تخطي إلى المحتوى الرئيسي
رفقاً بأرضنا

هكذا اجتاح الدبور الآسيوي أوروبا الغربية وأصبح يشكل خطرا على نحل العسل والتنوع الحيوي فيها

سمعي
الدبور الآسيوي وصل إلى أوروبا عبر شِحنة من الأواني الخزفية
الدبور الآسيوي وصل إلى أوروبا عبر شِحنة من الأواني الخزفية © إذاعة فرنسا الدولية (rfi)

أصبح مربو النحل في أوروبا يصفونه بـ"الدبور القاتل" في إشارة إلى الدبور الآسيوي الذي وصل في نهاية عام 2019 إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبالتحديد إلى ولاية واشنطن. ولا يعرف حتى الآن ما إذا كان قد بلغ الأراضي الأمريكية آتيا من آسيا أو ربما من أوروبا. ويخشى مربو النحل الفرنسيون أن ينتشر بسرعة وأن يصل إلى مزارع اللوز الشاسعة التي تنبت في ولاية كاليفورنيا والتي تصدر ثماره إلى بلدان كثيرة في العالم.

إعلان

وإذا كان الدبور الآسيوي يقتل كثيرا من الحشرات الأخرى لإطعام يرقاته بشكل خاص، فإن النحل يأتي في مقدمة ضحاياه. وهو ما يخشاه مربو النحل في الولايات المتحدة الأمريكية والذين لا يكتفون بتربيته لإنتاج العسل بل إنهم يحصلون على جزء من مداخيلهم عبر تأجير خلايا النحل التي يملكونها للمزارعين للمساهمة في تلقيح المزروعات، علما أن النحل من أفضل الحشرات الملقحة.

وصول الدبور الآسيوي إلى أوروبا عبر شحنة من الأواني الخزفية

وإذا كان الباحثون الأمريكيون يسعون جاهدين لمعرفة الطريقة التي وصل من خلالها الدبور الأسيوي إلى بلادهم، فإن للباحثين الفرنسيين تجربة لا بأس بها مع هذا الكائن الغازي. بل إن مربي النحل الفرنسين يعرفون اليوم بشكل جيد الأضرار التي يمكن الدبور الآسيوي إلحاقها خلايا النحل. هذا ما يقوله مربي نحل فرنسي يسمى دوني تييري في وصف الطريقة التي يمكن من خلالها للدبور الآسيوي القضاء على المناحل الأوروبية: "قمنا بعدة تجارب بشأن الأضرار التي يلحقها الدبور الآسيوي بالنحل يتضح من خلالها أنه قادر كل يوم على التنقل من المكان الذي يبني فيه أعشاشه إلى هذه المنحلة أو تلك بمعدل عشر رحلات في اليوم يقوم بها أفراد من الدبور الآسيوي يصل عددهم إلى ثلاثين. هذا يدل على أن ثلاث مائة نحلة تختفي تقريبا كل يوم من هذه الخلية أو تلك".

ولكن كيف وصل الدبور الآسيوي إلى فرنسا وكيف يعمل على توسيع نطاق مستعمراته في هذا البلد وفي أوروبا كلها لاسيما بعد أن انتقل من فرنسا إلى وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وأنجلترا؟ الرد على هذا السؤال يوجزه ماتيو ليهورو الذي يجري منذ سنوات عديدة دراسات وأبحاثا ميدانية عن الدبور الآسيوي    في المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية، فيقول: " لقد تم إدخال الدبور الآسيوي إلى أوروبا عبر البوابة الفرنسية وبالتحديد عبر جنوب غربي البلاد بواسطة سفينة وصلت إلى أحد الموانئ الفرنسية محملة بأون خزفية من الصين. وقد انطلقت من هذه الأواني ملكة ربما أكثر للإقامة في بعض مناطق جنوب فرنسا الغربي ثم ما لبثت مستعمرات الدبور الآسيوي أن اتسعت بمعدل مائة كيلومتر في العام. ونجدها اليوم حتى خارج حدود فرنسا"

لقد وصل الدبور الآسيوي إذن لأول مرة إلى فرنسا عام 2004 من الصين واجتاح منذ ذلك الوقت عدة بلدان أوروبية أخرى. وكان لذلك وقع سيئ على التنوع الحيوي وعلى إنتاج العسل في هذه البلدان.  وهذا ما جعل السلطات الفرنسية على سبيل المثال تدرج الدبور الآسيوي عام 2012 في قائمة الكائنات الغازية التي تشكل خطرا على كائنات أخرى. وحظي القرار بارتياح كبير لدى مربي النحل في فرنسا لأن هذا الدبور أصبح يلحق منذ سنوات أضرارا كبيرة تطال خلايا النحل في البلاد ولأن القرار يجبر السلطات الوطنية والمحلية على اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي له.

ومن أهم الأسباب التي جعلت مربي النحل في فرنسا يجعلون الدبور الآسيوي في مقدمة أعدائهم اتساع رقعة المناطق التي اجتاحها من جهة وشراسة الحرب التي يخوضها ضد النحل في فرنسا من جهة أخرى. فبعد وصول هذا الكائن الغازي إلى فرنسا، تأقلم بسرعة مع مناخ منطقة " لوت إيغارون" الواقعة في جنوب البلاد الغربي. ولكنه سرعان ما تكيف مع الأقاليم المجاورة. ثم بدأ يزحف بشكل تدريجي باتجاه الوسط والشمال. وها هو اليوم يبسط نفوذه في غالبية مناطق البلاد. والملاحظ أن الاستراتيجية التي يلجأ إليها الدبور الآسيوي للحمل على النحل استراتيجية عملية إلى حد كبير. فكل همه اليوم تحديد مواقع المناحل والانتظار قربها حتى تعود العاملات بحب الطلع الذي تصنع منه العسل في الخلايا. وعند عودتها ينقض عليها الدبور الآسيوي ويقطع رأسها بسرعة ويفتك من بين أرجلها الحب ويلتهمه.

 الدبور الآسيوي ضمن أول قائمة الكائنات الغازية المستوطنة في أوروبا

منذ سنوات عديدة تلح منظمات المجتمع المدني التي تعنى بالبيئة والتنوع الحيوي على ضرورة اعتناء دول الاتحاد الأوروبي كما يجب بمشكلة الكائنات الحيوانية والنباتية التي هاجرت في العقود الأخيرة من مواطنها الأصلية واستوطنت في هذه الدول. ومنذ سنوات تدعو منظمات المجتمع المدني هذه دول الاتحاد الأوروبي لإيلاء الكائنات الغازية التي تلحق ضررا كبيرا بالبيئة الأوروبية أولوية خاصة.

ولذلك فإن إقدام المفوضية الأوروبية على عرض قائمة بأهم هذه الكائنات الغازية التي استوطنت في دول الاتحاد الأوروبي وأصبحت تشكل فعلا خطرا متعدد الجوانب يعد خطوة إيجابية. وتحتوي هذه القائمة على 37 نوعا من أنواع النباتات والحيوانات التي يرى خبراء المفوضية والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أنها تجسد بحق هذا الخطر.

ومن أهم الحيوانات المدرجة في قائمة الكائنات الغازية التي تتجاوز سلبيتاها إيجابياتها فأر الأنهار الآتي من أمريكا الجنوبية والضفدعة الثور وسلحفاة فلورديا والسنجاب الرمادي. وقد استقدمت هذه الحيوانات من الولايات المتحدة في العقود الماضية. أضف إليها الدبور الأسيوي وغراب المنزل الهندي.

ولا بأس أن نقدم فكرة هنا عن بعض الأضرار التي تتسبب فيها هذه الكائنات الغازية. ففأر الأنهار أو السمور الصغير الآتي من أمريكا الجنوبية يحفر فيها كثيرة على ضفاف الأنهار فيحولها أحيانا إلى مواضع هشة قد تؤدي إلى سقوط حيوانات كثيرة في الأنهار دون أن تتمكن من النجاة. والضفدعة الثور تلحق ضررا بكثير من الطيور بما فيها الدواجن. وسلحفاة فلوريدا تتسبب في نقل بعض الأمراض الخطيرة.  والسنجاب الرمادي يلحق أضرارا هامة بألحية الأشجار أي بقشورها بل إنه يحمل فيروسا لا يسبب له أمراضا ولكنه يصبح خطرا على السنجاب الأحمر الأصيل في أوروبا إذا انتقل إليه. وإذا كان الدبور الآسيوي يفتك منذ سنوات بخلايا النحل في عدد من دول الاتحاد الأوروبي في مقدمتها فرنسا، فإن الغراب المنزلي الهندي غدا من أهم الطيور التي تلحق ضررا كبيرا بالمزروعات في موسم البذر.

ومن النباتات التي أدرجتها المفوضية الأوروبية في أول قائمة من قائمات الكائنات الغازية نبتة تسمى " ياسنت الماء" أو وردة النيل وأخرى تسمى " الأيلوديا المجعدة" وتنبت في البرك. ومن انعكاساتها السلبية على برك أوروبا أنها تساهم في تغيير مواصفات مياهها الفيزيائية والكيميائية. بل إن أوراقها تساهم في رفع كميات الوحل داخل هذه البرك مما يلحق ضررا ببيئتها المصغرة ويعيق التنقل فيها بواسطة مراكب.

منظمة الأمم المتحدة تحذر من مغبة اندثار النحل

تذكر منظمة الأمم المتحدة في رسالتها بمناسبة الاحتفال بيوم النحل العالمي بأن النحلة تشارك في تلقيح مائة وسبعين ألف من أنواع المزروعات والنباتات المعروفة والتي تساهم إلى حد كبير في ضمان الأمن الغذائي الإنساني والحيواني. كما تذكر بأن النحل يعد حسب كل الدراسات العلمية التي أجريت حتى الان من أفضل ملقحي المزروعات. وهذا ما يجعل مزارع اللوز الأمريكية التي تؤمن لوحدها 45 في المائة من الإنتاج العالمي من اللوز تلجأ إلى خدمات مربي النحل الأمريكيين خلال فترة الإزهار مقابل مبالغ مالية أصبحت جزءا أساسيا من مداخيل هؤلاء المربين.

ولكن منظمة الأمم المتحدة تنبه أصحبا القرارات السياسية والاقتصادية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي للمخاطر التي تهدد سلالات كثيرة من النحل في العالم بالانقراض في العقود القليلة المقبلة. ومنها أساسا الأسمدة الكيميائية وما يسمى الكائنات الغازية أو المستوطنة وتقلص المساحات الخضراء في العالم لأغراض صناعية أو عمرانية.

وقد لوحظ في العقود الأخيرة أن كثيرا من الأسمدة الكيميائية المستخدمة في المجال الزراعي تساهم في إضعاف جهاز النحلة المناعي وفي التضبيب على النظام الذي يتحكم في انتقال النحلة في المزارع والحقول والعودة إلى الخلية التي تنطلق منها. وبالتالي فإن كثيرا من النحلات العاملات تصاب بالإجهاد أو تضيع بسبب هذه الأسمدة الكيميائية المضرة بها مما يؤدي إلى هلاكها وهي في طريق العدوة إلى الخلايا. 

ويعد الدبور الآسيوي الذي وصل إلى بلدان أوروبا الجنوبية عام 2004 من أشد الكائنات الغازية الت تفتك بالنحل في هذه المنطقة. ولم يتم التوصل حتى الآن إلى طريقة ناجعة مائة في المائة وقادرة على التصدي له بسرعة والحد من تكاثره على حساب النحل. وإذا كانت كائنات غازية مضرة بالنحل تنتقل من قارة إلى أخرى عبر السفن الناقلة للبضائع، فإن بعضها يجد نفسه مضطرا من الهجرة من مواطنه الأصلية إلى مواطن جديدة بسبب التغير المناخي الذي يُعد عاملا مهما من عوامل إضعاف النحل وقدرته على المساهمة في الحفاظ على التنوع الحيوي. وهذا ما جعل الأمم المتحدة تؤكد أن قدرة المناحل على التجدد على المستوى العالمي تنخفض بمعدل يتراوح بين مائة وألف مرة ما كان عليه الأمر من قبل. ولذلك فإن منظمة الأمم المتحدة تدعو إلى تهيئة حقول ومزارع خاصة تتميز بتنوع نباتاتها وأزهارها وتكون بمثابة المحميات التي تساهم في الحفاظ على النحل من الانقراض.

 ولكن ماهي أهم الطرق والأساليب التي استخدمها الأوروبيون لمكافحة الدبور الآسيوي وما مدى نجاعتها في التصدي له؟ الرد على هذين السؤالين سيكون محور حلقة مقبلة من البرنامج الأسبوعي المخصص لقضايا البيئة والتنمية.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.