تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

ما مدى نجاعة التصدي للدبور الآسيوي: من المواد الكيميائية مرورا بسلالة من الدجاج كادت أن تنقرض ووصولا إلى نحل اصطناعي؟

سمعي
أحد أعشاش الدبور الآسيوي
أحد أعشاش الدبور الآسيوي © ويكيبيديا

اجتاح الدبور الآسيوي خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة عدة بلدان أوروبية منها أساسا فرنسا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا والمملكة المتحدة. وانعكس الأمر سلبا على إنتاج العسل لأن الدبور الآسيوي يفتك بنحل العسل وبحشرات كثيرة أخرى تساعد في الحفاظ على التنوع الحيوي وإثرائه.

إعلان

وحسب تقديرات وضعها خبراء منظمة الزراعة والأغذية " الفاو " تعادل قيمة الخدمات التي يقدمها النحل إلى المزروعات عبر إسهامه في عملية التلقيح 150 مليار يورو على الأقل في السنة. وفي فرنسا وحدها قدر هؤلاء الخبراء نسبة تراجع الإنتاج الزراعي بحوالي 10 في المائة في حال توقف النحل لسبب أو لآخر عن تلقيح المزروعات. بل إن نسبة تراجع الإنتاج يمكن أن ترتفع إلى عشرين في المائة في بعض أقاليم جنوب فرنسا الغربي لاسيما في ما يخص الأشجار المثمرة في حال إنهاء مساهمة النحل في التلقيح بشكل أو بآخر.

زد على ذلك أن لسعات الدبور الآسيوي أكثر خطرا على الناس مما هي عليه لسعات النحل والدبابير الأخرى غير الآسيوية. ويمكن أن يؤدي ذلك أحيانا إلى حصول وفيات لدى الذين يتعرضون لهجمات من قبل الدبور الآسيوي. ولذلك فإن مربي النحل الأوروبيين الذين يواجهون مشكلة تزايد أعشاش الدبور الآسيوي في ضياعهم وأحيانا حتى في الأجزاء المخصصة للسكن في هذه الضياع ينصحون باستخدام بعض المساحيق التي لا يأنس الدبور الآسيوي إلى رائحتها فيهرب ومنها مثلا الدخان المتصاعد من مسحوق البن المحروق ومسحوق الصعتر والبَخور.

نصب فخاخ للإيقاع بالدبور الآسيوي

 وإذا كانت هذه المواد قادرة على الحد من خطر الدبور الآسيوي على الإنسان، فإنها غير كافية بالمرة لإبعاد خطر الدبور الآسيوي عن المناحل والذي تعود على الدوران حولها للانقضاض على النحل الخارج منها والنحل الداخل إليها. ولذلك فإن النحالين استنبطوا عدة طرق لنصب فخاخ للإيقاع بها لاسيما في فصل الخريف لأسباب يشرحها أحد مربي النحل الفرنسيين فيقول: " نصب فخاخ للإيقاع بالدبور الآسيوي يصلح بشكل خاص في شهر نوفمبر –تشرين الثاني. فهذا موعد يَسْبِق ببضعة أسابيع موعدا آخر هو خروج ملكات الدبور الآسيوي من أعشاشها بهدف إعداد العُدَّة لبناء أعشاش جديدة تحميها في فصل الشتاء. ومن ثم فإنه لابد من نصب فخاخ للإيقاع بملكات الدبور الآسيوي لأنها هي التي تتولى إقامة أعشاش لإيواء سكان مستعمراتها المطالبين بتوسيع رقعة انتشار هذا الكائن الغازي. وقد لاحظت شخصيا أن هجمات الدبور الآسيوي على خلايا النحل الذي أربيه ما انفكت تزداد...."

المواد الكيميائية خير وشر

من أهم الطرق الأخرى التي استخدمت أو يتم استخدامها للتخلص من الدبور الآسيوي والتي أثبتت جدواها من جهة وأضرارها على التنوع الحيوي من جهة أخرى تلك التي تتمثل في استخدام مواد كيميائية لمواجهة هذا الكائن الغازي. بل إن كثيرا من مربي النحل يقرون اليوم بأن استخدام المواد الكيميائية بشكل مكثف في المجال الزراعي في بلدان الاتحاد الأوروبي يعد خطرا من المخاطر الثلاثة الأساسية التي تهدد النحل في حياته على نحو غير مسبوق. أما الخطران الآخران فهما انعكاسات التغير المناخي والدبور الآسيوي.

لقد تأكد إذن بعد وصول الدبور الأسيوي إلى فرنسا وبلدان أوروبية أخرى أنه يلحق أضرارا كبيرة بالنحل وأنه كثيرا ما يقيم أعشاشه قرب خلايا النحل حتى لا يكلف نفسه عناء الذهاب بعيدا للحصول على قوته.

وما يزعج كثيرا بلديات القرة الصغيرة التي يقيم على تخومها اليوم الدبور الآسيوي أنه أصبح يهاجم أكثر فأكثر المصطافين الذين يمرون قرب أعشاشه عن غير قصد. وما يزعج رؤساء هذه البلديات أن هجمات الدبور الآسيوي على الإنسان تتسبب أحيانا في وفاة الأشخاص المستهدفين لها. وآخر ضحايا الدبور الآسيوي في البلاد امرأة كانت في التاسعة والستين فتحت باب منزلها الريفي في جنوب البلاد الغربي فوجدت فيه عشا للدبابير.

وإذا كان عدد من المزارعين وأصحاب البساتين يستخدمون اليوم مبيدات كيميائية للقضاء على الدبور الآسيوي الذي غزا فرنسا على سبيل المثال، فإنهم يجدون أنفسهم أمام عدة مشاكل مهما اثنان مهمان وهما:

أولا: أن كلفة القضاء على العش الواحد من أعشاش هذا الدبور تتراوح بين ثمانين ومائتين وخمسين يورو.

ثانيا: أن المبيدات الكيميائية التي يستخدمونها للتصدي للدبور الآسيوي يمنع استعمالها بسبب انعكاساتها الصحية والبيئية السيئة.

ومن هنا جاءت فكرة استخدام ما يسمى الطريقة الحيوية لمواجهة الدبور الآسيوي أي التصدي لهذا العدو باستخدام عدو طبيعي أو مجموعة من الأعداء الطبيعيين.  كيف تستخدم الطريقة الحيوية لمواجهة الدبور الآسيوي في فرنسا؟ الرد على هذا السؤال بعد هذا الفاصل

دجاجة كادت أن تنقرض تنجد النحالين

قصة الدجاجة التي يمكن أن تساهم إلى حد كبير في التخلص من هذا الدبور، هي قصة سلالة من الدجاج الفرنسي تسمى " دجاجة جانزيه". وكانت تربى في منطقة لابروتانيو الفرنسية الواقعة في الغرب الفرنسي المطل على المحيط الأطلسي.  وأهملت تربيتها منذ عشرات السنين واستبدلت بسلالات أخرى أكثر إنتاجا، فتحولت شيئا فشيئا إلى سلالة من الدجاج البري الذي يعيش في الجبال وفي المزارع والحقول للبحث بنفسه عن قوته. واستطاعت هذه السلالة التكيف مع ظروفها المعيشية الجديدة فأصبحت قادرة مثلا على تسلق الأشجار بحثا عن الغذاء. ولكنها كادت أن تنقرض تماما في عام 1980 لولا الجهود التي بذلها متحف الطبيعيات الواقع في مدينة رين الفرنسية التابعة لمقاطعة لابروتانيو.

واكتشف مربي نحل بالصدفة في المنطقة ذاتها أن هذه السلالة من الدجاج تفضل بدورها الاقتراب من خلايا النحل لا للفتك به بل لتصيد الدبور الآسيوي. ولوحظ أنها لا تكتفي بمرور الدبابير من حولها للانقضاض عليها بل إنها تقفز في السماء للإمساك بها والتغذي عليها.

مربي النحل الفرنسي هذا يسمى كربستوف بيتو وهو في الوقت ذاته مزارع يهتم أساسا بزراعة أشجار التفاح. هذا ما يقوله وهو يتحدث عن طريقة استخدام هذه السلالة من الدجاج التي كادت أن تنقرض في التصدي للدبور الآسيوي: "جاءتني فكرة استخدام هذه السلالة من الدجاج للتصدي للبور الاسيوي بعد أفكار أخرى منها واحدة مُفادها أن التخلص من الأعشاب الطفيلية في مزرعة التفاح التي أفلحها عبر الخرفان فكرة جيدة لأنها تسمح لي بتجنب استخدام المبيدات الكيميائية من جهة ولأن التخلص من هذه الأعشاب الطفيلية يسمح لهذه السلالة من الدجاج بالتنقل  بسرعة في المزرعة وبتسلق   أشجار التفاح بحثا عن حشرات تتسبب في بعض أمراض التفاح بالإضافة إلى كونها تجد في الدبور الآسيوي قرب خلايا النحل طعاما شهيا يسمح لها بالحصول على بروتينات بكميات غير قليلة. وقد اهتدينا اليوم إلى نجاعة استخدام هذه السلالة من الدجاج بشكل فعلى للتصدي للدبور الآسيوي".

 هذا المزارع الفرنسي الذي يسمى كريستوف بيتو أطلق عام 2020 مع عدة شركاء مؤسسة تهدف إلى الترويج لاستخدام سلالة الدجاج التي كادت أن تنقرض من فرنسا والتي اتضح أنها فاعلة لمواجهة الدبور الآسيوي.

دجاجة تُستخدم للحد من انتشار الدبور الآسيوي
دجاجة تُستخدم للحد من انتشار الدبور الآسيوي © ويكيبيديا

 

الزنبور الأوروبي ضد الدبور الآسيوي

يسمى الدبور الآسيوي بالمصطلح العلمي " Vespa Velutina". أما اسم الحشرة التي يمكن أن تحد من توسعه المهول في فرنسا وبلدان أوروبية أخرى فهو " conops Vesicularis". وهذه الحشرة هي عبارة عن زنبور يعيش اليوم أساسا في أوروبا ولا يتجاوز طوله سنتمترا واحدا. وقد لاحظ باحثو معهد الأبحاث الفرنسي الخاص بحياة الحشرات أن عددا من ملكات الدبور الآسيوي تموت بسرعة لأن هذا الزنبور الأوروبي يضع في صدرها بيضه ولأن اليرقات التي تخرج من بيض الزنبور الأوروبي تتغذى على دم ملكات الدبور الآسيوي ثم على أجزاء أخرى منها فتضعفها وتؤدي بها في نهاية المطاف إلى الموت. ومع موتها، تصبح الدبابير التي تعيش معها بلا ملكة. ويختل التوازن بسرعة داخل الجيوب التي تقيم فيها هذه الدبابير التي تموت بسرعة بدورها.

يُعد هذا الاكتشاف جوهريا لأنه يمكن أن يسمح في المستقبل بتربية هذا الزنبور الأوروبي في المختبرات ثم على نطاق واسع وباستنباط طريقة حيوية من شأنها الحد من الأضرار التي يلحقها الدبور الآسيوي بمجموعة من الحشرات الملقحة وبخاصة النحل.  

ومن الأسئلة التي يريد الباحثون الفرنسيون الرد عليها عبر دراسات وأبحاث جديدة قد شرعوا فيها سؤال هام هو التالي: هل تكتفي الزنابير الأوروبية التي ستربي في المستقبل لاستخدامها في مقاومة الدبور الآسيوي بوضع بيضها في صدور ملكات هذا الدبور أم أنها قادرة على تجاوز ذلك إلى حشرات أخرى منها مثلا الحشرات التي تساهم في تلقيح المزروعات وأهمها النحل؟

في انتظار الرد على هذا السؤال، يبدو الباحثون الفرنسيون متفائلين بشأن الاستراتيجية المتكاملة التي يعولون عليها للحد من أضرار الدبور الآسيوي في بلدان أوروبا الغربية. وهم يدرجون اليوم ضمن هذه الاستراتيجية طيورا أوروبية بدأت تتغذى على الدبور الآسيوي الذي لم تكن تعرفه من قبل. بل يحلم بعض هؤلاء الباحثين بتدريب النحلة الأوروبية على طريقة لا تستخدمها حتى الآن ودأب عليها النحل الآسيوي في التصدي للدبور الآسيوي.  وتتمثل في محاصرة أفراده من قبل مجموعة كبيرة من النحل والإحاطة به بشكل جماعي والشد عليه حتى يختنق ويموت.

والحقيقة أن خبراء التنوع الحيوي والكائنات الغازية ومنها الدبور الآسيوي يرون اليوم أن الاستراتيجية الأفضل للتكيف مع هذا الكائن هي الاستراتيجية المتكاملة التي تأخذ بعين الاعتبار مقومات التنمية المستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وهم يرون أن التكنولوجيا والابتكارات الحديثة بإمكانها القيام بدور مهم في هذه العملية. ويستدلون على ذلك مثلا بالطائرات الصغيرة الموجهة القادرة على الكشف مثلا عن أعشاش الدبابير والاقتراب منها لتحديد مخاطرها والمساعدة على التخلص منها.

وفي السياق ذاته لابد من الحديث عن التجارب الحالية المتعددة الرامية إلى استحداث نحلة اصطناعية تساعد في تلقيح الزراعات والتصدي للآفات التي تطالها.

تجارب استحداث نحلة اصطناعية

في هذا الإطار، تمول شركة "وول مارت " الأمريكية المتخصصة في توزيع مواد الاستهلاك أبحاثا في المختبرات ترمي إلى استحداث نحلة اصطناعية قادرة على القيام ببعض المهام التي تقوم بها اليوم النحلة الطبيعية وبعض المهام الأخرى التي لا يمكن للنحلة الطبيعية القيام بها.

وكانت بعض الجامعات والمعاهد الأمريكية واليابانية قد أطلقت منذ سنوات عديدة ابحاثا في الإطار ذاته. ومن التجارب المهمة التي طورت مثلا من قبل جامعة هارفارد الأمريكية واحدة مكنت من صنع نحلة اصطناعية قادرة على الطيران في الجو. ولكن المشاكل التي لم يتمكن باحثو هذه الجامعة من إيجاد حلول له في ما يخص هذه النحلة الاصطناعية أنهم كانوا مضطرين إلى تزويدها بانتظام بالطاقة حتى تستطيع البقاء في الجو لمدة طويلة وأنهم كانوا غير قادرين على التحكم فيها عن بعد.

أما النحلة الاصطناعية التي سعت شركة " وول مارت " الأمريكية إلى تمويل المشروع الرامي إلى استحداثها فهي قادرة على تشغيل نفسها بنفسها من خلال الاستفادة بشكل مستمر من الطاقة الشمسية حتى في الأماكن التي تقل فيها أشعة الشمس. وبالإمكان التحكم فيها عن بعد. بل إن التجارب الأولى التي أجريت على هذه النحلة سمحت بتزويدها بنظام يسمح لها بالانتقال من زهرة إلى زهرة للمساهمة في تلقيح المزروعات وبتحديد أماكن وجود حب الطلع أو اللقاح في هذه الزهرة أو تلك.

ويراقب الباحثون المختصون بتربية النحل وبالتنوع الحيوي باهتمام كبير هذه التجربة وتجارب تندرج في الإطار ذاته لعدة أسباب من أهمها أن النحل الطبيعية تحدق بها مخاطر كثيرة منها تغير بيئاتها بشكل غير معهود بسبب التغير المناخي الذي يجعل ظروفها المعيشية هشة ويعرضها لهجمات الكائنات الغازية. وهو مثلا حال الدبور الآسيوي الذي يلحق أضرارا كبيرة بالنحل في عدد من بلدان المتوسط الشمالي ويجعلها مثلا غير قادرة على المساهمة بنجاعة في تلقيح المزروعات.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن شركة " وول مارت" الأمريكية سجلت براءة لدى المكتب الأمريكي للبراءات والماركات التجارية. كما سجلت براءات أخرى منها واحدة تتعلق بنحلة قادرة على رصد الأماكن المهددة أكثر من غيرها في هذه المزرعة أو تلك بالأعشاب الطفيلية أو الآفات الزراعية الأخرى.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.