو الدولية" بشأنها الدكتور عبد العظيم الحافي ذلك الذي يتعلق بما يعرف اليوم " بالزراعة الحرجيَّة " أي الزراعة التي تلعب فيها الأشجار أدورا متعددة تساعد على رفع الإنتاج والإنتاجية وعلى الحفاظ في الوقت ذاته على التنوع الحيوي. وكان مستخدمو نمط الزراعة المكثفة يرون في الشجرة منافسا للأنشطة الزراعية التي يمارسونها في المساحات الشاسعة. ولكن مفهوم الزراعة الحرجية أصبح اليوم يفرض نفسه شيئا فشيئا في مختلف مناطق العالم نظرا لفوائده المتعددة. فكيف تهتم المندوبية السامية للغابات والمياه ومحاربة التصحر بهذا الملف؟

المندوب السامي للغابات والمياه ومحاربة التصحر في أحد اللقاءات المخصصة لتوعية الناشئة بأهمية الحفاظ على الشجرة
المندوب السامي للغابات والمياه ومحاربة التصحر في أحد اللقاءات المخصصة لتوعية الناشئة بأهمية الحفاظ على الشجرة © / مونت كارلو الدولية


يقول الدكتور الحافي إن المندوبية السامية للغابات والمياه ومحاربة التصحر اضطلعت بدور مهم في غرس ما يفوق سنويا 50 مليون شجرة لتعزيز منظومة " الزراعة الحرجية" وذلك عبر مساعدات وحوافز تُقدم إلى المزارعين وتساعدهم على تحسين مداخيلهم وعلى تحسين نوعية أتربة الأراضي الزراعية.

علاقة تعاقدية للحد من المخاطر التي تهدد شجرة الأرز المغربية
كيف تتعامل المندوبية السامية للغابات والمياه ومحاربة التصحر في المغرب مع مشكلة الضغوط الممارسة على شجرة الأرز في صناعة الخشب المتخصصة في منتجات الأثاث المنزلي ومع مشكلة استخدام أشجار الغابات المغربية في مجال التدفئة وتشغيل الأفران بمختلف أنواعها؟ يؤكد الدكتور عبد العظيم الحافي أن من المقاربات التي ساعدت المندوبية السامية للغابات والمياه ومحاربة التصحر على وضعها تلك التي تهدف إلى التصدي لانحسار مساحات الغابات التي تشكل فيها شجرة الأرز الأساس. ومن أهم المخاطر التي كانت تهدد إلى فترة غير بعيدة هذه الشجرة في المملكة المغربية قَطعُها لاستخدام خشبها الراقي والصلب في أغراض كثيرة لديها علاقة بالتراث المعماري وقطُعها أيضا بهدف استخدامها كحطب وقود للتدفئة أو لطهو الطعام. وكانت المقاربة السابقة المستخدمة في الحد من هذه المخاطر تقوم على الزجر والتوعية. ولكن التجربة أثبت، حسب الدكتور الحافي، فشلَ هذه المقاربة بدليل " أن أكثر من 30 ألف محضر ضد المخالفين كانت تُوَجَّه إلى المحاكم ولكن مردودية العملية شبه منعدمة". ويضيف الدكتور الحافي في هذا الشأن قائلا إن سكان مناطق الغابات بشكل عام وتلك التي تنتشر فيها شجرة الأرز على وجه الخصوص كانوا من قبلُ مقتنعين بضرورة " الحفاظ على هذه الشجرة"، ولكنهم ظلوا يقطعونها بهدف التدفئة على سبيل المثال، عندما تتساقط الثلوج وتنزل درجات الحرارة إلى حدود دنيا في ظل غياب حلول بديلة. وهذا ما دفع بالسلطات المغربية في السنوات العشر الأخيرة إلى استنباط طرق ناجعة لتطويق المشكلة على نحو تستفيد منه كل الأطراف وفي صدارتها الثروة الغابية. وفي هذا السياق ساعدت المندوبية السامية للغابات والمياه ومحاربة التصحر على استنباط أفْرِنَه مُحَسَّنة تستخدم " الخشب وقودا ولكن تقتصد في استخدامه بنسبة تتراوح بين 60 و70 في المائة". ومن ثم فإن الفرق يبدو كبيرا بين تحقيق غرض ما عبر أفران تقليدية كان تزويدها بالحطب يتطلب كمية تقدر مثلا بمائة كلغ وأفران محسنة لا تحتاج إلا إلى 30 كلغ لتحقيق الغرض ذاته.

ويعتبر الدكتور عبد العظيم الحافي في ما يتعلق بالأفق الجديد الذي فتحته الأفران المحسنة أمام سكان المناطق الغابية ولاسيما تلك التي تنبت فيها شجرة الأرز أن المقاربة الجديدة التي كان للمندوبية السامية للغابات والمياه ومحاربة التصحر دور مهم في إرسائها لإيجاد علاقة جديدة بين الساكنة والغابة سمحت بتوفير جزء لابأس به من " الموارد الطبيعية وتخفيف العبء عن النساء" اللواتي كُن يتعبن كثيرا ويَقضين وقتا طويلا في جمع الحطب وحمله. أما " العملية الزجرية فإنه أُبقي عليها بالنسبة إلى المخالفين الكبار الذين يتاجرون بهذه المواد".

ويلح الدكتور الحافي كثيرا على أهمية العلاقة التعاقدية التي سعت المندوبية السامية للغابات والمياه ومحاربة التصحر إلى إقامتها مع ساكنة الغابة وعلى فوائدها. وهو مثلا حال أولئك الذين يقيمون في الأطلس المتوسط حيث تم إنشاء " ما يفوق عن 100 جمعية وتعاونية" نجحت في إقناع السكان بضرورة تقاسم مسؤولية الحفاظ على الثروة الغابية واستغلالها لفائدة التنمية المحلية المستدامة أي تلك التي تُراعى فيها الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية من جهة والاعتبارات البيئية من جهة أخرى في إطار " تعايش سلمي".


د.الحافي في تظاهرة مخصصة لتوزيع أفران مُحَسَّنة غير مسرفة في استهلاك خشب الغابات
د.الحافي في تظاهرة مخصصة لتوزيع أفران مُحَسَّنة غير مسرفة في استهلاك خشب الغابات © / مونت كارلو الدولية





 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.