تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

كيف تتكيف سلسلة جبال الألب الأوروبية مع انعكاسات التغير المناخي؟

سمعي
إيمانويل ماكرون يُطل على أحد الأنهار المتجمدة  قرب الجبل الأبيض
إيمانويل ماكرون يُطل على أحد الأنهار المتجمدة قرب الجبل الأبيض © ( أ ف ب)
15 دقائق

خلال الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي يومي 12 و13 فبراير-شباط عام 2020 إلى بعض الأماكن القريبة من الجبل الأبيض التابع لسلسلة جبال الألب والذي هو أعلى قمة جبلية في أوروبا، شدد إيمانويل ماكرون على ضرورة أن تسارع فرنسا إلى البدء في ما وصفه معركة " القرن " في إشارة إلى أمرين اثنين هما انعكاسات التغير المناخي السلبية على العالم كله بشكل عام وانعكاسات ذوبان ثلوج سلسلة جبال الألب المتجمدة على سكانها بشكل خاص. 

إعلان

لقد حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على شرح أبعاد هذه المعركة فقال بعد أن قام بجولة داخل كهف أقيم داخل أحد الأنهار المتجمدة الواقعة غير بعيد عن الجبل الأبيض:"كنا نمشي فوقَ الجليد المتجمد ونحن نخشى من أن يختفيَ تحت أقدامِنا. كنا نمشي فوقَه ولدينا إحساس بأن وضعَنا الخاصَّ هش لاسيما وأننا كنا نظن قبل عقود خلت أن هذه المناظرَ في سلسلة جبال الألب لا تَمَّحي. ومع ذلك فإني أخلُص اليوم إلى استنتاج فيه تفاؤل بالمستقبَل بعد أن استمعتُ إل باحثينا وإلى الذين يغامرون بحياتهم لبلوغ أماكنَ يَصعبُ الوصولُ إليها في هذه السلسلة الجبلية".

ومضى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يقول وهو يشرح أهمية المشاركة في المعركة العالمية لمواجهة انعكاسات التغير المناخي لاسيما على المناطق التي تؤوي كتلا وأنهارا جليدية متجمدة: "لم يقل لي أحد إِن معركَتنا معركة خاسرة للتكيف مع انعكاسات التغير المُناخي في سلسلة جبال الألب. صحيح أننا تأخرنا أكثرَ من اللزوم في التحرك وأنه علينا إقناعُ البعض الذي لم يقتنعْ بَعْدُ بصوابِ هذه المعركة. إني سأذهب أبعدَ من ذلك وأقولُ إن هذه المعركة َمعركة مصيرية بالنسبة إلى الإنسانيةِ جمعاء. إنها معركة تُقاد عبر الابتكارات. إنها معركتُنا الداخلية في ضمائرنا تدلنا على هشاشتِنا وتجعلنا نهتدي إلى أنها معركةُ القرن التي سنؤكد عبرَها على قدرتنا على صياغة طرق جديدة في التعاملِ مع الحياة بشكل مُستدام. أظن أننا قادرون على كسب معركة القرن هذه. وقد قررنا كسبَها في بلادنا رغم أنها تجعلنا نَفقِد صبْرَنا وتفرض علينا أن نكونَ حازمين وأن نتحركَ بسرعة."


وبصرف النظر عما إذا كان الرئيس الفرنسي جادا في إبراز أهمية البدء في هذه المعركة أو عما إذا كان الإعلان عنها وهو موجود قرب الجبل الأبيض يندرج في إطار الترويج لصورته باعتباره رئيسا يُعنى بقضية ذوبان جليد الجبال المتجمد بفعل التغير المناخي، فإن هذه المعركة أصبحت تفرض نفسها اليوم أكثر فأكثر على كل البلدان الأوروبية الثمانية التي تشقها سلسلة جبال الألب وهي إيطاليا وليشتنشتاين وإمارة موناكو وسلوفينيا وفرنسا وسويسرا والنمسا وألمانيا.

ذوبان الثلج المتجمد في جبال الألب بسبب التغير المناخي بدأ منذ عقود 

ومن أهم الأسئلة التي تُطرح اليوم في سويسرا والنمسا وإيطاليا وفرنسا السؤال التالي: كيف يمكن التكيف اقتصاديا مع ذوبان جليد سلسلة جبال الألب بسبب التغير المناخي لاسيما وأن جزء ا كبيرا من الأنشطة الاقتصادية التي تمت تنميتها في مناطق هذه السلسلة الجبلية تُركز منذ أكثر من نصف قرن على قطاع سياحة التزلج على الثلوج وتسلق الجبال الشاهقة؟ الحقيقة أن كل الدراسات التي أجراها الباحثون المتخصصون في المسائل المتصلة بالتغير المناخي دعا وضعوها لإعداد استراتيجيات تنموية جديدة تتعلق بسلسلة جبال الألب ورأوا أن ذلك أمر عاجل بعد أن تسارعت وتيرة ذوبان الجليد المتجمد في قمم هذه السلسلة. وهذا ما تلح عليه مثلا الدكتورة فلورانس ماغنان الباحثة في علم الجليد بجامعة الجبل الأبيض الواقعة في مدينة شامبيري الفرنسية. بل إنها تقول بشأن علاقة التغير المناخي بسلسلة جبال الألب:" سنسجل ارتفاعا محتملا في المستقبل في ما يخص انعدامَ توازن النُّظم البيئية في مرتفعات سلسلة جبال الألب وذلك بسبب ذوبان كُثبان الثلوج المتجمدة. بل إن وتيرةَ الذوبان أصبحت أسرعَ في الصيف مما كانت عليه من قبلُ. وعندما ترتفع درجاتُ الحرارة أكثرَ من اللزوم في الصيف في حالات القيظ، نجد أنفسَنا أمام ظاهرتين اثنتين متزامنتين: ارتفاعِ وتيرة ذوبان كُثبان الثلوج المتجمدة وارتفاعِ حجم كميات المياه التي تذوب".

التزلج على الثلج نشاط يهدده التغير المناخي في سلسلة جبال الألب الأوروبية
التزلج على الثلج نشاط يهدده التغير المناخي في سلسلة جبال الألب الأوروبية © ( أ ف ب)


وترى الباحثة الفرنسية المتخصصة في علم الجليد فلورانس ماغنان أنه من الصعب جدا على فرنسا بمفردها أو على أي بلد آخر من تلك التي تشقها سلسلة جبال الألب وضع برامج بحثية أو علمية على المستوى الوطني تهدف إلى التعرف بشكل أفضل إلى الطريقة التي أصبح الجليد المتجمد يذوب عبرها في هذه السلسة الجبلية بفعل التغير المناخي. بل تُذَكِّر هذه الباحثة بأن التغير المناخي ظاهرة عالمية وبأن المنهجية العلمية الأفضل بالنسبة إلى قياس أثر التغير المناخي في سلسلة جبال الألب وأثره الاقتصادي والاجتماعي عملية ينبغي أن تشارك فيها كل هذه الدول مجتمعة بالإضافة إلى الجهود المحلية. وتضرب مثل رجال الدين الذين يقيمون في أديرة قُدَّت في أعالي جبال الألب ومنهم مثلا الأب فريدريك الذي يتولى مثلا مراقبة السحب التي تمر في سماء الدير الذي يقيم فيه ويتعبد. يقول الأب فريدريك: "إني أرى الآن سحبا من فئة السحب الطبقية وأقدر ارتفاعها عن الأرض بمسافة تمتد بين ألفين وثماني مائة متر وألفين وتسع مائة متر. أنا هنا محظوظ لأني في مكان يسمح لي بمعرفة علو الضباب الذي أرصده ثلاث مرات في اليوم منذ أكثر من عشرين عاما. واليوم أهتدي بدون عناء إلى تحديد نوعية فئة السحب المقسمة عادة إلى ثلاثة أقسام هي السحب المنخفضة والسحب المتوسطة الارتفاع والسحب العالية. ومن ثم فإني لا أخطئ في تصنيف هذه السحابة أو تلك من السحب التي تمر فوق هذا المكان. ولا بأس من التذكير هنا بأن كاهنا آخر كان يقول في منتصف القرن التاسع عشر وبالتحديد في عام 1852 إن البحيرة التي تقع في سفح الجبل كانت تتجمد من منتصف أكتوبر إلى بداية شهر نوفمبر. أما اليوم فإنها تتجمد من بداية نوفمبر ونراها أحيانا وقد تجمدت في نهاية شهر يونيو".

حفظ ذاكرة جبال الألب في القارة القطبية الجنوبية

من الأمثلة الأخرى التي تدل على أهمية إقامة شراكات علمية إقليمية ودولية للاستفادة بشكل أو بآخر من المناطق المكسوة بالجليد المتجمد في سلسلة جبال الألب والتي يهددها ارتفاع درجات الحرارة أكثر من اللزوم بسبب التغير المناخي تجربة علمية رائدة كانت هذه السلسلة الجبلية مختبرا طبيعيا لها وأنجزها باحثون في علم الجليد من فرنسا وروسيا وإيطاليا ويمكن تلخيصها على النحو التالي: إنها تجربة تهدف إلى حفظ ذاكرة سلسلة جبال الألب في القارة القطبية الجنوبية. وتولى هؤلاء الباحثون اقتطاع   ثلاث عينات من الجليد المتجمد قرب " الجبل الأبيض" تزن أطنانا من الجليد المتجمد. واقتُلعت إحدى العينات الثلاث من باطن جليد " الجبل الأبيض " على عمق 140 مترا ووُضعت في مخبر علمي في مدينة غرونوبل الفرنسية يُعنى بالدراسات الجيوفيزيائية والجليد والبيئة. وبإمكان مختلف الباحثين اللجوء إليها لدراستها بشأن ذاكرة الجليد المتجمد في سلسلة جبال الألب. وأما العينتان الأخريان فإنهما وُضعتا في براد طبيعي يقع في أعماق جليد القارة القطبية الجنوبية للعودة إليهما وقت الحاجة بعد عشرات السنين أو بعد قرون. ويوجد هذا البراد في قاعدة علمية فرنسية إيطالية تقع في هذه القارة المتجمدة.
 

والحقيقة أن الحرص على القيام بهذا العمل يعزى إلى عدة عوامل وأسباب أهمها اثنان وهما احتداد ظاهرة التغيرات المناخية من جهة وقيمة الجليد المتجمد الذي يوجد في أعماق الجبال التي يغطيها من جهة أخرى. فذوبان هذا الجليد المتجمد يحصل اليوم بوتيرة متسارعة وغير معهودة بسبب ارتفاع درجات الحرارة. وفي حال إنقاذه عبر المحافظة على الأقل بشكل طبيعي على عينات منه في أعماق القطب الجنوبي، فإن ذلك سيسمح بمواصلة الدراسات عن مكونات الجو القريب من الأرض في زمن بعيد


تجربة جبال الهيملايا في التكيف مع التغير المناخي
 

وثمة اليوم قناعة لدى المختصين في علم الجليد الفرنسيين أن منظمات المجتمع الفرنسية التي ساعدت أو تساعد اليوم في الحفاظ على بيئة سلسلة جبال الهيملايا قادرة على المساهمة بنجاعة في مساعدة سلسلة جبال الألب وسكانها على التكيف مع انعكاسات التغير المناخي.


ومن هذه المنظمات الأهلية الفرنسية مثلا واحدة تسمى " جبل ومشاركة". وقد شاركت خلال ربيع عام 2017 في تنظيف بعض المواقع القريبة من مرتفع إفرست الذي يشكل أعلى قمة في سلسلة جبال الهيملايا. وينتمي إلى هذه المنظمة أفضل المتخصصين الفرنسيين في تسلق الجبال. وقد ساعد أفراد من هذه المنظمة الأهلية سلطات نيبال على جمع ما يقارب خمسة أطنان من النفايات التي يتركها متسلقو مرتفعات جبال الهيملايا قرب قمة إفرست لإعادة تدوير ما يمكن تدويره من هذه النفايات. وهو مثلا حال القوارير المصنوعة من البلاستيك والمعدات الأخرى المصنوعة من الفولاذ والتي يتركها عادة المتسلقون في أعالي مرتفعات جبال الهيملايا خلال عودتهم منها.

والواقع أن السلطات النيبالية اهتدت خلال السنوات الأخيرة إلى أن تكدس نفايات متسلقي جبال الهيملايا باتجاه قمة إفرست أصبح مشكلة كبرى بالنسبة إلى مستقبل قطاع السياحة الطبيعية في هذا البلد والذي يساهم في تشغيل 7,5   في المائة من اليد العاملة وفي ضمان قرابة عُشر ثروات البلاد. ومن ثم فإنها بدأت تحرص على اتخاذ إجراءات صارمة لردع مخالفي للقوانين المتصلة ببيئة جبال الهيملايا وعلى تنظيم حملات سنوية خلال فصل الربيع لتنظيف الأماكن التي يسعى بعض المتسلقين إلى تلويثها عبر الرمي فيها بنفاياتهم.

وقد لوحظ أن السلطات الصينية بدأت هي الأخرى تحذو حذو نيبال في إطار المساعي ذاتها تجاه الراغبين في الوصول إلى قمة افرست انطلاقا من هضبة التبت. وهذا ما جعلها تشارك مثلا خلال الشطر الأول من شهر مايو-أيار عام 2017 في حملة تنظيف سمحت بجمع قرابة أربعة أطنان من النفايات من المرتفعات القريبة من قمة إفرست، علما أن قرابة ستين ألف متسلق يصلون إلى هذه المرتفعات كل عام انطلاقا من هضبة التبت.

ومن أهم مطالب المنظمات الأهلية التي تُعنى بالتنمية المستدامة من حول سلسلة جبال الهيملايا إنشاءُ مجمع كبير مهمته تنسيق التعاون بين مختلف الدول التي تتقاسم ملكية هذه السلسة الجبلية في مجال الحفاظ عليها وتوظيفها لفائدة التنمية المحلية المستدامة.

والملاحظ أن سلسلة جبال الهيملايا تمتد على مسافة 600 ألف كلم مربع. ويبلغ طولها 2400 كلم بينما يتراوح عرضها بين 250 و4 مائة كلم. أما البلدان التي تتقاسم ملكيتها فهي الصين ونيبال وبورما والهند ومملكة بوتان وباكستان وأفغانستان.
 

بعض المقترحات الإيطالية لجعل اقتصاد جبال الألب يتكيف مع التغير المناخي

يدرك سكان قرية "بيو" الواقعة شمال إيطاليا الشرقي اليوم -شأنهم في ذلك شأن سكان عشرات القرى الإيطالية الأخرى التي كان اقتصادها قائما أساسا حتى الآن على التزلج على الثلوج-أن هذا النشاط ينحسر يوما بعد آخر بسبب عدم نزول الثلوج بشكل منتظم في فصلي الشتاء والربيع وتفاقم ظاهرة ذوبان الجليد المتجمد في مختلف أعالي جبال سلسلة جبال الألب التي تتقاسمها عدة بلدان منها إيطاليا كما ذكرنا من قبل. ولذلك فإن عددا من السكان يدعون اليوم لتحويل القرية إلى متحف تاريخي متخصص في ما يسمى " الحرب البيضاء ".

 وهذه الحرب جزء من معارك الحرب العالمية الأولى. وقد دارت رحاها على قمة أحد الجبال المحيطة بهذه البلدة الإيطالية بين القوت الإيطالية من جهة وقوات الإمبراطورية النمساوية المجرية. والغريب أن كثيرا من جنود هذه الحرب لم يُقتلوا بالسلاح بل بواسطة انهيارات ثلجية. وظلت أجسادهم محفوظة تحت الجليد المتجمد. ولكن تزايد ارتفاع درجات الحرارة ساهم في ذوبان هذا الجليد وفي الكشف حتى الآن عن قرابة أربعين جثة من جثث جنود " الحرب البيضاء". بل إن فرقا من المؤرخين أصبحت تزور البلدة بانتظام لفتح ذاكرة هذه الحرب من جديد عبر انعكاسات التغير المناخي.

وفي التشيلي أو الشيلي، كشف ذوبان الجليد المتجمد في عدة جبال كانت مكسوة من قَبلُ بالثلوج طوال فصول السنة تقريبا عن جثث أطفال غمرتهم الثلوج بدورهم قبل أكثر من خمسة قرون أي خلال فترة حضارة "الإنكا" التي كان الهنود الحمر قد أقاموها في عدد من مناطق ما يُعرف اليوم بأمريكا اللاتينية. وتطالب منظمات المجتمع المدني في هذا البلد الدولة وفرق الأبحاث التاريخية والأثرية والاجتماعية بجعل السكان المحليين في مقدمة الأطراف المستفيدة اقتصاديا واجتماعيا من كل المشاريع العلمية الرامية إلى الكشف عن ذاكرة الماضي من خلال ذوبان الجليد في عدة مناطق جبلية.

ويوجد الطلب ذاته في المكسيك عند سكان المرتفعات القريبة من جبل "بيكو دي أوريزابا" الذي يبلغ ارتفاعه نحو خمسة آلاف متر فوق سطح البحر. وثمة اليوم مشروع عملاق لمحاولة جمع مئات الجثث المتجمدة التي غمرتها الثلوج منذ عشرات السنين ودفنها في مقبرة واحدة في هذا الجبل.  وغالبية الجثث التي يراد جمعها هي جثث ضحايا التزلج على الثلج أو ضحايا حوادث سقوط طائرات مدنية فوق الجبل أو على جوانبه خلال الفترة الممتدة من عام 1950 إلى عام 1999.

جبال الهيملايا يمكن الاستفادة من تجاربها للتكيف مع التغير المناخي
جبال الهيملايا يمكن الاستفادة من تجاربها للتكيف مع التغير المناخي © ( أ ف ب)


 

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.